إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

معركة قطف ثمار الحرب على سوريا

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-05-03

الارشيف

تحدثنا في مناسبة سابقة عن أن هناك ثلاث دوائر تتقاطع وتتصارع في الأزمة السورية الدموية، هي ــ حسب أهمية دورها وفاعليتها ــ العالمية والإقليمية والمحلية. وقلنا يومها إن الدائرة الثالثة (المحلية) ما عادت مؤثرة إلا من حيث كونها تقدم الوقود البشري لنيران معارك عبثية فشلت حتى الآن في تحقيق إنجازات ميدانية يمكن أن تستثمر سياسياً على طاولة مفاوضات الحل السياسي في جنيف.

إن فشل جولتين من التفاوض في جنيف، بغض النظر عن بعض التقدم الشكلي الذي أحرزه المندوب الأممي ستيفان دي مستورا، يؤشر إلى أن أقطاب الدائرة الثانية (الإقليمية) لم يقتنعوا بعد بأهمية الانخراط الجاد والصادق في الحل السياسي للأزمة السورية. هذا على الرغم من أن التفاهمات الروسية ــ الأميركية تلحظ بشكل فضفاض تنفيذ بنود "وقف الأعمال القتالية" من جهة واستمرار العملية التفاوضية من جهة أخرى. وتبدو مظاهر هذه الحالة واضحة بشكل جليّ في ما تتعرض له حلب حالياً من تدمير منهجي يطال كامل مناطقها، من دون أن يكون للعمليات الحربية هناك أي مردود ميداني كاسر للتوازن.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: لماذا تعمد الدول الإقليمية في هذا الوقت بالذات إلى التصعيد الميداني، مع أن القوتين العالميتين الراعيتين لمفاوضات جنيف (روسيا والولايات المتحدة) تعلنان المرة تلو الأخرى أنهما "تضغطان" على الأطراف التي تمونان عليها كي تلتزم بـ "وقف الأعمال القتالية" والعودة إلى جنيف بنوايا صافية ورغبات صادقة بتحقيق إنجازات محددة؟ ويتفرع من ذلك سؤال آخر: لماذا تصمد الهدنات المؤقتة في عدد من المناطق، بينما تتدهور في مناطق أخرى، مع أن الأطراف المتناحرة هي ذاتها في هذه المناطق أو تلك؟

نحن نعتقد بأن التصعيد الذي لجأت إليه القوى الإقليمية، بواسطة أتباعها من الأطراف السورية المحلية، مرتبط على ما يبدو بالمفاوضات غير المعلنة (سواء في جنيف أو خارجها) بين الأميركيين والروس، مع مشاركة أوروبية خجولة. ويهيأ إلينا أن تلك المفاوضات تتجاوز بكثير الأزمة السورية الراهنة وكيفية الخروج من مأزقها الكارثي. فالمسألة بالنسبة إلى واشنطن وموسكو أبعد من مفاوضات جنيف و"وقف الأعمال القتالية". بل هي أهم من طبيعة "المرحلة الانتقالية" في سوريا، والتي تعوّل عليها كثيراً الأطراف السورية المشاركة في مفاوضات جنيف!

ليس من السهولة بمكان إيقاف المعارك في سوريا لمجرد أن واشنطن وموسكو تريدان ذلك، كل منهما لاعتبارات خاصة بها. ولكن يصعب علينا الاقتناع بأنهما، معاً، عاجزتان عن فرض الأمر الواقع على الدائرة المحلية. وهذا ما يعيدنا إلى مشاريع الدائرة الإقليمية التي تحرك عدداً من خيوط اللعبة في سوريا. فالدول الإقليمية تشعر بأن موسكو وواشنطن قطعتا شوطاً بعيداً في "تفاهمات" تشمل مسائل أخرى مرتبطة بشكل أو آخر بمجريات الأزمة السورية. ولذلك فهي (أي الدائرة الإقليمية) ترى أن من مصلحتها القومية أن تكون شريكاً في التسوية، أو على الأقل أن تقطف بعض ثمار حربها على سوريا.

فلنضع هذه الفكرة نصب أعيننا، ونحن نستعرض بعض التحركات السياسية الأخيرة. عندما زار الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بيروت قبل أيام، كان موضوع "التوطين" في لبنان يلاحقه في كل مكان. والتوطين الذي "يخشاه" اللبنانيون يتعلق بالفلسطينيين أساساً. في الوقت نفسه، أطلق رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو تصريحاته الفاقعة حول الجولان المحتل وعقد جلسة حكومية هناك وزار موسكو لتأكيد مواقفه في هذا الشأن، ما يشي بأن مسألة الاحتلال الأسرائيلي للهضبة مطروحة على بساط البحث. وعندما زار وزير الخارجية الأميركي جون كيري جنيف لإنقاذ وقف إطلاق النار في سوريا، كان من بين الذين اجتمع بهم وزير الخارجية الأردني ناصر جودة. وكما هو معروف، للأردن دور مقترح في حل "الصراع الإسرائيلي ــ الفلسطيني". وعلينا كذلك أن لا ننسى الابتزاز التركي الناجح مع الاتحاد الأوروبي على صعد مختلفة تتعلق بملفات تركية وسورية وعراقية.... إلخ!

الدول الأعضاء في الدائرة الثانية الإقليمية كانت تأمل في أن تصبح سوريا لقمة سائغة لها بعد تدمير بناها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإذا بها تجد اليوم أن الحل الذي تراه واشنطن وموسكو للأزمة السورية يشمل مسائل أخرى ذات صلة بمجمل الأوضاع في المنطقة. وهي تعتبر أنها "استثمرت" كثيراً من الجهود في مخطط تدمير سوريا ما يتيح لها الحصول على جزء من كعكة الحل المقبل إذا تعذر عليها التهام الكعكة كلها! ولكن بما أن شكل الكعكة وطريقة توزيعها هما قيد التداول في الكواليس العالمية المغلقة... فإن المتاح فقط لهذه الدول الإقليمية هو الإيغال في مزيد من التدمير العشوائي الجنوني لعلها تتمكن من المشاركة ولو جزئياً في قطف ثمار ما زرعته أياديها، ودفع الشعب السوري (كل الشعب السوري) ثمنه الباهظ جداً.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017