إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

أين نحن من تداعيات الاتفاق النووي الإيراني؟

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2015-07-15

الارشيف

أخيراً تحقق ما توقعه المراقبون، ونحن منهم، عندما توصلت إيران والدول الست إلى تفاهم شامل يتضمن الأسس الكفيلة بمعالجة تداعيات الملف النووي الإيراني على الأقل للسنوات الخمس عشرة المقبلة. وعلى رغم وجود احتمالات كبيرة ببروز عقبات من هنا وهناك خلال انتقال التفاهم من حيز التوقيع إلى حيز الإقرار والتنفيذ، فإن الأطراف الموقعة جميعها أظهرت من الجدية والالتزام والمثابرة ما يجعلنا نعتقد بأن ما تم إقراره في فيينا بتاريخ الرابع عشر من تموز سنة 2015 هو حدث "تاريخي" سيُشرّع الأبواب أمام تحولات إستراتيجية مفصلية في منطقتنا. ولا بد من الإشارة، بادئ ذي بدء، إلى أن الطرفين الفاعلين في الاتفاق هما إيران والولايات المتحدة الأميركية، أما باقي الدول فهي من تحصيل الحاصل!

ويُخطئ من يتوهم بأن تمديد المفاوضات النووية كل هذه المدة الإضافية إنما كان لأسباب نووية تقنية فقط! ذلك أن المباحثات المطولة بين الطرفين بمشاركة أكبر الخبراء النوويين، والتحقيقات الدقيقة التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة النووية، لم تترك شاردة أو واردة إلا وكشفتها أمام الجهات المعنية بحيث لم يعد ثمة مجال للغموض في ما يتعلق بما يجب على الجانبين القيام به من أجل حل الإشكالات العالقة. كما توضحت إمكانية التوصل إلى صيغة وسط إذا توافرت النوايا الحسنة لدى اللاعبين الرئيسيين في هذا الملف.

لم تكن المسائل الأساسية المتبقية فقط عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة وتطوير هذه الأجهزة مستقبلاً، ولا نسبة تخصيب اليورانيوم، ولا مدى السماح لمفتشي الوكالة الدولية بتفقد المنشآت العسكرية الإيرانية الحساسة... ومن الناحية الأخرى، العقبة لم تكمن فقط في كيفية رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، ووتيرتها الزمنية، ووقف الحظر على تطوير برنامج الصواريخ البالستية، وما إلى ذلك. إن معضلة الإتفاق النهائي تمثلت في المراهنة على بناء عامل الثقة الذي يمهد للتعامل مع القضايا السياسية لمرحلة ما بعد التوقيع. وهذا ما أكده الرئيسان الأميركي باراك أوباما والإيراني حسن روحاني عندما أشارا، بصورة منفصلة، إلى أن مثل ذلك الاتفاق المنشود كان يحتاج إلى قرار سياسي "شجاع".

بل إن أوباما كان أكثر وضوحاً في رسالته "السرية" إلى مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي، والتي تم "تسريب" معلومات عنها في خضم جولات التفاوض. فقد تعهد الرئيس الأميركي بأن التوصل إلى حل لأزمة الملف النووي الإيراني سيؤدي إلى فتح أبواب التعاون بين واشنطن وطهران لمواجهة الخطر الذي بات "تنظيم الدولة الإسلامية" يشكله على الجميع في سورية والعراق. وكانت سبقت رسالة أوباما تلك جولات من المباحثات السرية (لم يعرف بها حتى أقرب حلفاء أميركا) بين وفدين أميركي وإيراني تحت رعاية سلطنة عُمان ركزت، كما تبين لاحقاً، على الجوانب السياسية تحديداً... وإن كان ذلك في إطار الملف النووي الذي يُعتبر مفتاحاً سحرياً لكل الملفات الأخرى العالقة.

والآن بعد أن تم وضع الملف النووي على سكة التنفيذ، بات من الطبيعي الانتقال للبحث في الملفات الإقليمية الحساسة الأخرى. وما يعنينا نحن في بلاد الشام أن أخطر الحرائق مندلع في ديارنا: حرب مدمرة في العراق، وحرب أكثر تدميراً في سورية، وحرب كامنة في لبنان، وحرب في فلسطين بين فصائل إما تحت الاحتلال الصهيوني أو خاضعة لحصاره! بل باستطاعتنا التأكيد على أن أمم العالم العربي كلها غارقة في خضم أزمات مصيرية تجعلها عاجزة عن لعب دور فاعل قادر على التأثير في صياغة ما قد تحمله الأيام المقبلة من تسويات يجري الإعداد لها في دوائر صنع القرار عالمياً وإقليمياً.

من الصعب في هذه المرحلة المبكرة إصدار حكم قطعي حول ما ستؤول إليه الصفحة السياسية الجديدة التي ستنفتح بين إيران من جهة والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية. إذ لا شك في أن فترة انتقالية (تمهيدية) ستمر قبل أن تتغير طبيعة العلاقات بين الجانبين. وهي فترة ستشهد ما يمكن أن نسميه إعادة تموضع في عدد من الملفات الأساسية حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، وربما تحمل حركة التموضع هذه متغيرات أساسية على الصعيدين السياسي والميداني في ساحتنا القومية. لذلك فإن التأييد من ناحية والتنديد من ناحية أخرى هما مجرد مظهرين إعلاميين يهدفان إلى حجز مقاعد في قطار التسويات المنطلق ببطء شديد هذه الأيام.

أخطر ما نستشرفه في أفق التحولات السياسية الطارئة هو أن غياب الموقف القومي المستقل سينتزع مصيرنا من بين أيدينا ليضعه في خضم فوضى البازار الإقليمي ــ الدولي الذي ترتسم ملامحه شيئاً فشيئاً. وفي ظل أوضاعنا القومية المتدهورة، خصوصاً الحروب الشرسة على سورية والعراق تحديداً، فإن مركزية القرار القومي ستتلاشى في مصالح أخرى قد لا تكون متوافقة مع مصالحنا الحيوية. إن الإديولوجيا وحدها لا تحدد سياسات الأمم... بل الذي يحددها بالفعل هو الوعي الذاتي للمصالح القومية، ومن ثم نشوء القوة الروحية والمادية لتحقيق تلك المصالح وحمايتها. وهنا مكمن التحدي الكبير الذي يواجهه مجتمعنا.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017