شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2006-04-01
 

آخر الانتصارات !...

حياة الحويك عطية

رواية القمع، نمط ادبي شاع كثيرا مع شيوع الانظمة الديكتاتورية، خاصة في اوروبا الشرقية واميركا الجنوبية، وبالرغم من ان مصدر القمع لم يكن واحدا، الا ان ما جمع هذه الاعمال الابداعية المناضلة لاجل حرية الانسان، كان تركيزها على معاناة المقموع.


غير ان الكاتب الالباني اسماعيل كاداري انتبه الى جانب اخر مهم في العملية، وهو التشوهات التي يخلقها القمع على القامع نفسه، بحيث يتحول الى انسان اخر يستحيل عليه العودة الى حالته الطبيعية، سواء في تكوينه الداخلي ام في علاقته مع المحيط الخارجي.


وعليه جاءت روايته الشهيرة قصر الاحلام ، عملا خاصا يعبر عبر سراديب كافكاوية الى سراديب التحولات - التشوهات المذكورة، من خلال شخصية شاب يعين في الصفحة الاولى موظفا صغيرا في قصر الاحلام، وينتهي مديرا له. اما مهمة هذا القصر فمصادرة احلام الناس، وتصنيفها واختيار ما توضع على اساسه خطط السلطنة. عملية تمر بمختلف المراحل، من الاكثر دموية الى الاكثر سياسية بكل ما فيهما من وحشية وخبث وتحايل او فساد.


واذا كان الكاتب يقصد بالسلطنة الامبراطورية العثمانية التي كانت تحتل البانيا، فانما ليسقط ذلك على الامبراطورية السوفييتية التي كان الكاتب يعارض هيمنتها على بلاده.


وعندما قمت بترجمة هذه الرواية الى العربية قبل ما يقرب من عشرين سنة، كان لي تحفظ على موقفه السياسي لكنني وجدت نفسي مشدودة اليها بفعل هذا التناول الخاص لسيكولوجية القمع.


لكن ما لم يخطر ببالي يومها انني سأجدها يوما خير اسقاط يحلل به موضوع الاحتلال الاميركي للعراق.


اذ ان ما ينطبق على الافراد غالبا ما ينطبق على الامبراطوريات، فليس الفرد القامع للفرد الا امبراطورية تقمع دولا اقل قوة.

وليست عملية القمع في الحالين الا اشبه بالهر الذي يلحس المبرد، ففي الوقت الذي يذلّ فيها القامع المقموع ويدمره وينهب حقوقه وثرواته، نراه هو يصاب بدوره بنزف مستمر في انسانيته وقواه لا يلبث وان ينتهي به الى الدمار والتفكك.

بل وربما كان قمع الامبراطوريات للشعوب اكثر كلفة وتكبيدا للخسارة لان المقاومة هي القدر التاريخي للعدوان، والمعادل الموضوعي للاحتلال.


هذا المعادلة الواقعية، هي ما يغيب احيانا عن بال الذين يرصدون الاحتلال والمقاومة، خاصة في مراحلهما الاولى، بحيث يتم تركيز الحديث على جرائم الاحتلال وفظائعه وتنكيله بالناس وتدميره للبلاد، دون ان يحصل التركيز المقابل على ما مني به الاحتلال نفسه من دمار وضعف، وعلى ما تزرعه كلفة احتلاله من بذور النهاية.


واذ نقول الكلفة فلا يقصد بها الكلفة المادية فحسب - على اهميتها- وانما ايضا الكلفة الاخلاقية والسياسية، التي تقع في اساس انهيار الامبراطوريات.


لقد دمر الاحتلال الاميركي العراق، ولكن اميركا المعنوية تدمر بدورها يوميا على ارض العراق، وليس هذا من باب الكلام العاطفي الشعري، وانما هو مسألة مدعمة بوثائق الارقام والوقائع و تقع في صميم فلسفة التاريخ. مسألة تنبه اليها المفكر الكبير نعوم شومسكي عندما طرح سؤاله الشهير، حول بلاده : هل حل خوف النهاية مكان قلق البداية ؟ لقد كانت قرطاج اهم انتصار في تاريخ روما لكنها كانت الانتصار الاخير.



 

جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه