إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

نسر الزعامة السورية القومية ووحل تكمان وذبابها < الباب الأول جزء 2 >

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1945-01-22

الارشيف

اننا نعد الدفاع حقاً لكل انسان، بريئاً كان أم مذنباً، ولذلك لا ننكر على جبران مسوح أن يحاول الدفاع عن نفسه باظهار ما يوهم البراءة من الذنب، ولكن ليس في ذلك مانع من عدَّ دفاعه وطريقته في جملة الأدلة على ذنبه، لأن دفاعه، في نوعه واسلوبه، هو دفاع المذنب الذي يحاول اخفاء الواقع وتضليل التحقيق بالكلام على مواضيع لا دخل لها في ما قد حكم عليه به كقوله عن الزعيم انه "سياسي وكثير الأحلام وواسع الخيال" وغير ذلك. وهذا كلام القصد منه صرف الفكر عن الموضوع الأساسي الذي هو خيانة جبران مسوح عائلته تحت ستار الحزب السوري القومي ثم خيانة زعيمه تحت ستار التجارة.

ولما كان جبران مسوح قد أطلق الموضوع من النقطة المحصور فيها ليشمل القضية السورية القومية وأنطون سعاده وعلاقته بهما ويصل إلى درجة الوقاحة التي ليس بعدها وقاحة بمحاولته وصف أنطون سعاده وترجمة نفسيته وأفكاره ونظرياته بما تمليه عليه ظلمات نفسه الشريرة فلا بد من الاحاطة بجميع هذه المسالك حتى لا يتمكن ذو الذنب من مواراة اثمه في أي منعرج من منعرجاتها.

الهاربون من الحق والعدل كلهم لهم خطة واحدة وسلوك واحد هو: الابتعاد عن نقطة الجريمة في كل طريق يلوح للهارب انها تساعده على اخفاء الموضوع والتواري عن نظر التحقيق وعين العدل.

والحق والعدل لهما خطة واحدة في تعقب المجرمين هي: الاتيان بالدليل تلو الدليل واظهار الحقيقة بنور الأدلة القاطعة التي لا تدفعها التأويلات الملتوية.

قلنا أن دفاع جبران مسوح عن نفسه يحمل كل أدلة دفاع المذنب عن نفسه، هو دفاع الذي تضطره حاجة الدفاع لتركيب تلفيقات اعتباطية لا يشعر، تحت الحاح الحاجة، بالتباين الكبير في حقائقها. من ذلك قوله عن أنطون سعاده أنه كثير الأحلام والخيالات ويقيم في الهواء بنايات تنطح السحاب، زانه "سياسي قبل كل سيء" وانه "من تلامذة مكيابلي" وان الزعيم أخذ عن الرجال الذين قاموا بنهضات في بلادهم باستخدامهم القوة لتنفيذ خططهم، ناقلين مبادىء مكيابلي من حيز الكلام إلى حيز العمل، مثل هتلر وموسوليني وستالين ومصطفى كمال، إلى قوله: "ولكني أقول بوجه الاجمال أن العالم بأسره صار يئن من الويلات التي جلبتها تلك التعاليم" ثم قوله "فأنطون سعاده مسيطر "ديكتاتور" ولكن هذه السيطرة هو يسميها تنظيم لا بد منه". ومن ذلك قوله: "أنطون سعاده هو ذلك الشاب الذي من يوم بدأ يفتكر ما افتكر بغير بلاده وكيف تنهض وتتحرر من عبوديتها وتسترجع كرامتها كأمة حية وما هي أسباب تأخرها وكيف يمكن معالجتها. ودرس لذلك "أعظم لغات العالم" وطالع كل التاريخ البشري ليعرف سر تأخر الأمم وسر يقظتها ونهوضها ليطبق كل ذلك على النهضة التي بدأ يفتكر بها. ثم أنشأ الحزب وقاده وغذاه في أصعب الظروف والأوقات حتى صارت الفكرة قضية لا يمكن أن تموت. ودخل السجون لأجل ذلك زنال اضطهادات كثيرة ولا يزال ينال جتى الآن. أنطون سعاده أوجد حركة لم بوجدها أحد قبله، وهي الحركة الوحيدة التي يستطيع الشرق أن ينهض بها. ومهما عاند وكابر رجال السياسة وقادة الفكر فلن يجدوا غير مباديه لايجاد الاصلاح الذي ينشدونه وسوف يعودون إليها صاغرين".

فأين مبادىء مكيابلي السياسية، كما يفهمها جبران مسوح وأمثاله من المفتقرين كثيراً إلى العلم الصحيح في هذه الفلسفات والقضايا الكبيرة على عقولهم، من مبادىء سعاده القومية الاصلاحية؟ وكيف يمكن أن يرفع أنطون سعاده تفكير جبران مسوح، حسب اعترافه، بمبادىء مكيابلي"؟

ان تلاميذ مكيابلي يمكنهم أن ينشئوا سياسات ولكنهم لا يستطيعون أن ينشئوا نهضات قومية اصلاحية. وبين القولين اللذين قالهما جبران مسوح في شخصية أنطون سعاده تناقض لا يمكن أن يكون صادراً عن تفكير نزيه في شخصية أنطون سعاده ومباديه وتعاليمه وفي قدوته التي كانت أعظم عامل روحي في الحركة السورية القومية.

ان محاولة جبران مسوح أن يقول في الزعيم، بعد طرده الزعيم، انه من تلاميذ مكيابلب وعامل بتعاليمه "التي صار العالم بأسره يئن من الويلات التي جلبتها" تذكرنا حكاية شعبية اقليمية يرويها الناس في لبنان خلاصتها انه كان للمير بشير الشهابي طاه يرغب في ارضاء ذوق المير. فسأله المير يوماً رأيه في الباذنجان فاستشعر الطاهي ميلاً من المير بشير إلى تناول شيء منه فأخذ يطنب في محاسن الباذنجان وفوائده ويزيد في الأوصاف المشوقة حتى زاد شهية المير فقال له اطبخ لنا باذنجان. فصدع الطاهي بالأمر وأكل المير وأصابه على اثر ذلك انزعاج أو تخمة فأظهر استياءه من الباذنجان فرأى الطاهي أن يساير شعور المير فأخذ يذم الباذنجان ويبالغ في مضاره. فأنكر عليه المير القول وذكره مديحه السابق فقال الطاهي: "أنا عبد المير مش عبد الباذنجان"!

وجبران مسوح الذي غمره الزعيم بعلمه وفضله وتأييده ودروسه ظل، مع كل ما اكتسبه من تعاليم الزعيم عبد شهواته ومطامعه وميوله الدنيئة فاذا رأى فائدة لشهواته في مدح الزعيم وإذا وجد فائدة لمطامعه في ذمه ذمَّهُ.

وليس حادث طاهي المير بشير، حقيقياً كان أم خيالياً، السابقة الوحيدة لتصرف جبرن مسوح فكل تلميذ قرأ شيئاً من الأدب العربي يعلم أن شعراء نظموا قصائد جميلة في وصف ومحاسن الدنانير حتى جعلوا كل قارىء أو سامع يحبها ويرى فضلها وجمالها ثم عادوا فنظموا قصائد معاكسة للأولى يظهرون فيها أن الدنانير قبيحة، غرارة، مجلبة للكدر والشقاء.

وجبران مسوح، مع كل ما رأى من قدوة الزعيم التي كتب فيها مقالات كثيرة وتعاليمه ودروسه التي رفعت أدبه وغذت قلمه بكل ما له قبمة في التفكير القومي الجديد لم يرتق في نفسيته وشعوره ونظرته الخصوصية إلى الحياة عن نفسية طاهي المير بشير وعبده ونظرة شعراء المدح والقدح في الدنانير عبيد الغايات القريبة التي يسخّرون لها منظوماتهم.

....


للبحث صلة


الزوبعة، العدد 83 في 22 كانون الثاني 1945



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018