إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

"المفاجأة" المتوقعة في الانتخابات التركية!

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2015-11-05

الارشيف

وحدهم بعض أغبياء الإعلام الناطق باللغة العربية "فوجئوا" بفوز حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة رجب طيب أردوغان في الانتخابات العامة التي جرت مطلع الشهر الحالي. ذلك أنهم كانوا ينظرون إلى الأمور بعين التمنيات بدلاً من إعمال المنطق التحليلي والغوص خلف مظاهر الأحداث المخادعة. وهم ناموا قريري العين ظناً منهم أن نتائج انتخابات حزيران الماضي (التي أفقدت أردوغان الأغلبية المطلقة في البرلمان) ستتكرر مرة أخرى!

لقد "فاجأتهم" النتائج لأنهم كانوا نياماً... ولأنهم ركزوا على مختلف جوانب المعركة السياسية في تركيا باستثناء الجانب الأكثر أهمية وهو أن حزب العدالة والتنمية هو فصيل أساسي من "جماعة الإخوان المسلمين"، أي أنه من تنظيمات الإسلام السياسي التي تتعامل مع الآليات الديموقراطية بأساليب تختلف تماماً عما هو متعارف عليه عالمياً.

سبق أن ذكرنا في مقال سابق أن تنظيمات الإسلام السياسي (مهما اختلفت إيديولوجياتها وتسمياتها) لا تؤمن بالعملية الديموقراطية إلا إذا: أولاً، أوصلتهم إلى سدة الحكم. وثانياً، أبقتهم في سدة الحكم مهما كان الثمن. أي أن الانتخابات بالنسبة إليهم هي بطاقة سفر في اتجاه واحد للسيطرة الدائمة على زمام السلطة. وفي سبيل ذلك، تحلل كل المحرمات السياسية والقانونية!

أردوغان فاز على مدى أكثر من عشر سنوات بالانتخابات العامة في دوراتها المختلفة. وطيلة تلك المدة كان يعمل على الساحة الداخلية بهدوء ودهاء لضرب مراكز القوى التي يمكن أن تشكل تحدياً لمطامحه ومطامح حزبه الإسلامي. ففتك بقيادات الجيش، وبالقضاء، وبالإعلام، وبالإسلاميين الذين ينافسونه (جماعة فتح الله غولين). وفي موازاة ذلك تحرّك خارجياً لتحسين علاقات بلاده مع كل الدول المجاورة... ثم لعب الورقة الفلسطينية الأكثر تأثيراً في العالمين العربي والإسلامي.

غير أن السنوات الأربع الماضية، وهي من عمر ما يُسمى "الربيع العربي"، أظهرت عُري "الأمبراطور" أمام أعين العالم الفاحصة. فجاءت نتائج انتخابات حزيران الماضي لتصدم طموحات أردوغان الرئاسية من جهة، ولتهدد من جهة أخرى دوام سيطرة الإسلام السياسي في تركيا. وقد أظهرت تلك الانتخابات أن غالبية الشعب التركي سحبت ثقتها من سياسات أردوغان وحزبه. لكن منطق الإسلام السياسي لا يقبل تداول السلطة بموجب العملية الديموقراطية... فكان من الضروري الإنتقال إلى الخطة الثانية الرامية إلى تغيير تلك النتائج بكل الأساليب الممكنة.

فما الذي حصل بين 7 حزيران (خسارة أردوغان وحزبه) وبين 1 تشرين الثاني (فوز أردوغان وحزبه)؟

لن نطيل الحديث هنا عن المناورات السياسية التي لعبها أردوغان لتأخير تشكيل الحكومة، ولرفضه تكليف ثاني أكبر حزب بتشكيلها بعد فشل حزب العدالة والتنمية (وهذا تصرف مخالف للدستور أساساً)، ولمماطلته المقصودة بحيث تنتهي المدة الدستورية... فيدعو إلى انتخابات جديدة! كل ذلك يمكن هضمه في إطار اللعبة السياسية البرلمانية التي أوصلها أردوغان إلى مداها الأقصى.

لكننا سنتحدث عن خطوات أردوغان الأخرى التي زرعت في نفوس الناخبين الأتراك مشاعر الخوف من الفوضى، كي يكون البديل بالتالي حزب العدالة والتنمية كضمانة للإستقرار على غرار السنوات العشر الأولى من حكم الإسلام السياسي. كان على أردوغان تحقيق مسألتين: الأولى، إستعادة أصوات القوميين الأتراك الذين خسرهم بعد إطلاق الحوار السياسي مع الجماعات الكردية. والثانية، ضرب الصوت اليساري الليبرالي الذي صبّ بقوة لصالح حزب الشعوب الديموقراطية المؤيد للأكراد. وهكذا وُضعت الخطة الجهنمية على سكة التطبيق.

فجأة نفذت "داعش" عمليتين إرهابيتين فظيعتين استهدفتا تجمعات المعارضة. فاتخذت السلطات إجراءات قمعية لـ "ضبط الأمن"، كانت في معظمها ضد أحزاب المعارضة (علماً بأن إرهابيي "داعش" لم يستهدفوا قط مصالح قريبة من حزب العدالة والتنمية). وترافق ذلك مع حملة اعتقالات في صفوف الإعلاميين، وقرارت قضائية بإغلاق مؤسسات إعلامية لا تسير في فلك أردوغان وحزبه. ثم صعّدت المؤسسة العسكرية عملياتها الجوية ضد حزب العمال الكردستاني في سورية والعراق وتركيا... ما أوجد مناخاً من القمع والقهر والخوف استثمره أردوغان بذكاء في معركته الانتخابية.

وكذلك سقطت أوروبا في الفخ التركي عندما إضطرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى زيارة أنقرة للبحث في حلول لأزمة اللاجئين التي سببتها وشجعتها تركيا بالذات، فكان ذلك بمثابة تعزيز لصورة أردوغان بوصفه "قائداً" على مستوى دولي يمكنه أن يدافع عن المصالح التركية الحيوية، وفي طليعتها الطموح المستحيل بعضوية الاتحاد الأوروبي.

في ظل هذه الأجواء، فاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بأغلبية نيابية تؤهله لتشكيل حكومة الحزب الواحد. ولم ينتظر أردوغان تأليف الحكومة، بل بادر على الفور لمتابعة تنفيذ الخطة البديلة حتى لا تتكرر في المستقبل تجربة "فشل حزيران". ففي يوم واحد: شنت الطائرات الحربية غارات عنيفة على الأكراد، بينما كانت قوات الأمن تعتقل العشرات من أنصار فتح الله غولين، في حين وُجهت إلى عدد من الصحافيين تهمة الإعداد لإنقلاب فتم اعتقالهم وإغلاق مطبوعتهم المعارضة. وللعلم فقط، فإن تلك المطبوعة خرجت في اليوم التالي للانتخابات بعنوان معبّر يقول: "فوز أردوغان يُدخل تركيا في حرب أهلية"!

يجب أن نتوقع الكثير في تركيا خلال المرحلة المقبلة. ذلك أن أردوغان مصمم على تطبيق النظام الرئاسي الذي سيجعله سلطاناً غير متوج لكل جماعات الإسلام السياسي في المنطقة (لم يكن مستغرباً أن تكون "حماس" من أول المهنئين)! نحن هنا أمام منطق الغلبة وليس التداول. فمنذ أن شهر المهاجرون سيوفهم بوجه الأنصار في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة النبي محمد، والإسلام السياسي لا تقوم له قائمة إلا بالغلبة.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017