شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2017-12-22
 

ثوابت الفكر الدستوري عند سـعاده (حـلقـة 2) ج 2

طه غدار

11- النظام المركزي.

12- خلاصة.

13- أول تعديل مخالف.

النظام المركزي:

"نظام الحزب مركزي..." هذا ما جاء في المادة الخامسة من الدستور الأساسي. فالمركزية هي في صلب الدستور لبناء الدولة القومية الموحدة في عصر تنازع الأمم البقاء.

والدولة المركزية، هي الدولة القوية التي تحفظ السيادة والمصير القوميين. وهي تعني وحدة الدولة ووحدة الشعب. وفي هذا المقام قال المفكر القانوني أندريه هوريو: "... والدولة لا تجد قاعدتها في عقد، وإنما في المركزية".

تيقن سعاده بعد درس وتأمل طويلين في التاريخ الاجتماعي للشعب السوري، وبالنظر لوضع سورية المشرذم على الصعيدين السياسي والاجتماعي، من المخاطر الوجودية وانقسام الشعب إلى عشائر وقبائل وطوائف ومذاهب، وأعراق وأثنيات، والفترة الطويلة التي انقضت على هذه الحال. فوضع التشريعات الملائمة لوحدة المجتمع، والقانون الناظم للحياة الجديدة: وحدة المجتمع عبر وحدة الحقوق والواجبات لأعضاء الدولة المدنية.

فقد صاغ سعاده نظاماً مركزياً منسجماً مع المبادئ الأساسية للحزب، من هنا كانت مقولته بوحدة العقيدة والنظام، فهما وجهان لعملة واحدة.

كان قرار سعاده باعتماد المركزية على كل الصعد: السياسية والاجتماعية والاقتصادية و... الصارمة والدقيقة، ليس بفعل وضع شعبه المنقسم مذهبياً وأثنياً فقط.. وإنما لجوهر المركزية الذي يُبقي الدولة مجتمعة، موحدة، وبالتالي قوية. وما من شك، أن حياة شعبنا لأمد طويل (أكثر من 10 قرون) في "لا مركزية" الإقطاع السياسي والطائفي والأثني لا يمكن أن تصلحه إلاّ مركزية قادرة على التخطيط الموحد وعلى التنفيذ الضابط للوحدة المجتمعية.

فقد خلَّفت الدول التي استعمرت بلادنا، أنظمة سياسية للكيانات الهشّة، قبل وبعد "الربيع العربي" في كل من العراق والشام، فضمت دساتيرهما تشريعات تدَّعي تنظيم العلاقة بين الطوائف والأثنيات، كما ساهمت هذه الدول باستيلاد دول أثنية في العراق مثلاً، وتعمل على تهيئة أمر واقع آخر في الشام أيضاً.

كما أن الترويج للامركزية الإدارية أو الفيدرالية في ظل أوضاع شعبنا الممزقة على الصعيد الاجتماعي هو عمل غريب ومستهجن (في العراق والشام) في ظل الخطة اليهودية الإستراتيجية الواحدة. والحقيقة، أن اللامركزية التي ينادي بها البعض لتسوية أوضاع بلادنا، أو الفدرلة أو... ما هي إلاّ عمل خبيث لاستمرار عملية تمزيق شعبنا وتقسيمه وتفتيته، ولتسهيل عملية سرقة ثرواتنا ومواردنا القومية.

أعلن سعاده في المبدأ الإصلاحي الثالث، إلغاء كل الحواجز و"المتاريس" و"الخنادق" المفتعلة مذهبياً وأثنياً... فوضع لذلك تشريعاً دستورياً وقانونياً موحداً لكل شعبنا تحت ظلال الدولة المركزية الواحدة، التي تنقذ شعبنا من شرور الحروب الداخلية الأثنية والدينية، التي أستشرف سعاده حصولها،من خلال أعمال قادة دول الكيانات السورية المستولدة من رحم سايكس بيكو، التي كرّست ورسّخت الإنقسامات الداخلية، وأدخلت العلاقات الطائفية والقرابية في بنية هذه الدول.

كان سعاده صارماً في مقالاته وخطبه للسوريين، موجهاً النظر نحو المركزية منذ يقظته الفكرية. لذلك أمل من السوريين عام 1925 في مقالته "سورية تجاه بلفور" عدم إقتصار محاربة "الحركة الصهيونية" على الفلسطينيين" بل يجب أن تتناول سورية كلها التي يجب أن لا يحول تضامنها الفعلي لحفظ كيانها ونيل استقلالها التقسيم السياسي الذي وضعه سياسيو أوروبة – إتفاقية سايكس بيكو – وفقاً لأغراض ومقاصد دولهم التي أخفوها تحت أسماء الوصاية والانتداب...". وكان من أسباب نجاح الحركة الصهيونية" وجود منظمة مركزية لجميع الأعمال السياسية اليهودية" مما أكسب "المطاليب اليهودية قوة سياسية غير قليلة". (أخبار الوطن 1/8/1943)

انطلاقاً من مبدأ وحدة "القضية القومية" أوجدت الحركة السورية القومية الاجتماعية "التخطيط القومي السياسي الجديد للأمة"، الذي يحفظ حق شعبها بكامل سيادته على أرضه القومية. فالأساس القومي الذي دعا إليه سعاده هو منهج جديد في التفكير والتخطيط والتنفيذ.

كانت توجيهات سعاده للسوريين تركز على وحدة جهود السوريين لإعادة توحيد القطع المتناثرة لسورية أرضاً وشعباً: "إن الحزب السوري القومي الاجتماعي يقول بأن لسورية الطبيعية قضية قومية واحدة تندمج فيها كل القضايا الجزئية أو الفرعية، كقضية فلسطين وشرق الأردن. والحزب القومي الاجتماعي لا يرى وسيلة لإنقاذ فلسطين إلاّ بتعميم الحزب السوري القومي الاجتماعي وإيجاد الفروع النظامية وربط هذه الفروع بالمركز بحيث تنشأ من ذلك إدارة واحدة متينة تتمكن من الاستعداد والتجهيز لكل أمر...". (رسالته إلى الرفيق صلاح الدين الأيوبي بتاريخ 11/12/1947)

ونتيجة إغفال هذا " الأمر " من قبل القيادة الحزبية المنحرفة خلال فترة غيابه القسرية، أعاد سعاده بعد عودته عام 1947 التأكيد على المركزية، فكتب إلى يوسف صايغ (بتاريخ 10/9/1947): "إن نظري في الترتيبات الحزبية الإدارية التي نشأت في غيابي أوضح لي عدم صلاح الكثير منها للقيام بالأعباء الإدارية والسياسية على الوجه الأكمل وعلى الخطط الإدارية والسياسية الأساسية المقرر من قبل السير عليها. لذلك رأيت إلغاء الكثير من الترتيبات المذكورة تمهيداً لإعداد ترتيبات أخرى تكون أكثر انطباقاً على نظام الحزب وخططه ووحدة إدارته المركزية". فصاغ من أجل ذلك مرسوم الشُعب السياسية (نيسان 1948)

كما كتب لعميد الداخلية إلياس جرجي قنيزح بعد جولته في المناطق الشامية (بتاريخ 21/8/1947): "اقتراحكم حلّ اللجنة المركزية العليا في الجمهورية الشامية، وإصدار تعميم من مكتب الزعيم إلى المنفذين يدعوهم فيه إلى العودة إلى النظام المركزي الدقيق، وحلّ جميع التشكيلات والاستنباطات الإدارية والسياسية التي كان قد أدخلها إلى العرف الحزبي المجلس الأعلى السابق... إلى إصلاح ما هو مختل بنتائج الانحرافات الماضية عن العقيدة والدستور وإعادة الشيء الكثير من الضبط الإداري والنمو التنظيمي إلى فروع الحزب".

أما في لبنان فقد كانوا قد أخذوا رخصة باسم "الحزب القومي" غايته: استقلال لبنان...!؟

مع عودة سعاده عام 1947، أعاد الحزب إلى نظامه المركزي. ونتيجة نشوء الكيانات السياسية في وطننا السوري، هذه الكيانات الموهومة والكرتونية، وكان قد نشر مقالته حول "الكيان اللبناني" عام 1937 وهي خير مرجع حول كيفية العمل ضمن الكيانات المستحدثة، وخطابه يوم العودة لعدم تحويل هذه الاستقلالات إلى "حبوس" للأمة... نتيجة كل ذلك، صاغ الزعيم مرسوماً حول "الشُعب السياسية" بتاريخ 26/4/1948، لا يعمل به لتاريخه. هذه الشُعب التي تتبع المكتب السياسي المركزي. وقد وضعه تبعاً "للحالة القائمة في البلاد السورية...". فتنشأ من جراء ذلك شُعبة سياسية لكل كيان، على أن تلتئم هذه الشِعَبْ في مكتب سياسي مركزي واحد للنظر بالشؤون السياسية لكامل الوطن السوري.

وهذا الشكل هو نوع من "اللامركزية" على الصعيد السياسي فقط، على أن تُعرض أوضاع كل كيان ضمن المكتب السياسي المركزي لاتخاذ القرار المركزي الموحد في الشأن السوري العام.

وكان الزعيم قد صاغ قبلاً مرسوم "لجان المديريات ومجالس المنفذيات" وقد مُنحت بموجبه المناطق في الوطن السوري سلطة محلية لامركزية، تمتلك بعض الصلاحيات تحت إشراف الدولة المركزية. ولا يُعمل بهذا المرسوم لتاريخه!؟

وتجدر الإشارة هنا، إلى أن الإدارات الحزبية – منذ السبعينات – عمدت بطرق مختلفة للعودة إلى اللامركزية على الصعيدين السياسي والإداري. فجرى تعيين عميد لشؤون فلسطين، ووكلاء عمد للكيان الشامي. ومكاتب سياسية للكيانات: الشام والأردن... كما جرى العمل بموجب رخصة كيانية في الأردن. وعام 2011 نشأ في الشام حزب ثالث يحمل اسم الحزب السوري القومي الاجتماعي في الجمهورية العربية السورية... وباشر أعماله بموجب رخصة من دولة الشام! مما يجاري الوقائع السياسية للكيانات السورية وأنظمتها، فلم يؤخذ بعين الاعتبار مقالة سعاده عن "الكيان اللبناني" الآنفة الذكر. مما يناقض تماماً المركزية الصارمة التي عمل سعاده بموجبها وفقاً للمادة الخامسة من الدستور الأساسي.

لقد شرح سعاده هذا النظام المركزي في العديد من المحاضرات والخطابات والرسائل التي ما زالت لتاريخه موضع إهمال من قبل السوريين القوميين الاجتماعيين، فلم يُقبلوا على درسها والعمل بمضمونها وفقاً للتعاقد مع سعاده. لذلك نشهد ندرة البحاثة في هذا الشأن الحيوي للحزب والأمة.

هكذا توانى القوميون الاجتماعيون عن مواجهة الانحراف الذي وقعت به القيادة الحزبية خلال فترة اغترابه القسرية. لذلك وجَّه سعاده – في محاضرته الأولى في الندوة الثقافية في كانون الثاني 1948 – لوماً قاسياً للقوميين على تخاذلهم عن مواجهة المفاسد، مذكراً إياهم بالتعاقد، داعياً إياهم إلى التعمق في معرفة هذا النظام.

كما قصَّر القوميون بعد كل شروحات سعاده لنظامه في فهم "الديمقراطية الجديدة" التي هي أرقى من كل الديمقراطيات المعمول بها في أرجاء العالم المتمدن. والتي هي "رسالة سورية الجديدة إلى البشرية".

لقد أسس سعاده الحزب، بهدف تطوير حياة مجتمعه السوري. وهو يعتبر أن السياسة فن غرضه خدمة المجتمع. وإن "النظام الجديد" هو في أساس بناء نهضة المجتمع عبر تأمين مصالحه العامة الرئيسية التي تدرس أحوال المجتمع، وتضع الخطط الكفيلة لنقله من حالة إلى حالة أفضل، يعمّ فيها الخير والفلاح كل أبناء المجتمع.

ونشير هنا، إلى أن سعاده ربط بموجب المادة السادسة من الدستور الأساسي، إنشاء المؤسسات لخدمة القضية القومية الاجتماعية والحقيقية المرّة أن كل ما يجري من تعديلات و ... و... يناقض هذه المادة.

إن التعديلات المتناقضة، والمخالفة لفكر سعاده الدستوري، كانت سبباً جوهرياً للخلل الحاصل في حياة الحزب العامة. مما أثّر سلباً على صعيد العمل القومي العام على مستوى الأمة. مثال: التقصير الفاضح لإدارة الحزب في استنبات المؤسسات الاجتماعية المطلوبة لرفع مستوى المناطق من جميع النواحي (المرسوم الرابع: لجان المديريات ومجالس المنفذيات). إذ كيف يمكن "بعث نهضة" في المجتمع بدون إقامة مؤسسات في المناطق.

وقد تخلف القوميون لتاريخه عن القيام بواجبهم لإصلاح الخلل الحاصل في هذا المجال. وقد جارت الإدارات الحزبية المتعاقبة بعد استشهاد سعاده كل المفاسد السياسية والاجتماعية في الكيانات السورية المصطنعة. مما ساهم في مضاعفة المحن التي تتعرض لها الأمة من جراء الحروب المصيرية التي تواجهها.

وما شهدناه من أول انقسام حزبي عام 1957، وما تلاه من انقسامات أخرى، فعودة إلى الوحدة عبر تسويات مخجلة ومعيبة زاد الطين بلة. فقد سايرت "الأحزاب" القومية الأوضاع الفاسدة على كل الصعد في الكيانات السورية، رغم ما تختزنه من فكر نهضوي يغير مجرى التاريخ... كل ذلك بسبب غياب الإدارات الحزبية العاملة بصدق وإخلاص وإيمان عالي بموجبات فكر سعاده عقيدة ونظاماً، مما استبقى القوميين في الصفوف الخلفية القاصرة عن إجراء التغييرات المطلوبة بعد 68 عاماً على غياب مؤسس النهضة.

كل ذلك، يستوجب، درس هذا النظام الفريد، وإعادة نظر شاملة في وضعنا الدستوري وبنائنا النظامي، ليعود الحزب أمل سورية الوحيد.

12- خلاصة:

إن الثوابت الآنفة الذكر، هي التي يجب اعتمادها، لتنال الأمة السورية مكانتها اللائقة تحت الشمس. وهذه الثوابت هي في غاية الحزب، كما هي في مجمل تراث سعاده الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. إن هذه الديمقراطية الجديدة، التي قدمتها سورية عبر سعاده إلى البشرية، هي الديمقراطية الجديدة التي ستنتشل الأمم من فوضى السياسة الفاسدة الغارقة فيها إلى مرامي الأمم الناهضة...

إن هذه الديمقراطية الجديدة ستلد نظاماً عالمياً جديداً قائماً على الاحترام المتبادل لحقوق الأمم وسيادتها. بخلاف ما يجري اليوم من قبل دول تدّعي تصدير الديموقراطية إلى العالم. فقد صدر حديثاً كتاب " جيوش الناتو السرية – العملية غلاديو والإرهاب في أوروبا الغربية" للباحث السويسري دانييل غانسر يفضح فيه وجود قوات سرية لا تعلم بها برلمانات بلادها، تقوم بتنفيذ عمليات إرهابية بدون أخذ موافقة تلك الدول لصالح الولايات المتحدة الأميركانية.

هذه الديمقراطية الجديدة – وفقاً لما أوردناه سابقاً – تنقذ سورية من شرور ما تتكوى منه جراء السياسات الخصوصية الأنانية والمذهبية والعرقية التي تُبقي الشعب السوري في حالة انعزال وتصادم وخمول وإتكالية وانهماك في الحاجات الاقتصادية الأولية أو المعيشية... "وإن الطريق، التي شقتها النهضة القومية لإبلاغ سورية القوة السياسية والاقتصادية، ستصيّر مركز سورية الجغرافي، الذي كان فيما مضى سبباً في ضعفها وفقدان سيادتها، سبباً في قوة سورية السياسية". (شق الطريق لتحيا سورية 12/7/1937). كما سترسخ نظاماً جديداً قائماً على علاقات دولية متكافئة.

إن الأمم الناهضة، نهضت بعلوم رجالاتها ومفكريها ومثقفيها، وما النهضة التي أتى بها سعاده إلاّ نهوض للأفضل والأمثل والأرقى.


13- أول تعديل مخالف عام 1951:

جاء في المادة 10 من دستور سعاده، أن المجلس الأعلى، الذي كان استشارياً زمن سعاده، يحق له "تعديل الدستور الحالي" أي الدستور الصادر خلال حياة سعاده (المعروف بالدستور الأساسي).

وكان سعاده قد سلّف هذا المجلس صلاحياته بُعيد سفره عام 1938، فحاز هذا المجلس على السلطتين التشريعية والتنفيذية فقط خلال فترة غيابه القسرية لا مصدر هاتين السلطتين. وبعد سفر رئيسه فخري المعلوف إلى أميركانية للدراسة، تسلّم رئاسته نعمة ثابت. فبدأت مسيرة الانحراف العقدي والنظامي. وقد برز ذلك بشكل واضح في الرخصة التي حصل عليها الحزب (غايته: استقلال لبنان) وخطابه حول الواقع اللبناني عام 1944.

ولما عاد سعاده عام 1947 حلَّ هذا المجلس المنحرف في 4 نيسان خلال فترة ملاحقته من قبل الدولة اللبنانية.

هذا المجلس الأعلى الاستشاري زمن سعاده (بموجب المادة 10 من الدستور الأساسي)، الذي لو كان استمر بالوجود لكان بعد غياب سعاده عام 1949، قد تحوَّل إلى هيئة ناخبة وفقاً للمادة 11 من دستور سعاده، فيعقد جلسة لانتخاب خلف للزعيم. بعد ذلك يتحول إلى سلطة تشريعية وفقاً للمادة 12 من الدستور ليجري التعديلات الملائمة لفكر سعاده.

ولما كان سعاده قد حلّ المجلس الأعلى بتاريخ 4/4/1947 لانحرافه العقدي والنظامي. حدث خلل دستوري، ما أدى إلى اجتماع الأمناء بدعوة من مدير مكتب الزعامة آنذاك، فانتخبوا – خلافاً لعملية الانتقاء – أعضاء جدد للمجلس الأعلى الذي اختار (ولم ينتخب على حد قول الأمين عبد الله قبرصي للرفيق سليم سعدو سالم) بدوره رئيساً للحزب خلافاً للمادة 11 من الدستور التي هي مادة انتقالية بعد غياب سعاده مباشرة، في مخالفة واضحة للمادة 12 من الدستور التي ورد فيها إن لرئيس الحزب كامل السلطة التنفيذية، مما يعني أن نظامنا نظام رئاسي، وبالتالي يجري انتخاب الرئيس من قبل القوميين الاجتماعيين مباشرة وليس عبر المجلس الأعلى لأنه عندها يتحول نظامنا إلى نظام برلماني، الذي يرفضه سعاده ويتناقض مع فكره الدستوري. وبالتالي، يصبح المجلس الأعلى هو السلطة العليا كما كان الأمر خلال فترة غياب سعاده القسرية (1938-1947) حيث كان سعاده قد سلّفه صلاحيات تنفيذية وتشريعية...

غياب الثقافة القومية:

إذن لم تُراعَ المواد الدستورية الانتقالية لما بعد غياب سعاده... وجرى ما جرى. واضح أن "الأمناء" لم يحترموا الثوابت الدستورية التي لطالما حدثهم عنها سعاده، لاسيما في الجلسة العاصفة للمجلس الأعلى بتاريخ 4/4/1947 وحله له، وأيضا في الأحاديث الفردية التي كان يجريها سعاده مع كل عضو مسؤول من أعضاء الحزب.

لم يقف القوميون الإجتماعيون سداً منيعاً إزاء التعديلات المخالفة وطريقة انتخاب المجلس الأعلى والرئيس خلافاً للمادتين 12 و13 من الدستور الأساسي. وبذلك استمرت عملية قبول القوميين "بحكم النظام" وبالتالي استمرار القبول بمناقضة فكر سعاده الدستوري. مما يدل على أن القوميين الاجتماعيين لم يملكوا الفهم الواضح، لمعنى التعاقد، وبالتالي معنى القسم الذي أدّاه كل منهم تجاه مؤسس النهضة، وبموجبه يتعاقدون مع صاحب الدعوة، ويلتزمون بمضمون العقد وتنفيذه عملياً عبر عدم الموافقة على أي تعديل مخالف لفكر سعاده الدستوري، وتقديم الطعون للمحكمة المختصة بالتعاقد وصيانته...

وصدر عام 1951 "المرسوم" الثامن الصادر عن المجلس الأعلى "استناداً" إلى المادتين 12 و13 من دستور سعاده. وورد في المادة الثانية عن "انتقاء أعضاء المجلس الأعلى" من الأمناء... وما جرى هو عملية انتخابية وليس عملية انتقاء وفقاً لما جاء في المادة 13 من دستور سعاده.

ولم يحدد المجلس الأعلى في هذا المرسوم، صلاحياته، مما يستدعي التساؤل عن الأسباب الموجبة لذلك؟!

وورد في المادة 15 أن المجلس الأعلى ينتخب رئيس الحزب، وهو يكون في نفس الوقت رئيساً لمجلس العمد، خلافاً لمرسوم الزعامة الأول حول مجلس العمد الذي يعين له الزعيم رئيساً لمتابعة الشؤون الإدارية.

وجاء في المادة 16، إن الرئيس ومجلس العمد ينفذان "قرارات المجلس الأعلى"، مما يعني أن المجلس الأعلى هو السلطة العليا، وأن نظامنا نظام مجلسي، والرئيس هو مجرد ناطق رسمي باسم الحزب ضمن "مخططات المجلس الأعلى". أما رتبة الأمانة العليا، فيمنحها المجلس الأعلى. وأيضاً هو يعين أعضاء المحكمة (المادة 20). مع العلم أن سعاده قد صاغ مرسوم المحكمة المركزية عام 1949، مما يعني أنه جرى تجاهله!؟

واضح مما تقدم، إن هذا المرسوم بكامل مواده (22 مادة) مخالف لفكر سعاده الدستوري. مما يعني أن هؤلاء "الأمناء" لم يكونوا "أمناء" على تعاقدهم مع صاحب الدعوة ومؤسس النهضة.

وهكذا، كان التعديل الأول المخالف لفكر سعاده الدستوري، وتتالت بعده التعديلات المخالفة في تجاهل تام لمضمون التعاقد.

وهكذا كان أول تعديل لدستور عهد الزعامة بمثابة تغيير لكل الأسس التي قام عليها دستور سعاده. هذه الأسس والقواعد الدستورية التي إذا طالها التعديل – كما حدث في عام 1951 – أدى إلى انحراف كامل في الاتجاه العام لدستور سعاده، كما أدى إلى خلل بنيوي لم ينل فقط من النص الدستوري بل من الأساس الوظيفي له. فالعملية التشريعة التي تقوم بها السلطة التشريعية يجب أن تقترن بمهمة التعبير عن توق القوميين الاجتماعيين إلى تحقيق خطوات مفصلية من غاية الحزب. كما يجب أن تعبر التعبير الواضح عما تصبو إليه آمالهم وأحلامهم من تغيير في حياة الأمة باتجاه تحقيق حياة العز والمجد لها.

وصلنا اليوم، إلى ما وصلنا إليه في وضعنا المختل من حياتنا الحزبية نتيجة هذه المسيرة الانحرافية من أول تعديل إلى آخر تعديل... لذلك، لا مؤسسات كما كان رجاء سعاده قائمة على مفاهيم قومية اجتماعية، على نظام الفكر والنهج والمؤسسات المستولدة منه، بل مجرد نظام إشكال فارغ من المضامين القومية والاجتماعية.

يتــــبـــع


 

جميع الحقوق محفوظة © 2018 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه