إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الخطط الأطلسية الأوروبية على ضفاف المتوسط

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2015-07-06

الارشيف

اعتقد كثيرٌ من المراقبين أن انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، ومن ثم تفكك "حلف وارسو" وغيابه عن مسرح الأحداث، سيدفع قيادة "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) إلى البدء في مراجعةٍ استراتيجيةٍ لتقييم الغاية من بقاء ذلك الحلف الذي نشأ في الأساس سنة 1949 بهدف مواجهة المعسكر الشيوعي المكوّن آنذاك من الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية. فإذا كان الخصم الفعلي لم يعد على قيد الحياة، فما معنى استمرار البنية العسكرية والسياسية التي قامت لدرء خطر أصبح في مقبرة التاريخ؟

الحقيقة أن حلف "الناتو" لم يتأسس فقط لردع الخطر السوفياتي، بل تضمنت مبادئه التأسيسية عناصر ثلاثة هي: أولاً، مواجهة مخاطر التوسع السوفياتي (الشيوعي). ثانياً، منع إحياء النزعات العسكريتارية القومية في أوروبا من خلال وجود عسكري واسع لقوات من أميركا الشمالية على الأراضي الأوروبية. ثالثاً، المساعدة في، أو التشجيع على، مزيد من الاندماج السياسي في أوروبا. والعنصر الثالث هذا يؤكد لنا أن مؤسسات "الاتحاد الأوروبي" السياسية والاقتصادية والأمنية تعتبر رديفاً حيوياً للبنى والمنظمات التي أقامها "الناتو" في أوروبا على مدى العقود الماضية.

شكل سقوط الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية إشكالية مؤقتة بالنسبة إلى المخططين الاستراتيجيين في "الناتو"، فراحوا يبحثون في الأدوار الجديدة التي يمكن تحويل جهود الحلف إليها. ففي ظل غياب قيادة روسية حازمة وقوية في تسعينيات القرن الماضي، تمكنت قيادات "الناتو" و"الاتحاد الأوروبي" من التوسع شرقاً ليتم سريعاً استيعاب الدول الخارجة من فلك الاتحاد السوفياتي السابق. وما كادت موسكو تلتقط أنفاسها بعد سنوات الانهيار العاصف والنهب المنظم لثروات البلاد، حتى كانت غالبية بلدان البلطيق وأوروبا الشرقية قد أصبحت إما أعضاء في "الناتو" أو أعضاء في "الاتحاد الأوروبي" تمهيداً للحصول لاحقاً على العضوية العسكرية الكاملة... أي أن هذه الدول باتت خط المواجهة المباشر مع روسيا!

غير أن الخطط الاستراتيجية المتجددة للأطلسيين سرعان ما وجّهت أنظارها إلى خارج حدود أوروبا في خطوة استهدفت تثبيت صياغة جديدة لمبادئ الحلف التأسيسية، والتي لاحظنا أعلاه أنها كانت تقتصر على أوروبا ومنطقة شمال الأطلسي بالمعنى الجغرافي ــ السياسي. في آذار سنة 1999 شنّت القوات الأطلسية غارات جوية كثيفة على جمهورية الصرب بحجة منع وقوع "إنتهاكات لحقوق الأنسان" في مقاطعة كوسوفو. وكانت تلك المرة الأولى التي يلجأ فيها "الناتو" إلى عمل عسكري من دون موافقة مجلس الأمن الدولي، ما شكل سابقة خطيرة على صعيد القانون الدولي. وكان التدخل الأطلسي في أفغانستان سنة 2001 "مفهوماً" على أساس أن المادة الخامسة من ميثاق "حلف شمال الأطلسي" تعتبر أي اعتداء على دولة عضو في الحلف هو بمثابة اعتداء على كل دول الحلف... وكانت أميركا يومها دولة مُعتدى عليها من جراء العمليات الإرهابية التي شنها تنظيم "القاعدة" في المدن الأميركية.

التحول المفصلي في تحركات الأطلسي تمثل في العمليات العسكرية لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا بموجب القرار رقم 1973 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في آذار سنة 2011. ومع أن الحملة الأطلسية ضد ليبيا إتخذت من حماية "المعارضة الليبية" ذريعة لتدمير النظام، فإن أحداً لم ينخدع بتلك التبريرات التي كشفت عن ملامح مخططات أطلسية ــ أوروبية مختلفة، ساحتها هذه المرة شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ونحن لم نذكر بالتفصيل الغزو الأميركي ــ البريطاني للعراق سنة 2003 لأن غالبية الدول الأعضاء في "الناتو" و"الاتحاد الأوروبي" لم تؤيد الغزو، وإن كانت عادت لاحقاً لتنخرط شيئاً فشيئاً في إدارة الاحتلال.

ليس مستغرباً أن ينتقل تركيز "الناتو" إلى حوض المتوسط بعد وصول تمدده في أوروبا الشرقية إلى أقصى مدى متاح له... إلى حدود الاصطدام المباشر مع روسيا الصاعدة مرة أخرى إلى مصاف "الدول الكبرى"، والساعية إلى استعادة وزنها الإقليمي والعالمي الفاعل. إن الضفتين الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط هما المجال الأمني الحيوي للضفة الأوروبية المقابلة. وإذا استعرضنا جغرافية المتوسط من المغرب إلى اليونان، مروراً بالجزائر وتونس وليبيا ومصر وفلسطين ولبنان وسورية وقبرص وتركيا، لوجدنا أن للحلف الأطلسي تواجداً أو علاقات أو اتفاقات مع معظم هذه البلدان. بل لاحظنا أخيراً توسعاً أطلسياً (للحلف مجتمعاً أو لبعض دوله منفردة) نحو منطقة الخليج العربي يتمثل بقواعد بحرية وجوية، إضافة إلى الأساطيل الحربية المتمركزة بصورة شبه دائمة هناك.

في هذا السياق فقط، وليس في سياق الهم الإنساني المجرد أو القلق الأمني، علينا أن ننظر إلى الخطة التي أقرها "الاتحاد الأوروبي" في أواخر حزيران الماضي لإطلاق عملية بحرية واسعة في المتوسط بهدف وقف ما أسماه "المتاجرة بتهريب البشر" من أفريقيا إلى أوروبا. ومع أن الناطقة الأوروبية الرسمية أوضحت أن العمليات البحرية والجوية ستبدأ في المياه والأجواء الدولية، إلا أنها ألمحت أيضاً إلى أن ذلك سيكون الخطوة الأولى بانتظار الحصول على موافقة السلطات الليبية لدخول المياه والأجواء الإقليمية الليبية لمطاردة "المتاجرين بالبشر"، أو إقناع مجلس الأمن الدولي بإصدار قرار يؤمن غطاء قانونياً دولياً للحملة البحرية الأوروبية.

ولم يكن من باب الصدفة أن يُعلن الأمين العام للحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ في نفس توقيت الإعلان الأوروبي المشار إليه أعلاه أن الحلف قرر "تعزيز قوة التدخل السريع برفع عديدها من 30 إلى 40 ألف عنصر"، أي أكثر من ضعفي حجمها الحالي. ومع أنه أشار بهذا الصدد إلى تحديات أوكرانيا ودول البلطيق في ما يتعلق بالعلاقة مع روسيا، إلا أنه أوضح كذلك أن القرار يأتي "في إطار تأقلم الحلف الأطلسي مع بيئة أمنية جديدة"... والمتوسط هو بالفعل أخطر بيئة أمنية في ظل الأوضاع الراهنة، كما تشهد على ذلك أحداث تونس وليبيا ومصر وسورية!

وقد شدّد المسؤولون الأوروبيون، تعليقاً على الحملة البحرية الجديدة، في القول إن الخطة ستستهدف فقط "مهربي البشر" ولن تكون جزءاً من "الحملة على الإرهاب". لكن هل بالإمكان الفصل بين أزمة المهاجرين التي يريد "الاتحاد الأوروبي" وضع حد لها وبين "البيئة الأمنية الجديدة" التي تحدث عنها الأمين العام للحلف الأطلسي؟ إن هذا السؤال يحظى بمشروعية خاصة نظراً إلى عدم وجود فوارق كبيرة بين "الناتو" و"الاتحاد الأوروبي" كما أوضحنا في مقدمة هذا المقال.

ربما يريد القادة الأوروبيون ــ الأطلسيون طمأنة مجلس الأمن الدولي والقوى الإقليمية المعنية إلى أنهم لن يعمدوا إلى "مط" أي قرار أممي حول مسألة المهاجرين على غرار التفسير المطاط جداً الذي اعتمدوه لضرب قوات القذافي وإسقاط نظامه. إذ تبين للجميع لاحقاً، بمن فيهم الدول التي أيدت القرار 1973 في مجلس الأمن أو تلك التي امتنعت عن التصويت، أن الهدف الأطلسي الحقيقي كان منذ البداية تغيير النظام في ليبيا وليس حماية المدنيين العزل.

ما يُثير القلق في هذه المسألة التي ما زالت في بداياتها أن للحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي (أو لبعض أعضائهما) سوابق في تجاهل قرارات مجلس الأمن أو عدم اللجوء إليه أساساً، وعندنا مثالان صارخان على التحركات الإنفرادية هما جمهورية الصرب ثم العراق. صحيح أن أزمة المهاجرين عبر المتوسط بلغت أبعاداً كارثية باتت تتطلب جهداً عالمياً (وليس أطلسياً وأوروبياً فقط) لمعالجة جذور المشكلة بدلاً من التعاطي الجزئي مع ظواهرها في القوارب والزوارق التي تقتل من المهاجرين بقدر ما تنقل منهم إلى بر الأمان. إننا نرى في الخطط الأطلسية ــ الأوروبية غموضاً مقصوداً، ربما كان جزءاً من "تأقلم الحلف الأطلسي" حسب تعبير ستولتنبرغ، بحيث يصبح الأطلسي منتشراً بالفعل على كامل ضفاف المتوسط.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017