إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

"مفهوم الحزب عند سعاده" كتاب جديد للأمين أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة  | +  حجم الخط  - 2016-07-14

صدر عن "دار الفرات" في بيروت كتاب جديد للأمين أحمد أصفهاني عنوانه "مفهوم الحزب عند سعاده: ثلاثية متلازمة في العقيدة والدستور والمناقب". وهو يتألف من مقدمة وعشرة فصول وخلاصة. ويغطي الكتاب تجارب أنطون سعاده السياسية والحزبية منذ سنة 1924 في البرازيل وصولاً إلى مرحلة تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي في الوطن سنة 1932. ويتوقف البحث عند سنة 1938 عندما إضطر سعاده لمغادرة الوطن بطريقه إلى المغترب الأميركي اللاتيني.

جاء في المقدمة:

بالنسبة إلى المواطنين العاديين المهتمين بقضايا الأمة السورية والعالم العربي، الذين لا يعرفون على وجه الدقة تاريخ نشوء الحزب السوري القومي الاجتماعي والمراحل التي مرّ فيها، فإن هناك ثلاث مؤسسات تحمل اسم الحزب. كل منها يتبع العقيدة ذاتها، ويُعلن الالتزام بفكر مؤسسه وزعيمه أنطون سعاده، ويعمل تحت علم الزوبعة، ويطبق الترتيبات النظامية نفسها. لكن كل واحد منها له رئيس مختلف ومجلس أعلى مختلف ومجلس عمد مختلف… وإلى حد ما ممارسات سياسية مختلفة!

العقيدة القومية الاجتماعية التي أرادها مؤسس النهضة وزعيم الحزب عقيدة موحدة جامعة، نراها اليوم مشرذمة بين ثلاث مؤسسات متباعدة. والحقيقة المرّة هي أن المؤسسات الحزبية المنقسمة على ذاتها عانت في الوقت نفسه تشظيات داخلية معقدة بحيث يمكننا القول إن العقود الأربعة الماضية شهدت صراعات مريرة بين القوميين الاجتماعيين أنفسهم لم تقتصر على التأويلات الفكرية والاجتهادات السياسية، بل وصلت في أحيان كثيرة إلى تصفيات جسدية حصدت عشرات الرفقاء من جميع الأطراف.

إن مظاهر هذا التشرذم ليست جديدة على الحزب السوري القومي الاجتماعي، كما أنها ليست وليدة الصراعات السياسية والمطامح الشخصية فقط، بل هي تعود في قسم كبير منها إلى خلل في فهم طبيعة الحزب الذي أراده مؤسسه أن يكون حركة الشعب العامة، وأن تكون غايته الأساسية بعث نهضة قومية اجتماعية شاملة. وهذا الخلل ظل يتسلل إلى الإدارات العليا في الحزب حتى في حياة زعيمه، سواء خلال فترة وجوده في الوطن (1932 ــ 1938) أو أثناء مغتربه القسري في أميركا اللاتينية (1938 ــ 1947).

في خطاب الأول من آذار سنة 1938، شدد سعاده على أهمية معرفة ظروف وعوامل نشوء الحزب. ولكنه اكتشف في أواسط الأربعينات أثناء إقامته في الأرجنتين وجود إهمال متعمد من قبل القيادة الحزبية في الوطن من حيث تدريس تاريخ الحزب. واعتبر أن هذا الإهمال يؤدي إلى "استنتاجات واعتقادات مخالفة للحقيقة"، داعياً إلى "وضع حد لها قبل أن يتسع انتشارها وتكوّن مشكلة نفسية خطرة ومشكلة سياسية داخلية معقدة". واعتبر أن ذلك الخلل ناشئ "عن عدم العناية بدرس نشوء الحزب السوري القومي الاجتماعي والكيفية التي نشأ فيها والظروف المحيطة بتلك النشأة. والظاهر أن مؤسسات الحزب الثقافية والإذاعية والسياسية لم تعن العناية اللازمة بهذه الناحية الهامة من الثقافة الحزبية والإذاعية والسياسية، أو لم تسمح لها الظروف بتوجيه العناية لها".

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المفكرين القوميين الاجتماعيين أدركوا دائماً أن واقع التشرذم الحزبي هو نقيض الدعوة القومية الجامعة، وهو نتاج الجهل بطبيعة الحزب ومفهوم التأسيس. لذلك نشأت في أوقات عدة مجموعة من المساعي الهادفة إلى إزالة الانقسامات الداخلية وتحقيق حلم القوميين بالوحدة. حدث هذا بعد انشقاق سنة 1974، ثم تكرر الأمر في أعقاب الانشقاق الدموي سنة 1987. وعلى الرغم من النجاح الجزئي لتلك المساعي، إلا أن عوامل التباعد ظلت تنخر في الجسم الحزبي سنة بعد أخرى يغذيها غياب الدراسة المتأنية للقواعد الراسخة التي أقام عليها سعاده بنيان المؤسسة الحزبية… إلى أن بلغنا وضعنا الحزبي الراهن.

في ظل الإنقسامات الحزبية، وفي إطار جهل قسم من الأجيال الجديدة في الحزب لتاريخ حزبهم، كانت الدعوة إلى وحدة الصف شعاراً قومياً عاماً. إن أية قيادة حزبية، مهما تمسكت بفئويتها وسلطويتها، لا يمكن أن تحظى بالشرعية القومية الاجتماعية الفعلية إلا إذا حملت راية إزالة عوامل التقسيم وإعادة اللحمة الفكرية والمناقبية بين القوميين. وفي الوقت نفسه التركيز على دراسة تاريخ الحزب، خصوصاً مرحلة التأسيس. (القيادات الرافضة والمخالفة ينبذها الصف الحزبي، طال الزمن عليها أم قصر!) وهذا بالضبط ما يميّز الحزب السوري القومي الاجتماعي عن سواه من الأحزاب الإيديولوجية في العالم العربي.

لكن كيف يتمكن القوميون، في كل المؤسسات، من تجاوز حالات الإنقسام المتكررة؟ وكيف يستمرون بالسعي إلى الوحدة في مجاليها المتكاملين: وحدة الصف الحزبي، ووحدة الروح في المجتمع القومي؟

هذا التساؤل دفعني إلى دراسة تجارب سعاده الحزبية والسياسية قبل تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي في مطلع ثلاثينات القرن الماضي. إذ لا شك في أن عناصر الفشل في مساعيه الوطنية في البرازيل بلورت لديه منظومة من المفاهيم كانت عوناً مهماً له في المراحل اللاحقة. فالسنوات العشر التي قضاها في المغترب البرازيلي شكلت الخلفية الثقافية والسياسية والاجتماعية لتفكيره الوطني والقومي، قبل أن يتوجه إلى الوطن حاملاً بذور مشروع نهضوي متكامل. ونحن نرصد بين 1930 و1938 (وهي الفترة التي اخترناها إطاراً زمنياً محدداً لدراستنا هذه)، نمو المفهوم الحزبي في تفكير سعاده وحرصه الشديد على وضع القواعد العقائدية والدستورية والمناقبية للحزب. ونكتشف، كما اكتشف سعاده نفسه بالاختبار والتجربة، أن أي خلل بسيط في الثالوث المتكامل: العقيدة والدستور والممارسة المناقبية سيؤدي ــ حكماً ــ إلى انحراف في العمل الحزبي سواء في الفكر أو في النظام أو في الممارسة.

أدرك سعاده باكراً صعوبة العمل القومي النهضوي في وسط سوري بالكاد خرج من قرون التخلف والانحطاط وميعان الشخصية القومية. (والمؤسف أن أوضاعنا القومية الراهنة لم تتبدل كثيراً، إن لم نقل إنها باتت أسوأ!) لذلك كان من الطبيعي أن يُحدد لحركته الجديدة قواعد صارمة تكفل، حتى لو غيّبتْ الظروف الطارئة مؤسس الحزب وزعيمه، استمرار الفعل النهضوي ليتحول مع الزمن إلى حركة الشعب العامة التي ستكون وحدها الضمانة الأكيدة لانتشار العقيدة وانتصارها الناجز. وهو أراد تحصين هذه القواعد بالأخلاق التي هي "في صميم كل نظام يمكن أن يكتب له أن يبقى". فالإنسان الجديد العامل في صفوف النهضة هو الإنسان المناقبي في الدرجة الأولى. وبناء هذا الإنسان يشكل أبرز مهام الحزب الأولية، فإن فشل فيها يكون قد فقد مبرر وجوده. ولن تكون هناك قيمة لأية مؤسسة حزبية إذا لم تكن غايتها الأولى والمطلقة بعث نهضة قومية اجتماعية تتطلع إلى مثل عليا في الحياة. ولعل الأزمات المتراكمة في الحزب، منذ استشهاد زعيمه، تعكس ضياع بوصلة الرؤى النهضوية في خضم ممارسات انحرفت كثيراً أو قليلاً عن ثالوث العقيدة والدستور والمناقب.

هذه الدراسة موجهة أساساً إلى الذين اعتنقوا الفكر القومي الاجتماعي، سواء داخل المؤسسات الثلاث أو خارجها. وهي تعتمد المنهج التأريخي التحليلي نظراً إلى ما لاحظناه من ضعف في فهم تاريخ الحزب في حياة مؤسسه أو بعد غيابه. "وهذه الحقيقة تدل على أنه لم تكن هناك عناية بتدريس تاريخ الحزب ــ تاريخ نشأته وسيرته الأولى ــ وكيف تغلب على الصعوبات، وما هي القضايا الأولى التي جابهها وكيف عالجها، وكيف أنشأ قضية عظيمة وجعلها تنتشر وتمتد وتسيطر على الرغم من كل الصعوبات والعراقيل التي اعترضتها". (المحاضرة الأولى)

إنها محاولة تريد أن تستعيد المفاهيم التي نمت في ذهن سعاده وهو يعمل من أجل أن لا يكون القبر هو المصير المحتوم للأمة السورية.


 
جميع الحقوق محفوظة © 2024