إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

نحو مقاربة جديدة للأزمة السورية

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2015-06-10

الارشيف

دخلت الأزمة في سورية منعطفاً جديداً حاسماً بات يستدعي مقاربة جذرية مختلفة تقوم بها الأطراف المعنية بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسيادتها وسلامة مجتمعها وحيوية دورها الإقليمي الاستراتيجي. ذلك أن المسألة الأساسية لم تعد مجرد حديث عن تغيير النظام وتحقيق الانتقال السلمي للسلطة من جهة، ولا عن حماية الدولة من مؤامرة تنفذها قوى خارجية بالتواطؤ مع جماعات داخلية من جهة أخرى. فقد أصبحت الأمور، بعد خمس سنوات من المواجهات الدامية، أكثر وضوحاً مما كانت عليه في شباط سنة 2011 عندما اشتعلت الشرارة الأولى في درعا.

لا بد أولاً من التعيين الذي هو شرط الوضوح في الشؤون القومية المصيرية. عندما نذكر "المعارضة"، فإنما نقصد القوى السياسية والشعبية السورية التي لم ترتهن للخارج ولم تسهم في تدمير بنية الدولة ولا تنطلق من قواعد دينية أو مذهبية أو عرقية ولا تسعى إلى نقض النهج الاستراتيجي الذي لا يتنكر لمصالحنا القومية. أما في الجانب الآخر، فالسلطة لا تعني فقط شخص الرئيس (كائناً من يكون) ولا الحزب الحاكم ولا أصحاب المصلحة في إبقاء الأوضاع السورية على ما كانت عليه قبل الأحداث الراهنة، وإنما هي الدولة بكل مؤسساتها.

إذا توافقنا على هذه المسلمة التمهيدية، يمكننا القول إن سورية الجغرافيا والدولة والمجتمع تواجه حملة خارجية ساحتها تركيا من الشمال والأردن من الجنوب تدعمهما دول خليجية وأوروبية (يجب أن لا ننسى دور إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية). هذا الواقع الجديد أحدث خلال الأسابيع القليلة الماضية تغييراً نسبياً في موازين القوى العسكرية من جراء تدفق السلاح والمسلحين (غالبيتهم من غير السوريين) عبر الحدود المفتوحة مع تركيا والأردن. لكن هذا لا يؤشر إلى قرب "سقوط النظام السوري" كما يروّج له بعض وسائل الإعلام، وإنما يعطي علامة إلى واقع ميداني مستجد بحيث لا يمكن تصور إمكان تحقيق نصر عسكري حاسم لأي من الأطراف... على الأقل في المدى المنظور.

في هذه الحالة ستكون هناك معارك كرّ وفر، تقدم هنا وتراجع هناك من دون الوصول إلى لحظة الانتصار النهائي الناجز. الجيش السوري النظامي قادر على حماية المناطق الحساسة بالنسبة إلى الدولة، غير أنه قد يدفع ثمناً باهظاً لتحرير المناطق التي سيطر عليها المسلحون مؤخراً. وحتى في حال تحريرها، فإن الحفاظ عليها وحمايتها سيشكلان عنصر استنزاف ليس من مصلحة الجيش تحمله في الظروف الحالية. أما المسلحون فيدركون تماماً أن تمددهم داخل بلدات ومدن ليس لهم فيها بيئة حاضنة سيعرضهم لمخاطر من الداخل لم يواجهوا مثلها حتى الآن، وسيكشف خطوط إمداداتهم كلما ابتعدت عن قواعد التموين "الآمنة" في تركيا والأردن. إضافة إلى أن الجيش السوري واللجان الشعبية المساندة له سيصعّدون عملياتهم مستخدمين كل ما في جعبتهم من سلاح وعتاد، مدعومين بالحلفاء الإقليميين والدوليين.

إن وصول الوضع الميداني إلى نقطة المراوحة يعني نشوء خطوط تماس مشتعلة، ستكون ثابتة في مناطق ومتحركة في مناطق أخرى... تماماً على غرار ما وصل إليه الكيان اللبناني في أعقاب توقف الجولة الأولى من الحرب الأهلية سنة 1976. يومها أصبحت البلاد مقسمة فعلياً على المستويات السياسية والاجتماعية في ظل السيطرة العملية للقوى المسلحة غير النظامية التي ظلت صاحبة الحول والطول حتى بعد دخول "قوات الردع العربية" (شكلت القوات السورية غالبيتها في المرحلة الأولى). ونحن نشهد على الساحة السورية حالياً أنماطاً من التطهير المذهبي والعرقي والسياسي تشبه في بعض جوانبها ما عاناه اللبنانيون في حربهم الأهلية.

وقد دفع المأزق العسكري والسياسي في سورية بعض القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة تحريك عجلة المساعي الديبلوماسية من أجل الوصول إلى حل سياسي بعدما أصبح الجميع مقتنعاً باستحالة الحل العسكري. ففي القاهرة اجتماعات لأطياف المعارضة، تحظى برعاية مصرية رسمية، قد تمهد لنشوء هيئة بديلة قادرة على أن تشكل طرفاً ذا وزن شعبي وسياسي يستطيع التحاور مع الحكومة السورية. وهناك معلومات خجولة حتى الآن تتحدث عن بداية توافق روسي ــ أميركي ــ أوروبي لتكثيف الاتصالات مع القوى الفاعلة بهدف بلورة مبادرة جديدة قد تكون تحت إشراف الأمم المتحدة.

لكن هذا لا يعفي الطرفين اللذين أشرنا إليهما في بداية المقال، ونقصد بهما "المعارضة الوطنية" و"السلطة"، من ضرورة التحرك إلى فتح ثغرة في جدار المأزق السوري. ونحن نرى أن على "السلطة" المبادرة إلى مد يد التعاون نحو "المعارضة"، ودعوتها إلى المشاركة الندية في تحمل مسؤولية مواجهة الخطر الوجودي على البلاد، ومنحها الثقة لتنفيذ برنامج عمل مشترك يضع المصلحة السورية فوق كل مصلحة أخرى. وفي المقابل، بات على "المعارضة" أن تترجل عن جدار الحياد المخادع وتنزل من برجها العاجي وتعلن على رؤوس الأشهاد براءتها مما يجري على الأرض بدعم من دول إقليمية حاولت على مدى العقود الماضية إلغاء دور سورية المركزي في المنطقة، وهي تكاد تنجح بأدوات داخلية مشبوهة ما عادت هويتها ومخططاتها خافية على ذوي الألباب.

إن التمسك المعاند بمواقف أسقطتها التطورات الميدانية لن يؤدي إلا إلى المزيد من التدمير المنهجي لبنية الدولة السورية ولوشائجها الاجتماعية. والغيارى الحقيقيون على سورية، في هذا الطرف أو ذاك، مدعوون لرفع الصوت عالياً في اتجاه بلورة مبادرة سياسية وطنية تسبق التحركات الإقليمية والدولية المتوقعة، بحيث يأتي الحل سورياً، ببرنامج عمل سوري ينفذه قياديون سوريون، فيكون لمصلحة سورية أولاً وأخيراً.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017