| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2006-03-29 |
الطائفية... نقبل أخطارها أو نرفضها |
|
هناك اجماع اليوم بين أهل الرأي في لبنان على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم، على أن الطائفية أقوى بكثير من الماضي وان التفكير بتجاوزها يكاد يكون أمرا مستحيلا. ويقترح البعض ان نقلع نهائيا عن معالجتها من خارج منطقها ونظامها. ويذهب البعض أبعد من ذلك ليقول ان العالم كله يشهد موجة تديّن ومزاوجة بين الدين والسياسة بدءا من الولايات المتحدة نفسها. فالمحافظون الجدد يتكئون على ايديولوجية دينية، والعالم الاسلامي يشهد صعودا مفتوح الآفاق للحركات الأصولية. وكلما تقوّت النزعة الدينية تقوّت النزعة الطائفية والمذهبية كما يجري في العراق الآن. وفي لبنان يصعب الآن، بل لا تمكن معالجة اي شأن من الشؤون الوطنية من خارج الحسابات الطائفية. لقد تم اختصار الحياة السياسية بأربع كتل طائفية، والموضوعات التي يختلف عليها اللبنانيون تخص فئات طائفية، والنظرة في مقاربتها نظرة طائفية. وكل الامور التي تتعلق ببناء الدولة وتشغيلها بعد عهد الوصاية تتجه الى إرساء توازنات طائفية، من سياسة لبنان الخارجية، الى سياسة لبنان الدفاعية، الى قانون الانتخاب، الى خطط معالجة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
معالجة العلاقات اللبنانية السورية تخضع لمزاج المجموعات الطائفية. وسلاح المقاومة في دائرة الشكوك والمخاوف الطائفية. وقانون الانتخاب تحت ضغط تجاذبات طائفية. وخيارات لبنان الاقتصادية والاجتماعية تعكس تصورات مختلفة وأولويات طائفية. إنها إذاً حلقة مقفلة لا يمكن الخروج منها. وليس من أحد يستطيع الآن ان يجادل في صحة هذا التشخيص او رجحانه على غيره من الآراء ووجهات النظر. هكذا يصبح اللاطائفيون مشكوكا بوجودهم أصلا، ودعاة تجاوز الطائفية طوباويين او أصحاب أوهام محمولة من زمن قديم تغيرت معطياته وتبدلت ظروفه وقواه. فليس هناك من اصلاحيين اليوم بالمطلق، بل هناك اصلاحيون طائفيون، في طوائفهم او من طوائفهم، او داخل النظام الطائفي. فليس من عمل عام او نشاط سياسي فعلي او فعّال يمكن ان يستقل عن المعطى الطائفي. الاحزاب المختلطة خرجت نهائيا من موقع التأثير على الساحة السياسية، والقوى العلمانية حلقات معزولة مهمشة تبحث عن اجراءات صغيرة لاختراق سقف القواعد الطائفية، كنزع القيد الطائفي من دوائر الاحوال الشخصية او تحريك ملف الزواج المدني الاختياري او ما الى ذلك من اجراءات هي في نهاية المطاف لو بلغت أهدافها تضيف طائفة جديدة الى دولة الطوائف.
لقد عاب كثيرون في الماضي على <<الحركة الوطنية اللبنانية>> مطالبتها بالغاء الطائفية السياسية دون مطلب العلمنة الشاملة. كما عاب كثيرون على ميثاق الطائف قوله بالغاء الطائفية السياسية. هؤلاء يريدون للدولة عقيدة علمانية تؤدي الى علمنة المجتمع وليس الدولة فقط، وهذا مناف للحرية في حين ان الطائفية نظام مختلف عن الدولة الدينية. وفي أسوأ الاحوال هي دولة تعددية على المستوى الديني لا مكان فيها لغلبة على هذا الصعيد. صحيح ان مشكلة الطائفية تتعدى الاطار السياسي الى الأبعاد المجتمعية الاخرى، وان لها مضاعفات ثقافية ومرادفات اجتماعية، لكن الأصل فيها هو هذا البعد السياسي الذي يحول الصراع السياسي الى صراع طائفي وينقض فكرة الدولة القائمة على اساس المصلحة العامة المنزهة عن اي امتيازات او حرمانات يجلبها النظام الطائفي، فتصيب بالخلل الحقوق والواجبات بين المواطنين وتمنعهم من الاعتراف بالعقد الاجتماعي والسياسي الذي هو الدولة انطلاقا من عدم تمتعهم بالمساواة تجاهها. هذا المدخل ضروري للقول ان مفتاح المعالجة هو الطائفية السياسية، والعتبة التي يجب ولوجها لمقاربة المسائل الاخرى المتعلقة بالسلوكية الطائفية الثقافية او الاجتماعية، وحتى الطائفية النابعة من الانتماء الديني بالاطلاق حيث النظرة مختلفة للكائن البشري ولأنماط التصرف والحياة. ان التسامح الديني والاعتراف بالآخر هما من ركائز الاجتماع البشري المسالم. ولكن تلك مسألة ذات أبعاد تاريخية عميقة وتفاعلات كونية وانسانية تتخطى ما نحن بصدده حيث الطائفية بطابعها السياسي تتحول الى نظام للحقوق ينقض مبدأ المساواة في الاجتماع السياسي. فنحن دائما نحتاج الى حوار الثقافات وتفاعلها والتعرف الى الارث المتعلق بالأديان ومفاهيمها والتقريب في ما بينها في <<المخلوقية والكرامة>> لهذا الكائن البشري الواحد.
وبالفعل ليس لأحد ان ينكر ان معالجة المشكلة الطائفية بجميع وجوهها، تحتاج الى ورشة وطنية متعددة الاتجاهات والمستويات وسيكون مهما الالتفات الى قضايا الثقافة والاعلام، الى التربية والى شؤون الاقتصاد، ففي المجتمع المدني يتلاقى الناس على الانتماء الى ما هو أبعد من التضامن الطائفي والقبلي والجهوي، ويتكون وعيهم خارج سياق ما هو متعلق بالماورائيات وما الى ذلك. لكننا الآن بصدد الحالة الاستثنائية من الصراع السياسي الطائفي على السلطة، وهو صراع سياسي يستهدف تنظيم الاجتماع السياسي من خلال دولة يريد هذا الفريق او ذاك الهيمنة عليها او على قرارها بالمعنى المباشر للكلمة او حتى بالمعنى العميق، بحيث يعطيها صورة محددة لادارة المجتمع وضبطه وللتعبير عنه سياسيا والعمل على تنظيمه وقولبته وفقا لرؤية <<ثقافية>> على وجه الاطلاق تنبع من مفاهيم سياسية او حتى من جذر ديني ظاهر او خفي.
إن هيمنة الجماعة هي في الحقيقة سيادة لقيم وأدوات وأساليب وأفكار وتطلعات هي في المحصلة انعكاس لطبيعة الجماعة نفسها حسب ما تكون قد اتحدت بوصفها جماعة سياسية او جماعة دينية او بمزج واضح بين الطبيعتين فتكون طائفية. فلا شك إذاً في ان الطائفية تحتاج الى تفكيك على مستوى تكوينها في المؤسسات السياسية للمجتمع، ولكن هذا التفكيك لا يأخذ طريقه الى الواقع من دون ان نحول دون اعتباره المصدر الأساسي للعمل السياسي، والمصدر الأساسي لحقوق المواطنين، اي بكسر حلقة الاعتراف بأن للجماعات حقوقا سياسية وليس للأفراد المواطنين. تلك هي الفكرة الجوهرية من التشديد دائما على الغاء الطائفية السياسية.
في الحال اللبنانية اليوم مأزق كبير. أربع كتل طائفية تدير دفة البلاد وتسيطر على جميع المؤسسات الدستورية وهي صاحبة القرار دون سواها في مصير النظام والدولة. وهي في خطابها السياسي وممارستها ترتاح لنفوذها ولتكوينها الشعبي المؤطر والمنظم في تيارات طائفية، واكثر من ذلك ترتاح لتوازنات السلطة ومواقعها وادوارها فيها ومهماتها وفقا للتوزيع الذي تم اعتماده في الطائف. يصبح تحريك ملف الغاء الطائفية مغامرة غير مضمونة النتائج لأي من المجموعات مهما كبر حجمها او صغر. وتعيش هذه المجموعات بقلق شديد الآن من المتغيرات الاقليمية وتأثيراتها على مستقبلها كتيارات سياسية او ثقافية او دينية. هناك توازن استراتيجي بالمعنى الحربي للكلمة بين الجماعات يحرص الجميع على عدم الاطاحة به كليا خوفا من مضاعفات خطيرة. فالصراع الدائر الآن في البلاد لا يزال تحت سقف ما يسمى الطائف وهو صراع على تحسين التوازنات السياسية أخذا بالاعتبار المتغير الاقليمي الاساس الذي هو الانسحاب السوري من لبنان. لكن هذا هو توصيف حسن النية يقصد منه إبعاد الهواجس والمخاوف من تبديل جوهري في الدولة. اي ان هناك تطمينات بالقول ان المقصود هو توازن بين التيارات السياسية وليس بين مواقع الفئات الطائفية. لكن ذلك يصطدم في الحقيقة بظاهرة التطابق غير المسبوق في تاريخ لبنان أبدا بين التيارات السياسية واحتكار مجموع تمثيلها السياسي الطائفي. ان وحدانية التمثيل الطائفي التي انتجتها الانتخابات الاخيرة هي القيد الاكثر صلابة الذي يحول دون اي تغيير سياسي، هذا هو الأمر الذي يفرض الآن التسويات السياسية او الهدنات بانتظار متغيرات اقليمية تضعف هذا التيار او ذاك او تدعم هذا التيار او ذاك. لكن البلاد الآن في حال من الشلل والجمود وتعطيل المؤسسات ومن الاختناق، فهي لا تستطيع ان تعالج واحدة من مشكلاتها الرئيسية بما في ذلك الوضع الاقتصادي الضاغط بقوة الذي استدعى تلك الصرخة من الهيئات الاقتصادية ورجال المال والاعمال والفئات الاجتماعية التي يمس الواقع الحالي مكتسباتها اكثر من تلك القوى الاجتماعية المفقرة التي لا تجد من يعبر عنها ويمثلها اليوم او يتحدث عن همومها. ان جمعيات المصارف والتجار والصناعيين هي التي تطالب بالحلول السياسية حماية لمصالحها الاقتصادية. هذه المفارقة تتصل بواقع الفئات الشعبية المسلوبة الإرادة بين تعبئة طائفية متعاظمة مجددا تفرز نزعات فاشية وبين رشوة مستدامة تقوم بها هيئات الخدمات الطائفية، وما بين هذه وتلك خيارات الهجرة. انه واقع مأساوي مأزوم حتى على مستوى المخارج النظرية. هكذا تنتصب الطائفية بوصفها أمرا واقعا ونظاما قويا في غياب البدائل. لكن ذلك كله لا يمنع من التفكير في مأزق النظام الطائفي لما بات يحمله من مخاطر على مجموع الشعب اللبناني وما يستدعيه من أزمات لا حلول لها في ظله، وما قد يقود اليه من تجديد للحرب الأهلية مع انسداد أفق الحلول السياسية او مع متغيرات اقليمية هي الآن في مخاض مثقل بالعنف والتصدعات واشتداد النزعات الدينية والمذهبية. فاذا كان ثمة رهان على احتواء النزاع الطائفي فهو رهان سلبي يأتي من استحالة استمرار الاستقرار السياسي في ظله. وليس المطلوب فورا تجاوز النظام الطائفي او إلغاءه بقرار بل التصدي لمهمة معالجته وفق منظور تاريخي متدرج حتى لو تم وصف ذلك بالاصلاحية الطائفية. ان الخوف من الحرب الاهلية هو بحد ذاته قضية تحتل مركز الصدارة في بناء مشروع وطني تنضم اليه قوى متعددة الطوائف والمصالح والأهداف.
إن مركز الثقل الآن في برنامج كهذا هو تطبيق الطائف في بعده الاصلاحي المؤسساتي. فالقلة القليلة المتبقية من الناس المؤمنة بالسلم الأهلي والحفاظ على الوحدة الوطنية وببقاء الدولة موحدة وفعالة في أداء دورها الناظم للمجتمع، تستطيع ان تبدأ في تصحيح المسار. وبالفعل مطلوب الآن خوض معركة قانون الانتخاب بوصفه مدخلا لإحداث اختراق جدي للكتل الطائفية المغلقة. هذه هي وظيفة التمثيل النسبي. وهنا يجب ان يفهم التمثيل النسبي كواحد من اشكال معالجة الخلل في التمثيل الطائفي ايضا. ثمة حاجة لشرح ذلك إزاء تعذر تحقيق مساواة مطلقة في الدوائر الانتخابية. ثمة حاجة ملحة لاصلاح القضاء وتحقيق استقلاله وهناك كتلة مصلحية كبيرة لذلك. بعض النخب المعنية مباشرة على هذا الصعيد لا تقوم بدورها الآن لأنها لا تملك ثقافة حقيقية حول مسألة العدالة. النخب الاعلامية تستسهل الحديث عن القضايا السياسية الكبرى، ولا جهود حقيقية تبذل لإثارة المشكلات التي تمثل منطلقات لتوسيع حقوق المواطنين. الثقافة الديموقراطية في لبنان ما زالت هجينة. نحتاج الى مقالة افتتاحية من خارج موضوعات سلاح المقاومة والعلاقات اللبنانية السورية. نحتاج الى حلقات اعلامية تبحث في كيفية عمل المؤسسات الدستورية من خارج المعارك السياسية اليومية. علينا ان نحسم امرنا في اختيار وجهة بين القبول بالنظام الطائفي ومعالجة قضايانا على أساسه والقبول باخطاره، او ان نحسم في ضرورة تجاوزه.
* محام وكاتب سياسي |
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |