إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الحرب على سوريا هل تنتهي بتفكيك تركيا؟

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-02-25

الارشيف

في 29 كانون الثاني سنة 2009، ذات أمسية هادئة من ليالي مدينة دافوس السويسرية الباردة التي تحتضن سنوياً المنتدى الاقتصادي العالمي، انتفض رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أثناء ندوة جمعته مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز وخرج غاضباً من القاعة بعد أن شن هجوماً عنيفاً على الجرائم الإسرائيلية التي يرتكبها جيش الاحتلال الصهيوني ضد قطاع غزة، وكذلك احتجاجاً على انحياز منظمي الندوة للجانب الإسرائيلي. وقد أعلن يومها أنه لن يعود قط إلى دافوس!

هبّة أردوغان الدراماتيكية، وانسحابه المسرحي، وتصريحاته النارية... حوّلته بين ليلة وضحاها إلى بطل فولكلوري في عالم عربي وإسلامي متعطش لمواقف تعيد التوازن إلى خلل قومي وسياسي شامل في المنطقة. فاستقبلته في مطار إسطنبول عند عودته من دافوس تظاهرة ضخمة حمل منظموها شعارات تقول: "مرحباً بعودة المنتصر من دافوس"، و"أهلاً وسهلاً بزعيم العالم". كما أصدرت حركة "حماس" الفلسطينية بياناً جاء فيه "على الحكام العرب أن يقتدوا به". (أي بأردوغان)

وساهمت المجزرة التي ارتكبتها قوات البحرية الصهيونية في أيار سنة 2010 بحق الناشطين الأتراك الساعين إلى فك الحصار الخانق عن غزة في تعزيز صورة أردوغان على الصعيدين العربي والإسلامي. وكان قد سبق ذلك، في آذار من العام نفسه، حصول أردوغان على "جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام". أعقبتها في تشرين الثاني "جائزة القذافي لحقوق الإنسان". لكن أخطر وأسخف مظاهر التكريم تكشفت في زيارته إلى لبنان في 25 تشرين الثاني سنة 2010 حيث رافقه سعد الحريري رئيس الوزراء آنذاك إلى عكار لتفقد بعض القرى التي تقطنها "جاليات تركية" هي من البقايا المتحجرة للزمن العثماني المنقرض!

صورة أردوغان "الناصعة" عربياً وإسلامياً كانت نتاج مرحلة سياسية مهمة قطعها "حزب العدالة والتنمية" (جناح الإخوان المسلمين الذي كان قد تأسس سنة 2001 في تركيا) منذ أن فاز في الانتخابات العامة سنة 2002. يومها تولى عبدالله غل القيادة لأن حكماً سابقاً بالسجن على أردوغان عندما كان رئيساً لبلدية إسطنبول بين 1994 و1998، كان يمنعه من تولي منصب رئيس الوزراء. لكن غل أزال تلك العقبة القانونية، مفسحاً المجال أمام أردوغان لاحتلال المنصب الأول في البلاد ابتداء من آذار سنة 2003. ويجب الاعتراف هنا أنه حقق بالفعل إنجازات مهمة على الصعيدين الداخلي والخارجي.

ويهمنا أساساً الإشارة إلى أبرز ما قام به أردوغان على المستوى الخارجي. فقد أقدم على خطوات تصالحية مع الأرمن، وعمل على تحسين العلاقات مع اليونان، وفتح أقنية تواصل مع أذربيجان والجمهوريات السوفياتية السابقة، وخفف من الضغوط الداخلية على الأكراد، وزار كلاً من سوريا والعراق وإيران والسعودية ومصر ولبنان من ضمن مساعيه الحثيثة لتحقيق "فلسفة" أحمد داوود أوغلو وزير خارجيته والمنظر الأهم لسياسة "حزب العدالة والتنمية" الخارجية القائمة على مبدأ "صفر مشكلات" مع المحيطين العربي والإسلامي. وحدث كل ذلك بموازاة جمود مقصود من قبل أوروبا في ما يتعلق بملف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.

فما أفظع التناقض الآن بين "صورة" رئيس الوزراء أردوغان سنة 2010 و"صورة" رئيس الجمهورية أردوغان مطلع 2016!

سنوات "الربيع العربي" التي حاولت تركيا أن توظفها لتعزيز دورها في العالم العربي أطاحت كلياً بسياسة "صفر مشكلات". وهكذا وجدت أنقرة نفسها معزولة عالمياً وأوروبياً وإقليمياً، ليس لها من حلفاء فعليين في العالمين العربي والإسلامي سوى دولة أو اثنتين غير مؤثرتين في تعديل موازين القوى المستجدة بعد الدخول العسكري الروسي المباشر على خط الأزمة السورية. وقد تبيّن أن استخدام الأدوات المحلية لتأجيج الصراع داخل سوريا والعراق هو سلاح ذو حدّين، سرعان ما وجد أرضية خصبة تتمثل في تناقضات الفسيفساء العرقية والمذهبية المختلفة داخل المجتمع التركي نفسه.

الأزمات التي رعتها تركيا على مستوى العالم العربي، إنطلاقاً من خلفية الإسلام السياسي ممثلاً بجماعة الإخوان المسلمين، لم تبقَ سجينة الحدود الجغرافية لهذه الدولة أو تلك. ذلك أن خطوط "سايكس ــ بيكو" المستمرة منذ قرن راحت تتهاوى الواحد بعد الآخر. وكان من الطبيعي أن تطال شرارات التهاوي تركيا نفسها بوصفها نتاجاً من نتائج ذلك الاتفاق البريطاني ــ الفرنسي، خصوصاً في مناطق كيليكيا والإسكندرون وأنطاكيا وديار بكر. وهكذا فوجئت القيادة التركية بأن النيران العاصفة في العراق وسوريا (التي نفخت في أوارها سياسات أردوغان) راحت تهب بقوة على التركيبة السكانية في المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية من تركيا المعاصرة.

فكيف سيواجه "حزب العدالة والتنمية" الآن الواقع التركي المأزوم؟ وماذا سيحصل لتركيا بعد أن دخلت النفق الأمني المظلم، وباتت هي نفسها ساحة مفتوحة للعب بعد أن كانت على مدى عشر سنوات لاعباً مؤثراً في ساحات الآخرين، من مصر إلى ليبيا ومن فلسطين إلى العراق؟

عندما يطرح أردوغان شكواه الطفولية على الولايات المتحدة الأميركية: "هل أنتم معنا أم مع الأكراد؟" وعندما لا يستثني أحداً، لا روسيا ولا أميركا ولا أوروبا، من هجماته السياسية العنيفة... يكون قد أعلن إفلاس سياسة "صفر مشكلات"، ليس مع دول الجوار فحسب وإنما أيضاً مع المكونات الاجتماعية في الداخل التركي. فهو في حالة حرب مع الأكراد، وسياساته الطائفية تثير مخاوف الجماعات الدينية والمذهبية الأخرى، ونزعاته الديكتاتورية المتمثلة في مساعيه لإقرار دستور جديد يعطيه صلاحيات رئاسية واسعة تقلق الأطراف السياسية المختلفة، وإقدامه على "تطهير" الجيش من القيادات التاريخية إستعدى عليه القوى التي لا تزال ترى في المؤسسة العسكرية ضمانة للنهج الأتاتوركي التاريخي، وتوجهاته الإسلامية الضيقة لا تلقى قبولاً لدى دول أوروبا العلمانية... وأخيراً هناك روسيا الصاعدة التي لم تكن تنظر تاريخياً إلى تركيا بعين الارتياح كونها الحد الشرقي للحلف الأطلسي، فكيف اليوم وهما تتواجهان بالحديد والنار عبر الحدود السورية!!

نحن نعتقد بأن تركيا الأردوغانية وصلت إلى مفترق طرق مصيري، إذ أنها أصبحت عرضة لنفس العوامل السياسية والديموغرافية التي فجّرت العراق وسوريا. صحيح أن عضويتها في الحلف الأطلسي تعطيها نوعاً من الحصانة الدولية... غير أن ذلك لا يمنع عنها مخاطر الصراع الداخلي المتأجج حالياً مع الأكراد، والمتحفز مع الجماعات الدينية والمذهبية، والكامن تحت الرماد مع الأحزاب السياسية المتنوعة. يكفي أن تتوافر إرادة جادة ذات أبعاد إستراتيجية إقليمياً ودولياً مستعدة لتقليم أظافر أنقرة، حتى يتجرع أردوغان كأس التفتيت نفسها التي أراد لسوريا أن تتجرعها.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017