| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2026-09-11 |
القيادة: مسؤولية لا امتياز(*) بقلم الامين الدكتور إدمون ملحم |
|
المقدمة حين نتحدث إلى الشباب عن القيادة، قد يتبادر إلى الذهن أنها تبدأ عندما يتولى الإنسان منصبًا أو يُكلَّف بمسؤولية. لكن القيادة تبدأ قبل ذلك بكثير؛ حين يتعلم الشاب أو الشابة تحمّل المسؤولية، واحترام الواجب، والعمل مع الآخرين، والاستماع إليهم، والقدرة على وضع المصلحة العامة فوق المصلحة الشخصية. فالقيادة ليست لقبًا ولا موقعًا ولا سلطة على الآخرين، بل استعداد لتحمّل مسؤولية أكبر في خدمة غاية مشتركة. ومن يطلب المسؤولية لما تمنحه من نفوذ أو وجاهة يسيء فهم معناها؛ أما من يتهيأ لها بالعلم والعمل والأخلاق والانضباط، فيجعل منها وسيلة للبناء والعطاء. وقد شدّد أنطون سعاده في نظرته إلى القيادة على بُعد النظر، والحزم في التدبير، وقوة العزيمة في البت والإجراء، رافضًا صورة «القائد الأرعن الذي يتبع هواه وغروره ويترك النظر في دقائق الأمور.» فكيف يتهيأ شباب اليوم للقيادة؟ وأي نوع من القادة تحتاج إليه النهضة؟ القيادة تبدأ قبل المسؤولية لا يصبح الإنسان قائدًا في اللحظة التي يتولى فيها موقعًا. فالموقع قد يمنح صاحبه صلاحيات، لكنه لا يمنحه بالضرورة صفات القيادة. وإعداد القادة يبدأ في سنوات الشباب: في المدرسة والجامعة والعمل والمؤسسة والمجتمع. يبدأ حين يتعلم الإنسان أن يبادر بدل أن ينتظر، وأن يبحث عن الحل بدل الاكتفاء بوصف المشكلة، وأن يتحمل مسؤولية عمله ونتائجه بدل إلقائها على الآخرين. والدرس الذي نستخلصه من تشديد سعاده على بُعد النظر والمسؤولية واضح: لا تنتظروا الموقع لكي تبدأوا بالتفكير كقادة. تعلّموا منذ الآن أن تنظروا إلى ما وراء اللحظة، وأن تزنوا مواقفكم قبل اتخاذها، وأن تتحملوا مسؤولية ما تقولون وما تختارون. المسؤولية لا الوجاهة من أخطر ما يمكن أن يتسلل إلى نفس الشاب العامل في الشأن العام أن يصبح الموقع غاية في ذاته، وأن يقيس نجاحه بما وصل إليه من مناصب، لا بما أنجزه من أعمال. وقد حذّر سعاده من عقلية النفعية والانتهازية ومن «المآرب الفردية الخصوصية»، وانتقد الذين يهتمون بالبروز واكتساب الشعبية، بينما ينتهي عملهم بانتهاء خطبهم. كما عدّ الديماغوجية، أي التلاعب بعواطف الجماهير وتسخيرها للمآرب الخصوصية، من أشد العلل خطرًا، وميّز بين اكتساب الشعبية والقدرة على «بناء القضايا» و«العمل النظامي المثمر». فالقيادة ليست طريقًا إلى الوجاهة، والمسؤولية ليست ملكًا لصاحبها حتى يتشبث بها. إنها تكليف لأداء واجب، والتخلي عنها، عندما تقتضي مصلحة المؤسسة أن يحملها من هو أقدر، ليس خسارة شخصية. لذلك، لا تسعوا إلى الموقع قبل أن تسألوا: ماذا نستطيع أن نقدم من خلاله؟ تعلّموا أن تجمعوا لا أن تفرّقوا ومن يريد أن يكون أهلًا للقيادة، عليه أن يتعلم منذ شبابه احترام الاختلاف وعدم تحويله إلى خصومة. فلا قيادة مع الكيدية والفئوية. ومن يقسّم زملاءه بين «معي» و«ضدي»، أو يبني حول نفسه جماعة من المؤيدين، أو يحارب أصحاب الكفاءة لأنهم يخالفونه الرأي، لا يبني مؤسسة قوية. وقد حذّر سعاده من تسخير الجماعة للمآرب الشخصية واستثمار عواطفها لاكتساب الشعبية. ومن هذا المبدأ نستخلص أن القيادة الحقيقية تجمع الطاقات حول الغاية المشتركة بدل استخدامها لبناء النفوذ الشخصي. فالقائد لا يبني جماعة حول شخصه، بل يبني قدرة مشتركة حول القضية التي يعمل من أجلها. فتعلّموا أن الرأي المختلف ليس عداوة، وأن قوة القائد لا تظهر في إسكات الآخرين، بل في قدرته على العمل معهم من أجل غاية تتجاوز الأشخاص. القيادة فن الاستماع ومن يريد أن يقود الآخرين، عليه أن يتعلم الاستماع إليهم. فالمسؤول لا يقود أرقامًا ولا مواقع في هيكل إداري، بل بشرًا لهم أفكارهم وخبراتهم ومشكلاتهم وتطلعاتهم. ولذلك يحتاج إلى أن يعرفهم، ويتابع أحوالهم، ويستمع إلى ملاحظاتهم، ويعطيهم المجال للتعبير عن آرائهم. ولا يعني الاستماع التخلي عن الحزم أو عن واجب اتخاذ القرار. لكن هناك فرقًا بين الحزم والاستبداد: الحزم يأتي بعد الاستماع والدراسة، أما الاستبداد فيستغني عنهما. الشفافية تحمي الثقة والثقة لا تُطلب من الآخرين، بل تُبنى بالممارسة. ومن أهم وسائل بنائها الوضوح والصراحة والشفافية. وقد ربط سعاده الثقة بـ«الصراحة الكلية والجلاء التام»، وهو ما يتيح لنا أن نستخلص منه أهمية الوضوح في العمل المؤسسي. وتزداد أهمية ذلك في الأمور المالية. فالمال الذي يوضع في عهدة المسؤول ليس ملكًا شخصيًا، بل أمانة، ولذلك يجب أن يخضع لأصول واضحة في القبض والصرف والتوثيق والرقابة والمحاسبة. فالشفافية المالية لا تحمي المال فقط، بل تحمي الثقة أيضًا. اعملوا قبل أن تطلبوا القيادة وضع سعاده معايير واضحة لمن يتقدمون إلى المواقع الأمامية، فاشترط قوة التعبير عن التعاليم، والنظامية الممتازة، والدقة والأمانة في تنفيذ الخطط، والثبات في العقيدة والنظام، وأن يكون الشخص من العاملين في الصفوف الأمامية في سبيل القضية. ووراء هذه الشروط درس كبير للشباب: العمل يسبق الموقع. لا تسألوا: متى أصبح مسؤولًا؟ بل: هل أصبحت أهلًا للمسؤولية؟ هل أنجزت ما كُلّفت به؟ هل تعلمت العمل مع الآخرين؟ هل أتقبل النقد؟ هل أملك شجاعة الاعتراف بالخطأ؟ هل أحترم النظام حين لا يوافق رغبتي؟ وهل أضع مصلحة المؤسسة فوق موقعي الشخصي؟ أي قادة نريد؟ أيها الشباب والشابات، إن أمتكم لا تحتاج إلى مزيد من طالبي المواقع، بل إلى جيل مستعد لتحمل المسؤوليات. تحتاج إلى شباب يتعلمون قبل أن يقودوا، ويعملون قبل أن يطالبوا بالمواقع، ويستمعون قبل أن يحكموا، ويجمعون بدل أن يفرّقوا، ويضعون الغاية فوق الأشخاص والمصلحة العامة فوق المنافع الخاصة. وإذا حملتم المسؤولية، فلا تجعلوا الاختلاف سببًا للكيد أو الإقصاء. شجعوا أصحاب الكفاءة، وتابعوا مشكلات من تعملون معهم، وكونوا واضحين في قراراتكم، أمناء في إدارة المال، مستعدين للمساءلة، ولا تتشبثوا بموقع إذا أصبحت مصلحة المؤسسة تقتضي أن يحمله غيركم. ولا تقيسوا نجاحكم بطول بقائكم في المسؤولية، ولا بعدد الذين يصفقون لكم. فالموقع يزول، والتصفيق يخفت، أما ما يبقى فهو ما أنجزتموه وما بنيتموه. اسألوا أنفسكم عند نهاية كل مسؤولية: هل أصبحت المؤسسة بوجودنا أقوى، وأكثر وحدة، وأكثر قدرة على العمل؟ وهل تركنا وراءنا من يستطيع أن يكمل الطريق على نحو أفضل مما بدأناه؟ فالقائد الحقيقي لا يسأل: ماذا يمنحني هذا الموقع؟ بل: ماذا أستطيع أن أقدّم من خلاله؟ فالقيادة مسؤولية لا امتياز، وواجب لا ملكية، وخدمة لغاية أكبر من الأشخاص والمواقع. (*) https://sabahelkheyr.com/?p=44437
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |