إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

... وماذا بعد "جنيف 3"؟

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-02-05

الارشيف

من السخيف المفجع أن لا تتلاقى الوفود "السورية" الثلاثة في مؤتمر "جنيف 3" إلا عبر الوسيط الأممي ستيفان دي مستورا؟ ومن المعيب المفجع أيضاً أن لا يجد أعضاء الوفود غضاضة في اللقاء وجهاً لوجه مع من هبّ ودبّ من الأطراف الإقليمية والدولية، ولكنهم يرفضون مجرد التواجد في قاعة واحدة مع أبناء وطنهم السوري!

كان "جنيف 3" قد انطلق بعد حفلة تصريحات عنترية تعكس جملة أوهام لا يسندها على أرض الواقع أية حقائق مضمونة. ثم تم تعليق الاجتماعات لمدة ثلاثة أسابيع، وعاد دي مستورا إلى مجلس الأمن الدولي ليؤكد مسألتين أساسيتين: لن يحدث أي تغيير في توجيه الدعوات إلى المتفاوضين، ولن يكون هناك تعديل في آلية تناول جدول الأعمال المستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254. وفي زحمة المواقف المتناقضة، وتصريحات السقف العالي للمعارضة القادمة من الرياض ولحلفائها الإقليميين، شهد الميدان العسكري تعديلاً محورياً خصوصاً في أرياف حلب الشمالية والشرقية.

وإذا افترضنا أن مندوب الأمم المتحدة، بمساعدة روسيا والولايات المتحدة الأميركية بوصفهما راعيي قرار مجلس الأمن الدولي، نجح في إعادة الوفود الثلاثة إلى القاعات المنفصلة، فمن الطبيعي أن نطرح السؤال التالي: إلى أية نتيجة سيصل المتفاوضون بالوكالة خلال مهلة الستة أشهر التي حددها القرار الدولي كسقف للتفاوض قبل الانتقال إلى البند الآخر وهو تشكيل "حكومة شراكة وطنية"، وبعده بند صياغة دستور جديد... على يد الأطراف "السورية" نفسها التي ترفض حتى الآن الجلوس وجهاً لوجه في قاعة واحدة؟

من المؤكد أن الوسيط الدولي سيعاني الكثير في مهمته لتقريب وجهات النظر، قبل الانتقال للبحث في "حكومة الشراكة الوطنية" العتيدة. وما جرى قبل أيام في جنيف ليس إلا النموذج الأولي لما يمكن أن نتوقعه عندما تُستأنف المفاوضات (هذا إذا استؤنفت بالفعل!). غير أنه سيعتمد، لتجاوز المواقف السلبية المتوقعة، على تغطية دولية تتمثل بقرار مجلس الأمن الذي هو نتاج التوافق الروسي ــ الأميركي حول الإطار العام لحل "الأزمة السورية". وهذا التوافق الثنائي يعكس في الوقت نفسه إرادة عالمية، ليس لوقف نزيف الدم السوري فقط وإنما لاحتواء موجات الهجرة إلى أوروبا والتصدي لخلايا الإرهاب النائمة داخل المدن الأوروبية نفسها.

الأولوية الراهنة بالنسبة إلى روسيا والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي تكمن في التعامل مع الإرهاب واللاجئين، وهما مسألتان مترابطتان إلى حد بعيد كما تبيّن من خلال الاعتداءات الدموية في باريس قبل أسابيع. ربما يكون ترتيب الأولويات مختلفاً لدى هذا الطرف أو ذاك، وقد تكون هناك استهدافات استراتيجية أخرى للقوى العالمية والإقليمية، لكن المرحلة تستدعي خطوات عملية لوقف مد اللاجئين نحو أوروبا وفي الوقت نفسه اجتثاث جذور الإرهاب داخلياً وخارجياً.

إن تحقيق الهدفين الواردين أعلاه يتطلب ضبط الساحة السورية (بالتوازي مع الساحة العراقية) بأي شكل من الأشكال، وبمختلف الوسائل المتاحة. وفي هذا المجال بالذات نضع الحملة الجوية "الدولية" التي تقودها الولايات المتحدة لمحاربة "داعش" في العراق وسوريا، وكذلك الحملة الجوية الروسية لضرب قواعد الإرهاب ودعم الحكومة الشرعية في سوريا. وهما حملتان مستمرتان حتى في ظل الحراك الديبلوماسي الساعي إلى إيجاد حل سياسي للأزمة السورية. وما القرار رقم 2254، الذي ينعقد "جنيف 3" على أساسه، سوى التغطية القانونية الدولية لتينك الحملتين الجويتين.

مؤتمر "جنيف 3" يشكل المسار السياسي السوري الداخلي المفترض أن يسير بموازاة التوافق الروسي ــ الأميركي. غير أن دولاً إقليمية متورطة في الساحة السورية تعمل بقوة على وضع العصي في دواليب الحل السوري ــ السوري، والمماطلة قدر الإمكان، اعتقاداً منها بأن تمرير سنة الانتخابات الرئاسية الأميركية بأقل قدر من التنازلات يمكن أن يأتي برئيس أميركي جديد أكثر استعداداً للتدخل العسكري المباشر في سوريا بهدف كسر ميزان القوى الميداني الذي مال لصالح الجيش السوري النظامي خلال الأشهر القليلة الماضية.

ولنعد الآن إلى الوفود "السورية" الثلاثة التي كانت في جنيف والتي يمكن أن تعود إليها لاحقاً، وبالتحديد الذين يقولون إنهم يمثلون مختلف أطياف المعارضة. إن المناكفات والمماحكات والبهورات التي سبقت بدء المفاوضات، ثم رافقت أيامها الأولى وأدت بالتالي إلى تعليقها، لا تقدم نموذجاً يقنع العالم بأنهم يحملون مشروعاً سياسياً سورياً قادراً على اجتراح المعجزة وانتشال الشعب السوري من الجحيم الذي يغرق فيه. كما أصبح واضحاً للقاصي والداني أن القرار السوري لم يعد قراراً سورياً مستقلاً، بل هو رهينة القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح المتناقضة إجمالاً مع المصالح السورية القومية العليا.

نحن نعتقد بأن القوى العالمية، وبالتحديد روسيا والولايات المتحدة، لا يمكن أن تنتظر إلى ما لا نهاية حتى يتوافق المفاوضون السوريون على آلية ناجعة للانخراط الجاد والصادق في حل سوري ــ سوري يحمي وحدة المجتمع وبنية الدولة. إن متابعة ومراقبة ودراسة بعض التحركات الإقليمية والعالمية تؤكد وجود مخططات أخرى بديلة وجاهزة للتنفيذ في حال اعتراف مندوب الأمم المتحدة بفشل "جنيف 3". إن تصريح جو بايدن نائب الرئيس الأميركي في تركيا من أن بلاده مستعدة للحل العسكري إذا ما فشل الحل السياسي، وكذلك إتهام موسكو لأنقرة بأنها تجهز لغزو الأراضي السورية، وما كررته الرياض مجدداً عن استعدادها للمشاركة في عمل عسكري بري في سوريا... كل ذلك هو رأس جبل الجليد العالمي الذي يقترب شيئاً فشيئاً من القناعة بأن الأطراف السورية أعجز من أن تحل أزماتها الداخلية بنفسها، وبأن التدخل العسكري الخارجي أصبح الوسيلة الوحيدة الناجعة لوقف شلال الدم، وبالتالي استيعاب حركة اللجوء وظاهرة الإرهاب!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017