إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الأزمة السورية ومعضلة السياسة الخارجية التركية

د. هدى رزق - البناء

نسخة للطباعة 2016-06-04

الارشيف

انفجر البرلمان الألماني «البوندستاغ» بوجه ميركل وسياستها التركية، كان لا بد من ردّ فعل عبّر عنه البرلمان نيابة عن شعبه وعن الأوروبيين الذين ضاقوا ذرعاً بتهديدات اردوغان، «ارسال باصات اللاجئين إلى الإتحاد الاوروبي إن لم يتقيّد بشروط الاتفاق مع تركيا».

يردّد الرئيس التركي هذه اللازمة تقريباً يوميا،ً على مسامع الأوروبيين الذين يشعرون بابتزازه لهم، حتى غدت سياسة المستشارة الألمانية انجيلا ميركل موضع انتقاد في ألمانيا. لم يكتف الرئيس التركي بذلك بل ذهب إلى طلب محاكمة أحد مقدمي البرامج في التلفزيون الألماني، الذي عرض عنه تقريراً ساخراً ما أثار حنق الإعلاميين بعد أن استجابت ميركل لطلب اردوغان الكف عن بث البرنامج. صوت البرلمان الألماني بالإجماع على التنديد بالابادة الجماعية للأرمن عام 1915، باعتراض صوت واحد وامتناع أخر بالرغم من أن الموضوع لم يكن على أجندة ميركل ولا البوندستاغ خلال عام 2015 فألمانيا لم تتخذ حتى اليوم خطوات في هذه المسألة، على الرغم من الدعوات الملحة من كل الحكومات الاوروبية ومنظمات الارمن في الشتات وفي العالم.

لا يبدو الرئيس اردوغان بصدد اتخاذ خطوات تصعيدية لكنه استدعى السفير التركي في برلين للتشاور، وسلمت مذكرة احتجاج إلى القائم بالأعمال الألماني في انقرة. فيما صرح وزير الخارجية جاويش اوغلو أنه ليس من حق أيّ بلد تغطية الصفحات المظلمة من تاريخه واستهداف الاخرين باتهامات لا أساس لها من الصحة. إلا أن الأحزاب في البرلمان التركي فشلت في اتخاذ موقف موحد من الموضوع إذ جرى التنديد بالقرارمن قبل ثلاثة أحزاب،وسجل عدم التزام لحزب الشعوب الديمقراطي لانه أكد في برنامجه الإنتخابي على تأييد الإعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن عام 1915.

لم تتأثر الحكومة الألمانية بتحذيرات انقره قبل اتخاذ هذا القرار لا سيما أن 4 ملايين ألماني من أصل تركي يعيشون في هذا البلد، لكنهم لم يشكلوا ورقة ضغط بسبب تشرذم مواقفهم، الأمر الذي أضعف موقف الحكومة التركية، واحتفل أتراك من أصل كردياً للقرار أمام مبنى البرلمان الألماني فيما صوّت على القرار أحد المشرّعين القانونيين من حزب الخضر، وهو من أصل تركي. يمكن القول أن التصويت هو تراكم متفاعل ضد كل من اردوغان وميركل، لذلك اختارت انقرة عدم التصعيد والمبالغة في الموضوع.

لكنها تبدو عاجزة عن انتاج استراتيجية خارجية تلاءم واقعها ولم تنسق سياستها حتى مع حلفائها، وهي تواجه معضلات من غير المحتمل حلها قريبا. فليست المشكلة اليوم مع البوندستاع الالماني سوى مسألة بسيطة أمام ما يعتريها على الحدود مع سورية فمشاكلها تتراوج بين حربها في الداخل مع حزب العمال الكردستاني وجهودها لمنع حزب الإتحاد الديمقراطي ووحدات الحماية الكردية من توحيد أرض شمال شرق سورية، روج آفا وإعلان الحكم الذاتي.

وهذا ما يزيد الأمور تعقيداً ويعيق تقدّم التحالف بقيادة الولايات المتحدة قي القتال ضدّ داعش. فواشنطن تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين انقرة وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي تراه تركيا إرهابياً وتعتبره جزءاً من حزب العمال الكردستاني. وفيما تعتبر واشنطن أن حزب العمال الكردستاني هو منظمة إرهابية، ترفض أخذ نفس الموقف بما يخص حزب الإتحاد الديمقراطي. إذ أن نجاحات قوات سورية الديمقراطية والأميركيين متعلق بالقوات الكردية التي تقاتل داعش.

تدعم تركيا قوات موالية لجبهة النصرة التي تضعها الولايات المتحدة على لائحة الأرهاب. لكنها اليوم في وضع المتفرج على تغطية الطيران الأميركي لمعارك قوات الحماية الكردية وقوات سورية الديمقراطية في معركة استعادة الرقة، وهي تعتبر أن حدود الـ 98 كلم على حدودها بين جرابلس إلى الشرق من إعزاز إلى الغرب يجب أن تكون منطقة خالية من الأكراد وتخشى وقوعها في أيديهم. فوصل هذه المنطقة من الشرق وغرب الفرات يمكنه تشكيل كانتون كردي يمكنه اعلان حكم ذاتي على حدودها، وهذا يشكل خطر كبير على وحدتها الداخلية في ظل الحرب مع حزب العمال الكردستاني، وهي تخشى من أن يعجل تحرير منطقة الرقة بهذا الأمر. لذلك اقترح وزير الخارجية مولود جاويش اوغلو على الأميركيين أن تشارك وحدات كومندوس أميركية وتركية بعمليات مشتركة في شمال سورية من أجل إزاحة «داعش» عن المنطقة وإلغاء التعاون مع وحدات الحماية الكردية.

لا يبدو أنّ هناك تأثير ما لتركيا على قرارت الولايات المتحدة في هذا الشأن، بالرغم من أن الطيران الأميركية يقلع من قاعدة انجرليك ليساند قوات الحماية الكردية. لا تستطيع تركيا الاعتراض على استعمال قاعدتها العسكرية لئلا تخسر آخر خيوط التأثير مع الولايات المتحدة.

فتقدم «داعش» على خط مارع إعزاز يجعل تركيا في مواجهة مشكلة اللاجئين ونقل هؤلاءاللاجئين إلى المناطق التي تشغلها قوات الحماية الكردية، سيحول هذه المناطق إلى آمنة ويعطيها شرعية لذلك لا بد من أن تتم مقاتلة التقدم الداعشي لكن من يقاتلها بشراسة هم وحدات الحماية الكردية. لا حل للمعضلة التركية سوى في إنهاء الأزمة السورية التي تؤثر عليها بشكل مباشر. هي صنعت مأزقها عبّر اتباعها لهذه السياسة الخارجية فهي أمام معضلة كردية أن لم تقاتل وحدات الحماية الكردية داعش في الرقة فما عساه أن يكون الحلّ الأنسب للحكومة التركية ؟ هل ترك الرقة لداعش؟ تقول أنقرة إن الرقة ليست لداعش. إذا هي للنظام السوري لكنها أيضاً لا توافق على هذا الأمر. لا تستطيع تركيا التدخل عسكرياً في سورية نظراً للظروف الدولية والذاتية ايضاً ولا تستطيع حماية حدودها ولا لعب دور في الحلّ.

تعلو الأصوات في الداخل لا سيما تلك المقربة من الحكومة، التي تدعو إلى ضرورة وضع حد لهذا العجز.. فكيف سيتم ذلك وهل فعلاً من سياسة جديدة يمكنها إعادة عقارب الزمن التركي إلى الوراء؟

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018