إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

من أفغانستان إلى سوريا: خطة إستراتيجية متكاملة!

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2015-12-31

الارشيف

ربما يتبادر إلى ذهن بعض القراء سؤال ذو نكهة ساخرة: ما جدوى الكلام الآن عن أفغانستان بينما بلادنا من شط العرب إلى شرقي المتوسط تعيش دوامة من العنف المجنون لا يلوح في أفقها المنظور أي بصيص أمل في حل قريب؟

وأعترف شخصياً بأن هذا السؤال ظل يلح عليّ بحيث دفعني إلى تأجيل الكتابة مرات عدة. غير أن تسارع الأحداث في أفغانستان، وشعوري بوجود عناصر تقارب وتماثل بين ما يمكن أن يكون عليه المستقبل سواء في سوريا أو في أفغانستان، وترابط تطورات الأحداث في البلدين بمجريات الخطط الإستراتيجية العالمية... كل ذلك سهّل أمامي مشروع الكتابة، من دون تناسي الأسئلة المشروعة لدى قارئ هذه الكلمات!

فلنلقِ بادئ ذي بدء نظرة على توزع القوى الأساسية في أفغانستان. هناك أولاً الدولة بكامل أجهزتها، ثم القوات الأميركية والأطلسية التي تدعم الدولة، ثم حركة طالبان القادرة حتى الآن على تشكيل خطر وجودي على الدولة الأفغانية وداعميها الأطلسيين. وما كادت القوات الأفغانية والأطلسية تقضي على فلول "القاعدة" في البلاد، حتى ظهرت على مسرح الأحداث جماعات تعلن مبايعتها لـ "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش) ولتشكل التحدي الجديد لكل من الدولة الأفغانية والأطلسيين وطالبان معاً.

الدولة الأفغانية وحماتها الأطلسيون أدركوا منذ مدة أنه لا استقرار في البلاد إلا بالتفاهم مع قادة طالبان، خصوصاً بعد أن فكت هذه الجماعة شراكتها مع "القاعدة". ولذلك استضافت قطر وباكستان جولات عدة من المباحثات، بعضها علني ومعظمها سري، لم تتوصل حتى الآن إلى نتائج محددة. لكن هذا لا يعني فشلها، فالمباحثات السرية في العادة تقدم إنجازاتها دفعة واحدة. ولعل نموذج المباحثات السرية بين إيران والولايات المتحدة الأميركية في مسقط خير مثال على النتائج الإيجابية المعلنة لاحقاً.

وقبل إكمال الكلام عمّا أتوقعه في أفغانستان، أجد من المناسب إعادة التذكير بواقعها الجغرافي. لأفغانستان حدود مع: باكستان وإيران وتركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان والصين. كما أن الهند معنية بالمناطق الحدودية نظراً إلى سلسلة المشاكل بين كل من الصين وباكستان والهند في المرتفعات التي تشكل امتداداً لمقاطعة كشمير المتنازع عليها. أما روسيا، فحدودها الفعلية هي الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى التي تعتبر جزءاً من المجال الروسي الحيوي. ويجب أن يظل ماثلاً في أذهاننا التوزع العرقي والمذهبي الفسيفسائي العابر للحدود في أفغانستان والدول المجاورة لها.

فلنرجع إلى الواقع الأفغاني اليوم. خلال الأشهر القليلة الماضية، تمكنت قوات طالبان من السيطرة على عدد من المدن في الشمال والجنوب ولو بصورة مؤقتة. وتبين أن القوات الحكومية، بمفردها، عاجزة عن التصدي لمقاتلي طالبان وهزيمتهم من دون تدخل أطلسي مباشر. في هذا الوقت، كان "تنظيم الدولة الإسلامية" يعزز قواعده في مناطق عدة متحالفاً مع بعض أمراء الحرب القبليين، وذلك على حساب الدولة وطالبان. هذا الأمر تطلب إعادة نظر أطلسية سريعة في مجمل الأمور، وليس فقط في المعارك الدائرة هنا أو هناك. ونحن بدورنا سنتجاوز الظواهر في محاولة لرصد الأهداف الإستراتيجية البعيدة المدى.

تعتبر أفغانستان، بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأطلسيين، ذات أهمية إستراتيجية تفوق أهمية شرقي حوض البحر الأبيض المتوسط. فهي على تماس مع ثلاث دول تحتل مرتبة متقدمة في الخطط الأميركية ــ الأطلسية للقرن الحادي والعشرين، أي: الصين وروسيا وإيران. وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك أن اهتماماتها الإستراتيجية تحولت من أوروبا والشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا حيث الصين هي الهدف الأساسي. وفي الوقت نفسه، تتواصل عملية تطويق روسيا من الناحية الأوروبية من البلطيق في الشمال باتجاه جورجيا وتركيا في الجنوب... تمهيداً لاستهداف خاصرتها الرخوة في دول آسيا الوسطى (الإسلامية) ذات الحدود المشتركة مع أفغانستان!

وتدرك الولايات المتحدة وحلفاؤها الأطلسيون أن الإسلام السياسي، سواء كان ممثلاً بحركة طالبان أو بتنظيم الدولة الإسلامية أو بأية جماعات إسلامية أخرى، هو الأداة الجاهزة والمفضلة لإزعاج الصين وروسيا وإيران. فالصين تواجه نوعاً من التمرد في مناطقها الشمالية الغربية المجاورة لأفغانستان (يطلق عليها الإنفصاليون اسم تركمانستان الشرقية) حيث يقطن الإيغور المسلمون الذين يتلقون الدعم من الحكومة التركية (انتقل إلى سوريا الألاف منهم بتسهيل وتمويل من أنقرة). أما روسيا، فلديها ما يكفي من التحديات في الشيشان وداغستان وأنغويشتا. وهي استبقت المخاطر المتوقعة بالإعلان عن سلسلة من الإجراءات الأمنية المشتركة مع عدد من جمهوريات آسيا الوسطى التي يمكن أن تستخدم ممراً أو مستقراً للجماعات الإسلامية التكفيرية. وفي حالة إيران، فإن الصراع السني ــ الشيعي المتأجج حالياً سيتخذ أبعاداً أشد خطورة تماماً كما حدث في ظل سيطرة طالبان على الحكم قبل الغزو الأميركي.

إن الأحداث التاريخية والمعاصرة تؤكد لنا أن الغرب الأميركي ــ الأطلسي ــ الأوروبي لم يتردد قط (ولن يتردد) في توظيف أي طرف، مهما كانت طبيعته الإيديولوجية، إذا ما وجد فيه أداة مفيدة في السياق الإستراتيجي الأوسع. وغالبية جماعات الإسلام السياسي كانت مستعدة دائماً للعب هذا الدور إما عن قناعة وإما لاعتبارات إنتهازية. وهذا الغرب مقتنع الآن بأن الحل الأمثل للمشكلة الأفغانية يكمن في ضم طالبان إلى العملية السياسية وفق شروط معينة، على أن تبقى السياسة الخارجية والأمنية خاضعة للمصلحة الغربية الإستراتيجية... وهذا ما أدركته موسكو، فسارعت إلى اتخاذ الخطوات التالية: إنشاء منظومة أمنية مع جمهوريات آسيا الوسطى، وإبداء الاستعداد لتزويد الحكومة الأفغانية بالمعدات العسكرية المتطورة، وفتح قنوات حوار مع طالبان.

ما أقدمت عليه موسكو في ما يتعلق بأفغانستان يمكن أن نعتبره مجرد إجراءات وقائية إستباقية. لكن ما تقوم به في سوريا (بما في ذلك التصعيد السياسي والاقتصادي ضد تركيا) يشكل الهجوم الذي هو أفضل أنواع الدفاع، وتشاركها فيه كل من إيران والصين بطرق وأساليب مختلفة. فهذه الدول، كل واحدة منها لاعتبارات خاصة بها، ترى أن الحرب في سوريا خرجت عن نطاق "الإصلاح السياسي" و"المطالب الشعبية المحقة" وغيرها من الشعارات ودخلت في حيز الخطة الإستراتيجية الأوسع التي تستهدف المصالح القومية لتلك الدول. فالقناعة المبدأية عند القادة الروس والصينيين والإيرانيين أن تركيا لن تتراجع عن دعم الجماعات المسلحة في سوريا، وأن ألغرب الأميركي ــ الأطلسي ــ الأوروبي لن يضغط على أنقرة بل سيحاول تلميع صورة الجماعات الإسلامية المتطرفة لجعلها شريكاً في مستقبل سوريا! وهذا ما يضع على عاتق موسكو وطهران وبكين مهمة التعامل الحاسم والحازم مع المحرك الرئيسي للجماعات المسلحة في سوريا... وانطلاقاً من ذلك ستجد تركيا نفسها في عين العاصفة على الرغم من سياسة الهرب إلى الأمام التي يتقنها رجب طيب أردوغان و"حزب العدالة والتنمية" الإخواني.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017