إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

"الفيدرالية" في سوريا؟

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-03-14

الارشيف

طـُرحت تساؤلات عدة وأطلقت عبارات استهجان واستنكار كثيرة عندما طلع علينا أحد المسؤولين الروس بتصريح يتضمن احتمال التوصل إلى صيغة "فيدرالية" لحل الأزمة السورية. الذين يميلون إلى سياسة موسكو الشرق أوسطية، وقد فاجأهم ذلك الموقف، حاولوا العثور على تفسيرات من خلال القول إن هناك التباساً بالترجمة أو إن المسؤول وقع في زلة لسان لا تعبر عن السياسة الروسية الرسمية. لكن تطورات الأحداث خلال الأيام القليلة التي أعقبت تلك التصريحات باتت تستدعي نظرة تحليلية مختلفة لما يتم التخطيط له في منطقة الهلال السوري الخصيب.

علينا أن نستعيد أولاً التصريح الروسي الذي وصفه بعض المراقبين بأنه كان عبارة عن "بالون اختبار". قال سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي رداً على سؤال لأحد الصحافيين: "إن موسكو تأمل بأن يتوصل المشاركون في المفاوضات السورية إلى فكرة إنشاء جمهورية فيدرالية. وعلى السوريين أن يضعوا معايير محددة للهيكلية السياسية في المستقبل، تعتمد على الحفاظ على وحدة أراضي البلاد، بما في ذلك إمكانية إنشاء جمهورية فيدرالية". هذه هي العبارات كما نقلتها وكالات الأنباء الموثوقة بتاريخ 29 شباط الماضي.

بعد ثلاثة أيام، وبالتحديد في الثالث من آذار، سعت ماريا زاخاروفا الناطقة باسم الخارجية الروسية إلى تهدئة النفوس التي أقلقتها كلمة "الفيدرالية" بما تنطوي عليه من معاني التقسيم السياسي أو الاجتماعي، فقالت: "إن الشكل المستقبلي للدولة السورية هو من القضايا المطروحة على جدول أعمال الحوار السوري ــ السوري، ويجب إجراء مناقشات واتخاذ قرار بالإجماع بهذا الشأن"... ومن الواضح هنا أن الناطقة الروسية لم تنف كلياً مشروع "الفيدرالية"، بل اكتفت بجعله جزءاً من حوارات السوريين في جنيف... وفي غير جنيف!

إن طرح فكرة "الفيدرالية" ليس جديداً على الساحة السورية. فإذا عدنا مائة سنة إلى الوراء، نجد أن المحتلين الفرنسيين روّجوا لها كثيراً في سوريا ولبنان بعد الحرب العالمية الأولى، وحاولوا تطبيقها على أرض الواقع. غير أن تركيزنا الآن ينصب على الحاضر والمستقبل. ففي خضم الحرب الأهلية السورية ظلت تطفو على سطح المواقف السياسية مشروعات تقسيمية ذات مواصفات مختلفة. حتى إن الرئيس السوري بشار الأسد نفسه إضطر إلى تناول الموضوع في حديث تلفزيوني في أيلول الماضي، فقال رداً على سؤال مباشر عن "الفيدرالية": "إن أي تغيير يجب أن يكون عبر الحوار بين السوريين وإجراء استفتاء لإدخال التغييرات الضرورية على الدستور. من جانبنا، عندما يكون الشعب السوري مستعداً للتحرك في اتجاه معين، فإن الحكومة توافق بالطبع على هذا الأمر". وهذا جواب ديبلوماسي لا يرفض فكرة "الفيدرالية" من حيث المبدأ.

غير أن تصريح الرئيس السوري يختلف عن تصريح نائب وزير الخارجية الروسي الوارد أعلاه، لجهة أن الثاني يأتي في سياق العملية العسكرية والسياسية التي أطلقتها موسكو في سوريا ابتداء من أيلول الماضي. فقد كان واضحاً منذ البداية أن الحملة الجوية الروسية لا بد وأن تؤدي إلى فتح أبواب الحوار السياسي وفق نظرية "إحمل عصا غليظة وتكلم كلاماً ناعماً". فكانت اجتماعات جنيف وفيينا التي أسفرت، ولو بعد خلافات وانسحابات ومقاطعات، عن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 الذي بات يشكل خارطة طريق للحل السياسي في سوريا تحت رعاية كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية. وقد عُهد إلى ستيفان دي مستورا المندوب الأممي أن يسعى للتوفيق بين مطالب الأطراف السورية المتناحرة... ومن خلفها طبعاً بعض الدول الإقليمية.

ومن هنا أهمية تصريح دي مستورا في لقاء تلفزيوني أجراه عشية انطلاق جولة المباحثات الجديدة في جنيف. فقد قال رداً على سؤال حول "الفيدرالية": "السوريون كلهم رفضوا التقسيم، والفيدرالية يمكن أن تناقش على طاولة المفاوضات". وهكذا لم تعد هذه الفكرة مجرد زلة لسان أو بالون اختبار، بل باتت جزءاً من الحراك السياسي الدولي الذي يريد إيجاد حل عاجل للأزمة السورية التي أدخلت المنطقة برمتها في نفق مظلم. ولا يغيّر شيئاً في هذا الواقع ما أعلنته الخارجية الروسية من أن "وحدة أراضي سوريا مسألة أساسية" بالنسبة إلى موسكو. إذ يمكن أن تحافظ الدولة السورية على "وحدة أراضيها" في ظل نظام لامركزي أو فيدرالي. فالمسألة ليست في "وحدة الأراضي" بالمعنى الجغرافي بل في "وحدة المجتمع" بالمعنى القومي!

إذا كان حديث "الفيدرالية" قد أيقظ في العقل السياسي الغربي ذاكرة المشاريع المشابهة لاتفاق "سايكس ــ بيكو" السئ الذكر كأساس لحل أزمات المنطقة، فإنه أيقظ في الوقت نفسه هواجس القلق على الذات لدى عدد من الدول الإقليمية المعنية بالأزمة السورية. وبعض هذه الدول كان يظن، حتى الآن على الأقل، بأنه سيبقى بمنأى عن تداعيات التناحرات الاجتماعية ومخاطر تفكك الدولة على غرار ما حدث في سوريا والعراق ولبنان وغيرها. يضاف إلى ذلك أن المشاريع التقسيمية في سوريا، مهما كان نوعها ومن أية جهة جاءت، هي نقيض ما عملت لأجله القوى القومية والوطنية والعلمانية في سوريا والعالم العربي على مدى القرن الماضي. ما يعني أن "نضالات" العقود الماضية لم تفشل فحسب، وإنما أودت بالمجتمع السوري إلى هوة لا قرار لها من التناحر الديني والمذهبي والعرقي.

وسرعان ما أدركت تركيا وإيران طبيعة المخاطر الكامنة في مشاريع "الفيدرالية" في حال تطبيقها في دولتي الجوار سوريا والعراق. وبعد أن كانت طهران تنتظر الزيارة المقررة لوزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو، إذ بها ترحب برئيس الوزراء أحمد داوو أوغلو على رأس وفد كبير، في زيارته الأولى إلى إيران منذ أكثر من سنتين. طبعاً تناولت المحادثات شؤوناً اقتصادية مهمة للجانبين، لكن الموقف الأبرز كان في توافقهما التام على رفض مشاريع "الفيدرالية"، وحرصهما على "وحدة الأراضي السورية ورفض مشاريع تقسيم البلاد إلى دويلات"، حسب تعبير داوود أوغلو الذي وافق عليه بحرارة الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني.

فماذا عن "الأطراف" السورية المعنية أكثر من أي طرف آخر بالمشاريع السياسية التي تـُعد لمستقبل سوريا، طالما أن الجميع يؤكد على أن السوريين هم أصحاب القرار في مستقبل بلادهم عندما يلتقون على طاولة الحوار في جنيف؟

يبدو لنا، حتى الآن، أن السوريين بصدد تكرار التجارب الفاشلة التي ارتكبها أجدادهم في مؤتمرات السلم واجتماعات رسم خرائط المنطقة وتقرير مصائر الشعوب بعد الحرب العالمية الأولى. يومها كانت الوفود السورية تتناحر في ما بينها حول صنف الملائكة، في حين عكف الأوروبيون المنتصرون (ثم "تركيا الفتاة" المنهزمة ــ المنتصرة)، على تنفيذ خططهم الاستعمارية على حساب المصالح القومية العامة للسوريين. واليوم، تأتي الوفود السورية (الموالاة والمعارضة) من كل حدب وصوب إلى جنيف، حاملة مشاريع إقليمية ودولية قد تكون متناقضة (بل هي متناقضة فعلاً) مع المشروع السوري الجامع... فلا تلتقي على طاولة واحدة بل تترك للمندوب الأممي مهمة السعي بين القاعات المنفصلة لعله يستطيع إيجاد أرضية مشتركة يقف عليها المتحاورون السوريون في هذه المرحلة المصيرية الفاصلة.

إن رمي فكرة "الفيدرالية" في بحيرة الدم السوري، والترويج لها كحلّ سحري لمأساة السوريين، يستدعيان من جميع القوى السورية الصادقة، في هذا المعسكر أو ذاك، العمل لإحداث تبديل عاجل وأساسي في أولويات الحوار السوري ــ السوري بحيث يتم انتزاع القرار من أيدي القوى الإقليمية والدولية. فالأولوية الراهنة ليست للمطالب الجزئية، على أهميتها، بل لصياغة دستور يضمن قيام دولة المواطنة على أساس وحدة الأرض ووحدة المجتمع ووحدة الإرادة الشعبية ووحدة المصالح القومية.

ما يظهر علناً حتى الآن، أن جميع الأطراف السورية ترفض مشاريع "الفيدرالية" ومخططاتها كائناً من يكون الداعي إليها والمروج لها. والخطوة الطبيعية التالية في هذه الحالة هي ترجمة الأقوال إلى أفعال تندرج في سياق خط سياسي قومي لا غموض فيه على الإطلاق!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017