إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

قانون الانتخاب نتاج حتمي لإعادة رسم موازين القوى

هتاف دهام - البناء

نسخة للطباعة 2015-12-14

الارشيف

يحتدم النقاش الداخلي حول قانون الانتخابات النيابية الذي سيكون صورة طبق الأصل عن التسوية التي ترسم للبنان. فأين موقع قانون الانتخاب في ظل ما يجري من تطورات إقليمية، خصوصاً على الساحة السورية؟ لن ينضج هذا القانون إلا على نار التسوية الرئاسية، فإذا تقدّم الموضوع الرئاسي، تقدّم البحث في القانون الانتخابي، وإذا بقي ملء الشغور الرئاسي عالقاً في عنق زجاجة الحسابات السعودية والحريرية من دون زحزحة، فمن الصعوبة الاتفاق على قانون انتخاب يُعيد تكوين السلطة على أسس عادلة ومتوازنة، كما يريد فريق 8 آذار مجتمعاً.

إن قضية قانون الانتخاب هي الأصعب، وهناك مرحلتان للتعاطي مع هذا القانون في تاريخ لبنان الحديث: مرحلة ما قبل الطائف، ومرحلة ما بعد الطائف. كان كل عهد في مرحلة ما قبل الطائف، يكيّف قانون الانتخاب طبقاً لمصالحه. وبما أن كلّ الصلاحيات كانت مع رئيس الجمهورية، عبر قانون الانتخاب في تلك الحقبة بشكل مباشر عن مصلحة الرئيس وكانت عملية صناعة السلطة مرتبطة بصلاحياته المطلقة وبقانون الانتخاب الذي يريده.

أما الجديد الذي برز ما بعد اتفاق الطائف تمثل في صلب الميثاق الوطني الذي تحدّث عن المحافظة كدائرة انتخابية، لكن في أول تطبيق له في عام 1992 لم تطبق المحافظة إلا انتقائياً واستنسابياً، من خلال شطر لمناطق واعتماد الأقضية في مناطق أخرى، واتُهم السوري يومذاك بأنه عرّاب هذه الانتقائية، بينما إذا عدنا إلى حقائق ما جرى فعلاً، نجد أن جل ما قام به السوري هو تنظيم المصالح بين القوى السياسية التاريخية نفسها في لبنان، فالتوزيعات الانتقائية للدوائر كانت بجوهرها لخدمة مصالح زعماء الطوائف الكبار، حيث جرت التجزئة ولخدمة زعماء الطوائف الآخرين، حيث لم تجر التجزئة، وأن السوري لم يكن إلا مدير لعبة المحاصصة التي لا تخدم الدساتير ولا الميثاق. فقانون عام 2000 على سبيل المثال شكل دوائر انتخابية على مستوى القضاء، ودوائر على مستوى المحافظة، ودوائر بين القضاء والمحافظة.

ثبتت تجارب مرحلة ما بعد الطائف إدانة كل القوى الإقطاعية والطائفية على ضفتي ما يُسمّى اليوم 8 و14 آذار بطرح قانون انتخابي يسقط سلفاً على عدد المقاعد التي يؤمنها له خارج أي معيار وطني جامع. وسبب عدم وجود هذا المعيار هو قدرة هذا النظام السياسي والطائفي وصيغة المحاصصة الطائفية، على ضرب الاصطفافات والتحالفات الانتخابية الوطنية لا الطائفية وتحطيم الحلم اللبناني بإقرار قانون انتخابي جديد على أساس النسبية، والذي يكاد يتحوّل سراباً.

وإذا كانت طريق التسوية الرئاسية الباريسية ليست معبّدة وربما تفرملت أو تعرقلت أو أطيحت أو تعطلت، ولأن كل القوى السياسية تفترق على النظرة لقانون الانتخاب، وبما أن الصراع في حقيقته على خلفية الرئيس واسمه مهم، والصراع بين القوى الإقليمية لكل من الفريقين أيضاً مهم، لكن الأكيد أن الحَكَم الحقيقي لأي منتصر أو مهزوم في إطار ما يُسمى إعادة تشكيل السلطة على أسس متوازنة، هو قانون الانتخاب الذي يشكل الكلمة السحرية في السلة المتكاملة التي تحدّث عنها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله والتي تتضمّن إلى إقرار قانون انتخاب، رئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة.

في ظل هذه المعادلة القاسية في الصراع، يبقى قانون الانتخاب هو الفيصل الحقيقي في رسم أية معادلات أو توازنات يمكن أن يذهب إليها البلد. لذلك من المستحيل في ظل التوازن السلبي الحالي الحاكم في العلاقة بين الأطراف المحلية على ضفتي الصراع، الحديث عن التوصل إلى قانون انتخاب يُرضي الجميع، إلا في ظل اختلال في موازين القوى، ما يؤدي إلى ما يشبه الدوحة الجديدة قانون الستين هو من رحم 5 و 7 أيار وإقراره حظي بتوافق سوري، سعودي، أميركي، فرنسي، إيراني. وعندها هذه «الدوحة الجديدة» ستكون بناء على موازين القوى الكاسرة للتوازن الحالي، فأي قانون انتخاب جديد هو نتاج حتمي لإعادة رسم موازين القوى. ولذلك كل ما نشهده الآن من تعدّد في القوانين والمسمّيات وفي الفذلكات ليس أكثر من محاولة تمترس كل طرف خلف ما يراه طريقاً حتمية إلى الفوز. ومن الصعب جداً أن يتنازل أحد للآخر عما يعتبره فوزه المضمون.

إن أي طرف من الأطراف الحاملة للقوانين، سواء في لجنة دراسة قانون الانتخاب أو في اللجان المشتركة، أو في طاولة الحوار الوطني أو في أية مساحة بحث عن قانون، يحمل صيغة قانون انتخاب مبنية على معيار ربحه وليس على معيار القواسم المشتركة مع الآخرين، وكما كانت العودة إلى قانون الستين ترجمة للحظة فرضها اتفاق الدوحة على الجميع، فإن أي قانون جديد لن يأتي إلا بقوة دفع مشابهة.

من الاستحالة في مكان أن ينجح أي حوار على البارد، كالذي يحصل حالياً في صنع قواسم مشتركة، بخاصة أن هناك أطرافاً أساسية لا تريد أن تسمع بكلمة نسبية، برغم كل الغزل والإطراءات التي نسمعها في الإعلام عن هذه النسبية، وعلى رأس هذه القوى تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وحتى حزب القوات اللبنانية، وتمسكهم بقانون الستين نابع بشكل أساسي من إيمانهم أنه يوفر لهم على الأقل ضمانات التفوق بالعدد الحالي، الذي يبقي رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط بيضة القبان، والذي يتحكم بالبلد منذ عشر سنوات مضت، فهو يُصرّ على قانون الستين انطلاقاً من موقف قريب من موقف تيار المستقبل، فهو يريد النظام الأكثري، ولا يقبل بالنظام النسبي، وكذلك حزب الكتائب الذي يفضل، بحسب ما يؤكد وزيره سجعان قزي لـ«البناء» «النظام الأكثري على الدوائر الصغرى لكونه يراعي التركيبة اللبنانية، وفي الوقت نفسه مستعد للنقاش في أيّ قانون يؤمّن عدالة التمثيل للجميع». فيما يرى حزب الله أن الحلّ في اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النظام النسبي، لأن تطبيقه يعني مقدّمة للإصلاح السياسي السلس الذي يحسن في البيئة السياسية من غير أن يشكل حساسية، لهذا المكون المذهبي أو ذاك، وكذلك كتلة حزب البعث، وكتلة الحزب السوري القومي الاجتماعي التي قدمت منذ 19 عاماً اقتراحاً في هذا الشأن لا يزال في أدراج المجلس، والذي لم يكن ليطرح في اللجنة الانتخابية، لولا طلب رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي النائب أسعد حردان من الرئيس بري في إحدى جلسات طاولة الحوار الوطني بدرس هذا الاقتراح إلى جانب المشاريع والاقتراحات الـ 17 التي تحدث عنها رئيس المجلس في اللجنة النيابية المصغرة، بخاصة أن هذا الاقتراح يوحّد بين اللبنانيين ويتيح مشاركة جميع القوى والأطراف بكل أحجامها واتجاهاتها في الحياة السياسية وفي إصلاح النظام السياسي، فيتساوى الجميع في الشراكة لا الاستبعاد. وكذلك يرى التيار العوني أن قانون الانتخاب يجب أن يكون متوافقاً ومقتضيات وثيقة الوفاق الوطني أي قانون عادل ينصف جميع مكونات الوطن ويساوي بين المواطنين اقتراعاً وتمثيلاً ويؤمن صحة التمثيل وفعاليته، ما يعني قانوناً يعوّض عن تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية بالشراكة الفعلية في صناعة القرار الإجرائي في مجلس الوزراء.

لكن، من الصعب أن تصل لجنة درس قانون الانتخاب إلى نتيجة ما لم تتضح أفق التسوية السياسية وفق السلة المتكاملة، فلا بشائر إيجابية تلوح في أفق عمل اللجنة الذي لن يتعدّى الشهرين، وما سيرافق انتهاء المهلة من التباسات ستثير المشاكل، فالبعض يفترض وجوب الإحالة التلقائية لقانون الانتخاب إلى الهيئة العامة، والبعض الآخر يقول إن القوانين ستحال تلقائياً إلى اللجان المشتركة.

وكذلك من الصعب أن يحسم أحد شكل أو طبيعة قانون الانتخاب الذي سيقرّ برغم أن النقاش في نهاية المطاف سيتركز حول إقرار، إما مشروع الحكومة القائم على تقسيم لبنان 13 دائرة على أساس النسبية، أو مشروع الـ15 دائرة الذي جرى التوافق عليه في الصرح البطريركي في بكركي بين الأقطاب الموارنة الأربعة وتخلى بموجبه رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون عن اقتراح اللقاء الارثوذكسي، أو العودة إلى الستين، فلا حظوظ للنظام المختلط كما تقول مصادر نيابية مشاركة في اللجنة النيابية سواء اقتراح القانون المختلط المقدم من النائب علي بزي والقائم على انتخاب 64 نائباً على أساس النسبي، و 64 نائباً على أساس الأكثري، أو اقتراح القانون المختلط المقدّم من «القوات» و«الاشتراكي» و«المستقبل» والقائم على انتخاب 68 نائباً على أساس الأكثري و60 نائباً على أساس النسبي، وان كان الاقتراحان يعتمدان التقسيمات نفسها التي اعتمدها قانون الدوحة.

يظهر الخلاف على جنس ملائكة قانون الانتخاب من خلال رؤية كل فريق لعمل اللجنة التي تضع على طاولة بحثها 18 مشروع واقتراح قانون. والسؤال كيف سيخرج عن هذا المكوّن العقيم قانون انتخابي عصري ما دام الأمر خاضعا لما يُسمّى بالديمقراطية التوافقية ولمنطق «الجبنـة» اللبنانيـة السائـد ولمنطـق دهاقنة الطوائف؟

وعليه، سيبقى قانون الانتخاب أكبر قنبلة موقوتة، لا شيء يوحي أن الطريق ستكون سهلة أمام إقرار قانون انتخابي جديد يوفر للشعب اللبناني الحد الأدنى من النقد، فرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ورئيس تيار المستقبل سعد الحريري لا يمكن أن يساوما على قانون الستين الذي وحده يبقي النواب «المسيحيين» أسرى الصوتين الجنبلاطي والحريري.

وإذا كانت الأقضية في عام 1960 أمّنت حداً أدنى من عدالة التمثيل وفق المعايير الديمغرافية لذاك الزمن، لكن البدعة أن يعود اللبنانيون اليوم إلى قانون عمره 55 عاماً كوحدة إدارية جغرافية من دون أن يلحظ هؤلاء كل المتغيرات الديمغرافية والسياسية منذ ذاك الحين حتى الساعة.

إن من يريد الإبقاء على الميثاق الوطني ويعيش هاجس تعديله أو تطويره بما يتلاءم مع المقتضيات الجديدة، لا يلجأ إلى اعتماد قانون 1960 الذي من شأنه أن يجهض الطائف من أساسه، بخاصة أن هؤلاء يعلمون أنه ينص على أن تجري الانتخابات النيابية، وفقاً لقانون جديد على أساس المحافظة يساوي بين المسيحيين والمسلمين، إلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي.

لقد أرضى قانون الدوحة رئيس تكتل التغيير والإصلاح الجنرال ميشال عون في جزين ورئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية في زغرتا، لكن لم يكن جنرال الرابية يعلم أن هذا القانون سيعطي الحريري أكثر من قانون غازي كنعان الذي حقق لتيار المستقبل الفوز بنسبة 70 ، في حين أن قانون الستين أعطاه نسبة 85 . لذلك سيبقى تيار بيت الوسط متمسكاً بقانون الستين الذي يكرس هيمنته على السلطة إلى الأبد، ويُعيد استيلاد النواب المسيحيين في كنف تياره الأزرق، ويمنع تشكيل أي معارضة سنية قادرة على الوصول إلى مجلس النواب، لكن هل سيتمكن من ذلك في ضوء الانتصارات التي حققها حزب الله في سورية، والتي من المفترض أن يجني ثمارها ويستثمرها وحلفاءه في الداخل، فمن قدّم التضحيات يستطيع مراكمة المزيد من الانتصارات ولا يحتاج لمنّة باريسية أو سعودية، والتجارب مع الحريري وجنبلاط لا تبشر بالخير أبداً منذ انتخابات العام 2005.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018