Warning: Undefined variable $PHP_SELF in /home/clients/61e9389d6d18a99f5bbcfdf35600ad76/web/include/article.php on line 26
SSNP.INFO: اصـــــدارات: "أنطون سعادة: رؤيا" و"هجرة الشمس"
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2026-09-11
 

اصـــــدارات: "أنطون سعادة: رؤيا" و"هجرة الشمس"

الامين لبيب ناصيف

أنطون سعاده: رؤيا لصفيّة سعاده…وثيقة تاريخيّة مؤصّلة بالحادثة والصورة والنظرة الثاقبة إلى عقيدة سعاده في إطارها اللبناني وواقعها العربي وبُعدها السوري

الرفيق الدكتور محمود شريح

صفيّة سعاده، كُبرى بنات الزعيم، إلى جانب شقيقتيها أليسار، طالَ عمرُها، وراغدة، رحمَها الله، في جديدها أنطون سعاده: رؤيا( دار سعاده، 2026، في 216 صفحة، الغلاف: لوحة العرزال لمصطفى فرّوخ، التوزيع: بيسان)، تهديه "إلى أجيال لم تُولد بعد"، على خُطى الزعيم، وثيقة مؤصّلة عن سعاده وعائلتِه وأهلِه ووالدِه، بدءاً من نهاية القرن التاسع حتى عودة الزعيم من المهجر ونهوضِه بالثورة الاجتماعيّة الأولى، مروراً بحياته في الوطن وسان باولو وبونس آيرس، وتأسيسه الحزب السوري القومي الاجتماعي، وانضمامه أستاذاً إلى جامعة بيروت الأميركية؛ إلى ذلك فكتاب د. صفيّه مُسهبٌ في درسِ فكر سعاده من حيث ريادته وديمقراطيته وصلتِه بالقرن الحادي والعشرين، وموقفه من الكيان اللبناني، وعلاقة أثر مواقف سعاده بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، وتُلحق به ما رواه حبيب بو حمد والأمين مصطفى سليمان النبالي عن سعاده.

عن د. خليل سعاده، والد الزعيم، تضيء د. صفيّة على سيرة جدّها الحافلة بالنضال والفكر وصلته بمُصلحي عصرِه، واهتمام صفيّة زغلول زوجة سعد زغلول بأطفال د. سعاده إثر وفاة عقيلته نايفة نصير في القاهرة، ما تركَ أثراً بالغاً في قلب أنطون سعاده، فسمّى ابنته البكر صفيّة عرفاناً بهذه السيّدة النبيلة وامتناناً لها.

في بونس آيرس أسّسَ سعاده الأب “الرابطة السورية” عام 1916 ثمّ "الحزب الوطني الديمقراطي" عام 1918، داعياً فيه إلى استقلال لبنان وسورية وفلسطين استقلالاً تامّاً مُطلقاً، ما مهّد لقيام إبنه أنطون فيما بعد برسم تضاريس النهضة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة على مدماك العلوم الحديثة وبسطها في عقيدة متكاملة ومتماسكة.

إلى سعاده في ساو باولو (1920-1930) ودراسته الألمانية وإتقانها، وعودته بحراً إلى لبنان مؤمناً انّه لا مناصَ من بناء دولة قوميّة ووجوب فصل الدين عن الدولة، وعبّر رمزاً واستعارة عن تطلّعاته تلك في روايتيه فاجعة حب و سيّدة صيدنايا وفي بيروت انصرفَ إلى تدريس الألمانيّة في أميركيّة بيروت فالتقى في حرمها وخارجه بأوائل المُنتسبين إلى حزبِه الجديد (نعمة تابت، جورج حكيم، صلاح لبكي، روبير أبيلا، عادل عسيران، أديب قدورة، فؤاد سليمان، يوسف الخال، مأمون أيّاس، أمين أرسلان، وديع تلحوق، زكي النقّاش، فخري المعلوف، على سبيل المثال). وكالعادة لا ذكر لجورج عبد المسيح، سهواً أو نسياناً أو عمداً، والله أعلم بالسرائر.

تُسهبُ د. صفيّة في شرح موقف سعاده من تقسيمات اتفاقيّة سايكس-بيكو وهي حتماً على صواب في إمساكها بعقيدة والدها بالمسألة من قرنيها إذ رأى سعاده باكراً خطر هذه الاتفاقيّة على وحدة بلاد الشام، كما أنّه نشطَ وهو دونَ العشرين في التنبيه إلى المخاطر الناجمة لاحقاً عن بواطن الحركة الصهيونيّة، فكانَ منذ العشرينات مُحذّراً من ضياع فلسطين وكتب منذ 1921 في مجلّة والده مفنّداً وعد بلفور الجائر بحقّ أهل فلسطين.

إلى تأسيس سعاده الحزب السوري القومي الاجتماعي، فالسجن إثر انكشاف أمر الحزب المناهض للإنتداب الفرنسي، ثمّ الإغتراب القسري (1938-1947)، فعودة سعاده المَجيدة إلى بيروت وإعادته ترتيب صفوف حزبه إثر ما لحق به من وَهن في فترة غيابه عن الوطن، فمطاردة السلطات له، وخروجه إلى دمشق، ثمّ إعلانه الثورة الاجتماعيّة الأولى من هناك واعتقاله وتسليمه إلى بيروت ومحاكمته وإعدامه (8 تمّوز 1949).

عن عودة سعاده إلى الوطن تؤرّخ د. صفيّة لآخر عاميْن مفصلييْن في حياة والدها، سيّما حين تأتي على ذكر تفاصيل شخصيّة عنه، وتلتفتُ إلى تدوين وقائع الهجوم المدبّر على مطبعة الحزب فيما الزعيم هناك يكتب مقالته الأخيرة في بيروت "هشيم الطائفيّة يشتعل في الجميزة" (9 حزيران 1949)، مدركةً أنّ سعاده كان يبني نهضة تجابه الاستعمار.

إلى ذكريات حبيب بو حمد عن سعاده يوم كانا تربيْن في مدرسة برمّانا، حين نحّى سعاده العلم التركي جانباً، ورأى بو حمد فيه لاحقاً رجلاً غير الرجال، فمذكّرات الأمين مصطفى سليمان الوافد من بيت نبالة في فلسطين إلى أميركية بيروت (دفعة 1949، تاريخ وسياسة، إلى جانب إنعام رعد وكمال الصليبي)، وهي ذكريات حميمة عن معرفته بالزعيم، سيّما التحاقه به في دمشق، وتدوينه وصول الأمينة الأولى عبر اللاذقية مع بناتها لملاقاة سعاده قبل إعلان الثورة بساعات.

إلى هذه الذكريات عن والدها وأهلها جميعاً، من الشوير إلى بونس آيرس وصُوَر فوتوغرافية عنهم جميعاً، لا تنسى د. صفية أن تلمَّ بعقيدة سعاده من مختلفِ أبعادِها، من فهمه الواعي لتركيبةِ الكيان اللبناني إلى إدراكِه أنّ العروبة أفلستْ في مسعاها باعتبارِها أنّ الدينَ ركيزةٌ قوميّة، وكيف أنّ عبد الناصر أخذَ بمقولة سعاده "ما أُخِذَ بالقوّة لا يُستردُّ إلا بالقوّة"، وكان غسّان تويني أبلغَ عبد الناصر بهذه المقولة إثر مقابلة أجراها مع الرئيس المصري لصحيفة “النهار” عام 1957.

كتاب د. صفيّة سعاده أنطون سعاده: رؤيا ردُّ اعتبار إلى مؤسِّس الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه ومشرّعه وواضع دستورِه، ووثيقة تاريخيّة مؤصّلة بالحادثة والصورة والنظرة الثاقبة إلى عقيدة سعاده في إطارها اللبناني وواقعها العربي وبُعدها السوري، مع الأخذ بعين الإعتبار موقع هذه العقيدة على خارطة القرن الحالي واستشرافها حاضر الأمّة السوريّة راهناً، في أعقاب عدوان إسرائيل على غزّة والجنوب، وتطوّر النزاع الأميركي – الإيراني وتبعاته على دول الخليج العربي.

*

أدونيس في "هجرة الشمس"… ينعى حاضرَ الشرق في مآله وأُُفول الفِكر

الرفيق الدكتور محمود شريح

أدونيس، علي أحمد سعيد، الوافدُ من مسقطه قصّابين في منطقة جبلة في محافظة اللاذقية، النازلُ عام 1944 لتحصيلِ العلم في مدينة اللاذقية، المُنتمي هناك وهو في الرابعة عشرة إلى الحزب السوري الاجتماعي، الذاهبُ إلى تقديم مؤسِّسه أنطون سعاده في محاضرة له عند ساحلها يوم 26 تشرين الثاني 1948، وهو في الثامنة عشرة، فإلى جامعة دمشق لدراسة الفلسفة، فالسجن في المزّة عام 1955 إثر قضيّة المالكي واتّهام الحزب بإغتياله، وإلى بيروت مركز ثقل حريّة العرب، متألّقاً مع مجلّة شعر بدءاً من 1957 وانفصاله عنها عام 1963، لموقفه الثابت من التراث، ثمّ إصداره مجلّته مواقف عام 1968، داعياً فيها إلى الحريّة والإبداع والتغيير، على مدى ربع قرن، فأطروحة دكتوراه من الجامعة اليسوعيّة بعنوان “الثابت والمُتحوِّل: بحثٌ في الإبداع والإتّباع عند العرب” (صدرت كتاباً في ثلاثة أجزاء عام 1973)، وبقي حتى الساعة وفيّاً لتعاليم سعاده، فلم يخرج عنها قيدَ أُنملة، وبدا أثرُ سعاده عليه واضحاً في كلِّ ما سطّر وأذاعَ وأعلنَ. وها هو اليوم يُصدِر في بيروت من سكنِه بباريس ديوانَه الجديد هجرة الشمس (دار الساقي 2026) ناعياً فيه حاضرَ الشرق في مآله إذ أمسى ملاذاً لأُفول الفكر حيثُ:

لا مكانٌ لأيّ كتابٍ

في النعيم، إذا لم يكن حِبرهُ جحيماً

وحيثُ “سلطةٌ تتقمّص جبّانة، بلادٌ تتعبّدُ جلّادَها” فها هو دجلة يظمأُ وها هو الفرات ينزوي، إلّا أن أدونيس، رغم مأساة واقِعه، يرتدُّ إلى ماضيه الهانىء في قصّابين جالِساً في ظلّ زيتونة، مُحاوراً النسيمَ، مُدركاً أنّ للبرعمِ هناك شكلاً شديدَ البساطة، بيدَ أنه يختزنُ مضموناً شديد التعقيد، ومن هنا حيرتُه:

لا يزورُني اليقين إلّا نادراً

أمّا الياسمينة رمز مدينته دمشق فتهمسُ للشّمسِ أن تتمهّلَ في سيرِها، ما يردُّه إلى أن يختصرَ حياتَه من منشأه حتى منفاه، فالبداية نعيمٌ والنهاية فردوسٌ مفقود:

رسمَ الطفلُ فيَّ طريقاً إلى الصالحيّة،

يبدأ من باب توما.

ورسمتُ، أنا الشيخ، في دفتر الحُلم شيئاً

غريباً، نسيتُ اسمَه –

سأقول: اسمُه قاسيونٌ

مُقرّاً وواثقاً بأنّه لن يعودَ يوماً إلى قصّابين، فالطريقُ إلى القرية التي جاء منها زمنٌ آخر، إذ تحوّلَ الشاعرُ نفسُه إلى هجرتِه، فإذا هو متدحرجٌ في سفح هذا الزمانِ حيث “الخرابُ المدى والمكانُ”، فأمسى في منفاه الباريسي في قَفرٍ ينصبُ له خيمةً، ولماذا، لأنّه:

خَطِرٌ ومريبٌ أنْ تمدّ يديك إلى وردة؟

مُعلناً نهاية الحسّ الرومانسي في دنيا العرب، من محيطٍ إلى خليجٍ، هو أدونيس، علي أحمد سعيد، المنفيّ الأبديّ منذ أضاعَ ياسمينَ دمشق ونبعَ قصّابين، في غنائيّة نادرة تفي الغيابَ عنهما حقّه:

ليس بيني وبينكِ يا غُوطةَ المدائنِ، من أوّل المستحيلِ،

إلى آخر المستحيلْ

غيرُ حبّي وحُزني، وغيرُ الرحيلْ

ناسِخاً ماضيه ومستعيداً حُلْمَه، هو العائد أبداً إلى مسقطِه حيث فردوسه الأبدي، مُمسكاً بمعجم اللغة من ناصيته وخارجاً من دفّتيْهِ، فإذا هو “مَهَبٌّ لأعاصير لا تنتهي”، ولا عجبَ، فالوطن سائبٌ:

عندما جرّحتني ذئابُ دمشقٍ، سمعتُ أنيناً يسيلُ من الجرح:

لا تشكُ،

لم تكُ إلّا

زائراً عابراً،

جاء من عالمٍ آخر، غريبٍ.

وقُلْ: رُبّما، لم تكن جدّتي سوى وردةٍ.

في زمنِ هجرةِ الشمسِ الداكنِ لا يَعجبُ أدونيس بأن يمتدَّ به زمنُه حتى يشهدَ ظلاماً فاحِماً يهطلُ على مساحة أُمّتِه، فها هو من مسكنه في باريس يحنُّ إلى مسقطه في قصّابين حيث شجرةُ عنّابٍ كان يتفيّأ في ظلِّها وشبّاكٌ يطلُّ منه على فضاء كونه حيث الكتابة حقلٌ، مُدرِكاً أنّ القصيدة لا تكون بيتاً إلّا متى كان الحبُّ مفتاحَهُ، فالألحان رياحٌ والكلمات غصونٌ، لكنّه، رغمَ هذا الحنين إلى منزله الأوّل، فإنّه يتحسّس وجعَه الناجمَ عن الصراع بين عقلِه وعاطفته:

شجرُ الجَوزِ في سُرَّةِ الحديقة،

يهمسُ للشمسِ أن تتمهّل في سيرها.

خطأي غالباً

فتنةٌ بين رأسي وقلبي!



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه