شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 1942-08-02
 

حالة لبنان المحزنة

أنطون سعادة

انتهى دور البشائر والتهاني بإعلان "استقلال لبنان". للمرة الثانية بالشكل عينه الذي اُعلن به الاستقلال الزائف المرة الأولى. وجاء دور خيبة الأمل لجميع الذين خدعتهم الاذاعات المغرضة التي تصل إليهم بإيعاز الإرادة الأجنبية وإن تكن تصدر باللغة القومية.


قلنا للمنخدعين من اللبنانيين أن "استقلال لبنان" ليس سوى كلمة خداعة تستر عبودية لبنان ولكن الإذاعة التي تنفق عليها أموال أجنبية أبت إلا التعييد والتزيين لأول سبنمبر الذي وقف فيه قائد أجنبي معلناً أنه صنع من لبنان ما شاء وسمى صنعه بما شاء. ولم تقبل تلك الإذاعة الغشاشة الخداعة ترك ذلك الرياء والنفاق حتى جاء قائد جيش أجنبي آخر محتل وأعلن أنه يلغي استقلال أول سبتمبر ليعلن استقلالاً آخر. فأمن جميع المأجورين والمرائين على إعلان هذا القائد الجديد وقالوا: "اآن صدقنا أن استقلال أول سبتمبر لم يكن استقلالاً حقيقياً فيجب ترك التعييد له وقبول استقلال ... نوفمبر.


وبينما الصحف المأجورة تهتم بتهيئة الأفكار لقبول استقلال كترة بدلاً من استقلال غورو وبينما رجال وزارة الاستعباد في لبنان يسعون بكل قواهم للحصول على الاعتراف بمهزلة جديدة مؤلمة من قبل الدول الثابتة، ترد أخبار الوطن القليلة وفيها أدلة كافية على زيف جميع ما أعلن من "استقلال وسيادة" لبنان والشام.


في الأخبار الواصلة مؤخراً ان مسألة الصلاحيات التشريعية التي هي أول شيء تباشره الدول المستقلة لا تزال في يد مفوضية الفرنسيين المتطوعين في جبهة "الديمكراتية" بقيادة ديغول وان الحكومة اللبنانية درست مسألة هذه الصلاحيات وان رئيس "الجمهورية" راجع "فخامة المندوب العام" في الأمر فأصدر هذا (الجنرال كترو) مذكرة سلمت لرئيس "الجمهورية اللبنانية" وعرض هذه المذكرة، على ما تقول الصحف هو ابلاغ الحكومة اللبنانية "رغبة" المفوض الفرنسي في تأليف لجنتين الواحدة عن الجانب الفرنسي والثانية عن الحكومة اللبنانية لدرس مسألة الصلاحيات. وما كادت هذه المذكرة تصل إلى الحكومة المذكورة حتى باشرت تأليف لجنتها فشكلت على هذه الصورة: وزير الخترجية، الاستاذ حميد فرنجية، رئيس اللجنة، ومناط به بحث ناحية دوائر جوازات السفر، الاستاذ جميل نمور عن دوائر البرق والبريد. والكولونيل نوفل قائد الدرك اللبناني العام عن الحرس السيار. و"الأمير" موريس شهاب عن دوائر الآثار.


وكانت اللجنة الفرنسية قد تألفت من أربعة أعضاء. فأجتمعت اللجنتان في شبه لجنة مختلطة اجتماعاً اولا وتقرر متابعة الاجتماعات للاستمرار في درس مسائل الصلاحيات التشريعية المحدودة المذكورة في انتداب اللجنة اللبنانية.


وتقول الأخبار المشار إليها أن المفوضية الفرنسية كتبت إلى حكومة الشام تبلغها عزمها على جعل صلاحيات التأشير على جوازات السفر من اختصاص تلك الحكومة.


بعد كل هذه الحقائق المؤلمة يريد أكّالو السحت أن يقنعوا العالم بأن لبنان والشام قد صارا دولتين مستقلتين. ولا تستحي الحكومة اللبنانية من التماس تدخل بعض وجهاء المجموع السوري في البرازيل من اللبنانيين لحمل حكومة البرازيل على الاعتراف بهذا الاستقلال الزائف.


اننا لا نندم على ان استقلال هذين المسخين، لبنان والشام، لم يصر حقيقة راهنة. فلعل الحركة السورية القومية الاجتماعية تتمكن في هذه الفترة من حمل اللبنانيين على التفاهم بعضهم مع بعض والاقتناع بأنه لا موجب حقيقي لايجاد دولة في لبنان تخرج عن نطاق القومية السورية التي تقبلها الأكثرية اللبنانية والتي نشأ حزبها من صميم لبنان.


ان الحالة محزنة ويجب على ذوي الوجدان الحي الا يبقوا في موقف المشاهد الذي لا يعنيه شيء من الأمر فإن مصير أمة بأسرها على وشك أن يتقرر وأبناء هذه الأمة يجب أن يستيقظوا وينتبهوا للأخطار المحدقة بأمتهم وان يعلموا انهم شركاء في المسؤولية العامة ولا يخرجهم من المسؤولية كونهم فضلوا راحة أنفسهم بالبقاء بعيداً عن المعركة.


ومما يزيد الحالة عبوساً خبر هللت له الأقلام المأجورة وفي طليعتها جريدة الضلال التي تسمى "الهدى" وأقلام كتابها ومراسليها. هو خبر ورد على الجريدة المذكورة من مراسلها في بيروت الذي جعل عنوانه "لبنان محور الأدب في الشرق" واننا ننشره بكامله وهو كما يأتي:


"ومن أهم المظاهر التي تثلج صدور اللبنانيين في هذ الحرب الضروس ان يكون لبنان قد احتفظ بطابعه التاريخي الذي طالما سمح له بنشر رسالته داخلاً وخارجاً. وهذا الطابع هو جعل لبنان المقر الطبيعي الذي ينمو الفكر الانساني تحت أفيائه حراً طليقاً فقد اختارته فرنسة الحرة مركز نشرها ودعايتها وهذه بعض المظاهر.


"عمد فريق كبير كبير من أدباء فرنسة البارزين الى تأسيس شركة برأسمال ستين ألف ليرة لنشر الثقافة الفرنسية في الشرق وقد عقدت اولى اجتماعاتها واتخذت مقررات عملية لتنفيذ منهاجها.

"وقد صدر كتاب هو باكورة المنشورات باللغة الفرنسية في بلادنا عنوانه "بنجمان كونستان" بقلم السيد رينه بلين رئيس الغرفة السياسية في مندوبية فرنسة الحرة. واصدر الكاتب اللبناني فرج الله الحايك روايته "هيلانة" باللغة الفرنسية أيضاً.


"وهكذا انتعشت الحركة الأدبية الفرنسية في ديارنا وقد توفرت لها رغم الأزمات كل المكانيات المادية.


"وهناك مظهراً آخر لهذا الانتعاش وهو احتفاء الحلقات الأدبية في مصر بالشاعر اللبناني هيكتور خلاط الذي أصدر حتى الآن ثلاثة دواوين باللغة الفرنسية فقد عزز هذا التكريم التفاهم الروحي والرابطة المتينة التي استرجعت كثيراً من حيويتها أخيراً.


"والحق يقال انه منذ قدر للنازية أن تسيطر على اوروبة الغربية انعدم بالطبع كل نشاط أدبي وخبت الأنوار التي كانت تثير آفاق الثقافة فقد تشتت من استطاع من الأدباء والعلماء والمفكرين ولاذ بعضهم بشرقنا فلم يتوانوا عن اكمال تأدية رسالتهم لما وجدوا في بلادنا ميداناً اتفكيرهم وصادفوا آذاناً عطشى لأصواتهم.


"وراحت المطابع في بيروت ودمشق والقاهرة وفلسطين تقذف الكتب والمجلات والنشرات في الأدب والسياسة والتاريخ عدا التي تبحث في قضايا الحرب المباشرة فهذه مؤلفات تروي جهاد اليونان واستبسالها وتلك تخطط حياة فرنسة الحرة وهاتيك تقض ذكريات عن أبطال الحرب الحاضرة".


أي أدب هو هذا الأدب وأي انتعاش له؟


أدب الفرنسيين يعيش في لبنان ليموت أدب السوريين. فنزدهر القضايا التي يهتم لها ويعالجها التفكير الفرنسي وتغلب القضايا التي يهتم لها ويعالجها التفكير السوري. وهو من أكبر اللعنات التي يمكن أن تحل على أمة من الأمم ومن أدهى المصائب التي تنزل بها.


وهذا دليل آخر على وجوب التحرك السوري الواسع قبل فوات الآوان وحلول الخراب القومي العام.



"الزوبعة" – العدد 59 شهر آب 1942.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2018 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه