إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

المساران السوري واللبناني: التفكيك بديل التلازم!

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2015-04-10

الارشيف

هذه محاولة موجزة لإلقاء نظرة مختلفة، تعتمد منهجية استقرائية تسلسلية، على الأحداث التي عصفت بالكيانين السوري واللبناني ابتداء من مطلع سنة 2000. وهي أحداث أسسّت لكل التطورات التي جاءت بعدها، وصولاً إلى اندلاع الأزمة الدموية في سورية خلال شباط سنة 2011. ونحن نعتقد أن تلك الأحداث نفسها ستحدد في قادم الأيام نوعية التسويات السياسية أو الأمنية التي قد تستقر عليها المنطقة بعد "سنوات الدمار المديدة".

ونحن نقترح، بهدف الإيجاز والتحديد، أن نضع سنة 1991 إطاراً زمنياً لبداية مجموعة من التطورات رسمت الطبيعة المعقدة لعملية سياسية استغرقت عقد التسعينات كله ثم انتهت بافتراق مفصلي حاسم سنة 2000، كما سنوضح في الفقرات اللاحقة. ففي كانون الثاني سنة 1991 انطلقت "حرب تحرير الكويت" بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ومشاركة عدد من دول العالم العربي من بينها سورية. وكان الثمن الذي وعدت به واشنطن "حلفاءها العرب" هو تحريك ملف "المفاوضات العربية ــ الإسرائيلية" وصولاً إلى تحقيق "السلام العادل والدائم والشامل".

في السادس من شباط سنة 1991 إتصل الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش (الأب) بالرئيس السوري الراحل حافظ الأسد للمرة الأولى مقترحاً "تعاوناً سورياً أميركياً أقوى في الشرق الأوسط". وقد مهد ذلك الاتصال، وما أعقبه من حراك ديبلوماسي على مستوى رفيع بين دمشق وواشنطن، لعقد "مؤتمر مدريد للسلام" في 30 تشرين الأول سنة 1991. وكان قد سبق ذلك في 13 تشرين الأول سنة 1990 الإطاحة برئيس الحكومة العسكرية ميشال عون نتيجة توافقات إقليمية ودولية مرتبطة بالتحالف الدولي الناشيء لـ "تحرير الكويت".

وقبل ذلك بأشهر معدودات، كانت القيادات السياسية اللبنانية، برعاية كل من المملكة العربية السعودية وسورية، قد استطاعت التوصل إلى تفاهم يُنهي سنوات الحرب الأهلية في ما بات يُعرف بـ "اتفاق الطائف" الذي وُقع بتاريخ 30 أيلول سنة 1989. ويهمنا من بنود ذلك الاتفاق مسألتان لهما علاقة بموضوعنا الراهن وهما: مسألة تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، ومسألة العلاقة المميزة مع سورية. ففي المسألة الأولى دعا الاتفاق إلى تحرير كامل التراب اللبناني وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425، والتمسك باتفاقية الهدنة الموقعة في 23 آذار سنة 1949. أما مسألة العلاقات اللبنانية ــ السورية فهي "مفهوم يرتكز عليه التنسيق والتعاون بين البلدين وسوف تجسده اتفاقات بينهما". ويمكن الاستدلال من روحية النص على أن اتفاق الطائف لحظ عدم انفراد لبنان بتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل.

حملت سورية معها إلى مؤتمر مدريد طموحاً بأن تكون المسارات المعنية متلازمة، ونقصد بذلك المسار الفلسطيني والمسار الأردني والمسار اللبناني والمسار السوري كون الأطراف المعنية بها هي دول المواجهة المباشرة مع إسرائيل. غير أن حساب الحقل السوري لم يتطابق مع حساب الحصاد الأميركي، إذ أقدمت منظمة التحرير الفلسطينية على توقيع "اتفاقيات أوسلو للسلام" في 13 أيلول سنة 1993. وسرعان ما لحقت بها عمّان في "معاهدة وادي عربة" واسمها الكامل "معاهدة السلام بين دولة إسرائيل والمملكة الأردنية الهاشمية" في تشرين الأول سنة 1994... فلم يبقَ من المسارات المتلازمة سوى المسارين اللبناني والسوري!

وحتى قبل خروج المسارين الفلسطيني والأردني من معادلة المفاوضات ومن الحسابات التكتيكية السورية، سعى الوفد الإسرائيلي المفاوض منذ البداية إلى عقد لقاءات ثنائية مع مسؤولين لبنانيين لبحث موضوع الأمن في وقت تصاعدت عمليات المقاومة الوطنية ثم المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان المحتل. فالجانب الإسرائيلي كان متعطشاً للقفز فوراً إلى معاهدة سلام لبنانية ــ إسرائيلية على غرار معاهدة 17 أيار التي لم يُقيض لها البقاء. وتقول الدكتورة بثينة شعبان، التي رافقت تلك المرحلة، إن اللبنانيين أصروا، بأوامر صارمة من الرئيس الراحل إلياس الهراوي، على تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 الذي ينص على انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة جميعها.

استوعبت دمشق صدمة الخروج الفلسطيني والأردني على إجماع دول المواجهة، وباتت أكثر تشدداً في تلازم المسارين السوري واللبناني خصوصاً أن جيش الاحتلال الإسرائيلي أخذ يدفع ثمناً باهظاً في جنوب لبنان. وهذا بالذات ما يفسر الدعوات المتكررة من قبل المفاوضين الأميركيين والإسرائيليين إلى سورية لتسهيل عقد لقاءات ثنائية لبنانية ــ سورية مشابهة لتلك التي تمت مع الجانبين الأردني والفلسطيني. ويجب أن يُسجل هنا للمسؤولين اللبنانيين آنذاك أنهم قاوموا الإغراءات والتهديدات يدعمهم في موقفهم ذاك عاملان مهمان: العلاقة المميزة مع دمشق، ثم نجاح المقاومة اللبنانية في فرض معادلات مختلفة ليس فقط في إيقاع ضربات موجعة بالاحتلال بل أيضاً في نشوء حاضنة شعبية ترفد المقاومة وتحميها اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً.

على مدى عقد من الديبلوماسية المكثفة، فشلت كل صيغ المفاوضات التي رعتها واشنطن بين سورية وإسرائيل بما فيها اللقاءات الثنائية المباشرة على مستويات رفيعة. فقد إتضح أن المفاوضين الإسرائيليين باتوا يفضلون، بعد "نجاح" تجربتي أوسلو ووادي عربة من وجهة النظر الإسرائيلية، مبدأ "السلام مقابل السلام" وليس "الأرض مقابل السلام" حسب ما جاء في حيثيات الدعوة إلى مؤتمر مدريد. ولذلك توجّب على الطرفين السوري والأميركي بذل آخر جهد في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه على المسار السوري (الذي يشمل ضمناً المسار اللبناني)، فجاء الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بتاريخ 18 كانون الثاني 2000 ممهداً الطريق لاجتماع القمة الأخير بين الرجلين في جنيف بتاريخ 26 آذار سنة 2000.

ورد في المكالمة الهاتفية على لسان كلينتون: "أصغيت بانتباه شديد إلى الإسرائيليين، وهم يقولون إنهم مستعدون للتخلي عن الجولان إذا لُبيت متطلبات أمنهم. ومن الواضح أن إحدى هذه الحاجات الأمنية هي لبنان. وهم يدركون أن عليهم التوصل إلى صفقة معكم قبل البدء بأية محادثات مع لبنان". ثم أضاف في ختام المكالمة بعد الإشارة إلى موافقة الإسرائيليين على بعض النقاط العالقة: "وهم الآن يوافقون على كلتا هاتين النقطتين لأنهم أدركوا أنه لن يتم إنجاز شيء ما لم يتم الاتفاق عليهما. وهذا أمر إيجابي لسورية. كل ما يطلبونه في المقابل هو بدء المحادثات مع اللبنانيين". ومع أن المسعى الأخير في جنيف لم يحقق أي اختراق في المفاوضات السورية ــ الإسرائيلية برعاية أميركية، إلا أن خطة أخرى بديلة تتعلق بالمسار اللبناني سرعان ما وُضعت على سكة التنفيذ... برعاية أميركية أيضاً.

بعد الإعلان عن فشل لقاء جنيف في 26 آذار سنة 2000، بادرت إسرائيل بعد شهرين، وبالتحديد في 25 أيار، إلى الانسحاب من جنوب لبنان بقرار أحادي الجانب. وهي أرادت بهذه الخطوة وضع دمشق وبيروت أمام الأمر الواقع، علماً بأنها كانت تأمل (بل تتوقع) في أن يتمكن "جيش لبنان الجنوبي" العميل من الحفاظ على مواقعه لفترة زمنية معقولة، ربما تكون كافية لخلق بلبلة سياسية داخل لبنان تعيد خلط الأوراق لمصلحة صيغة توافقية جديدة تساعد في "عزل" المسار اللبناني عن صنوه السوري الذي بات في حالة موت سريري بعد انهيار قمة جنيف. وكان الرهان يومها يرتكز على بعض القوى السياسية اللبنانية التي كانت تتحين الفرصة المناسبة للإنقضاض على اتفاق الطائف، خصوصاً الجوانب المتعلقة بمسألتي حق المقاومة في تحرير الجنوب المحتل والعلاقة المميزة مع سورية.

ومع وفاة حافظ الأسد في العاشر من حزيران سنة 2000، لاحت الفرصة المنتظرة أمام تل أبيب وواشنطن (التي كانت تستعد لإدارة جديدة في البيت الأبيض) لبذل مزيد من الضغط على دمشق وبيروت في ظل قيادة الرئيس السوري بشار الأسد. وكان المعتقد يومها أن تغير الأوجه السياسية في سورية ربما يساعد في تحقيق ما عجزت عنه عشر سنوات من المفاوضات العسيرة. لكن لم تجرِ السفينة السورية اللبنانية بما تشتهي الرياح الأميركية، خصوصاً بعد اتخاذ دمشق موقفاً مبدأياً رافضاً للغزو الأميركي للعراق في 19 آذار سنة 2003، واحتضانها جزءاً من المقاومة العراقية الناشطة ضد الاحتلال. يومها أصبحت سورية (ومعها لبنان) في دائرة التصويب الوجودي الذي يستهدف النظام والدولة والمجتمع على حد سواء.

وللوصول إلى قلب سورية نفسها، كان لا بد من الانطلاق من لبنان لإحداث تفكيك داخلي على مستويين: محلي يسعى إلى خلق هوة بين المقاومة وبيئتها الشعبية الحاضنة التي تجاوزت التصنيف المناطقي أو المذهبي في ذروة انتصاراتها، وخارجي يهدف إلى بتر علاقات التنسيق والتعاون بين بيروت ودمشق. لذلك جاء "قانون محاسبة سورية وسيادة لبنان" الذي وقعه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش (الإبن) في 11 كانون الأول سنة 2003. ثم قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 بتاريخ 2 أيلول سنة 2004 مطالباً جميع القوات الأجنبية بالانسحاب من لبنان، وداعياً إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها. ولا يحتاج الأمر إلى عبقرية خارقة لتبيان أن المقصود بـ "القوات الأجنبية المتبقية" هي القوات السورية لأن مجلس الأمن يعتقد أن القوات الإسرائيلية قد "انسحبت بالكامل"، وأن "الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية" هي المقاومة اللبنانية التي كانت ما تزال عاملة لتحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة وضمان إطلاق الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية.

وأظهرت إفادات عدد من الشهود في سياق جلسات المحكمة الدولية الخاصة بلبنان المنعقدة في لاهاي أن القيادات السياسية اللبنانية على مختلف مشاربها أدركت منذ البداية أن "قانون محاسبة سورية وسيادة لبنان" والقرار رقم 1559 يستهدفان سورية والمقاومة بالذات، ما دفع رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري إلى عقد لقاءات مع الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله لطمأنته والتعهد أمامه بأنه "يُفضل أن تقطع يده قبل التوقيع على أي قرار يستهدف المقاومة وسورية"!

ولم يكن خافياً على متابعي ملف العلاقات السورية ــ اللبنانية في تلك الفترة أن بعض السياسيين اللبنانيين انخرط بفعالية في التحركات التحريضية بين باريس وواشنطن ونيويورك للوصول إلى "قانون محاسبة سورية وسيادة لبنان" والقرار رقم 1559. وكانت تلك التحركات مؤشراً واضحاً إلى تصدع الإجماع اللبناني الداخلي في مسألتي المقاومة والعلاقة مع سورية. وقد كشفت أوساط كانت محسوبة على دمشق بأنها على أتم الاستعداد لنقل البندقية من كتف إلى أخرى بأسرع من لمح البصر. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هؤلاء الأشخاص كانوا على مدى سنوات جزءاً أساسياً من منظومة الفساد الأمني والسياسي، سورياً ولبنانياً. ولعل مصرع الحريري في 14 شباط 2005، ثم الحرب الإسرائيلية على لبنان في 12 تموز 2006 شكلتا آخر القطع الضرورية لاستكمال المخطط الأميركي المستجد للتعامل مع سورية، وفي الوقت نفسه تفكيك الإرادة الوطنية اللبنانية بحيث يتشوه اتجاه البوصلة التي مكنت اللبنانيين من دحر الاحتلال الإسرائيلي منذ الغزو سنة 1982 وحتى التحرير سنة 2000.

وبعد أن سقط لبنان واللبنانيون في هوة الصراعات الداخلية مرة أخرى، كان من الطبيعي أن ينتقل الاهتمام الخارجي إلى الداخل السوري الذي هو الغاية الأساسية منذ أن أبلغ كلينتون الأسد بوضوح في لقاء جنيف الأخير التحذير المبطن التالي: "بقبول هذه الاتفاقية ستحصلون على تسعين بالمئة من الجولان، ومن دونها يا سيادة الرئيس قد لا تستعيدون شيئاً أبداً"! إن كل ما قيل عن "ثورة الأرز" في لبنان والدعوة إلى "التغيير الديموقراطي" في سورية، مع الاعتراف بمصداقية بعض الناشطين في تلك الاتجاهات، يجب أن لا يعمي بصرنا وبصيرتنا عن استيعاب أبعاد الخطة التي تريد فصل المسارين السوري واللبناني، إما للتماهي فردياً مع النموذجين الفلسطيني والأردني وقبلهما المصري... أو للدفع بهما معاً نحو الهاوية!


ــ الاستشهادات الواردة في النص أعلاه في ما يتعلق بمحادثات الأسد ــ كلينتون مأخوذة من كتاب الدكتورة بثينة شعبان "عشرة أعوام مع حافظ الأسد". مركز دراسات الوحدة العربية ــ بيروت 2015.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017