إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

"الأزمة الشامية في سياقها الإستراتيجي"

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-07-22

الارشيف

محاضرة ألقيت عبر اليوتيوب في 21 تموز 2016 بدعوة من "جمعية الهلال الخصيب" – فرنسا

لا بد أولاً من توجيه الشكر إلى "جمعية الهلال الخصيب" التي أتاحت لنا هذا المجال الافتراضي للتفاعل مع مستمعين ومشاهدين افتراضيين ونحن نرتاح في مقاعدنا أو أسرتنا الوثيرة في مختلف أنحاء العالم. عنوان حديثنا الليلة "الأزمة الشامية في سياقها الإستراتيجي". وكنتُ قد فكرت في التمهيد للمحاضرة بعرض زمني يوضح المحطات الأساسية التي أوصلتنا إلى أوضاعنا الراهنة، غير أن نصيحتين جاءتا من صديقين عزيزين – وهما محقان في ملاحظتيهما – دفعتاني إلى تكثيف السرد الزمني وحصره في أبرز المحطات التي لا غنى لنا عنها إذا ما أردنا تبيان الوقائع الفعلية لأزمتنا القومية المصيرية.

وقبل أن نبدأ رحلة الغوص في خلفيات الأحداث كي نستخلص منها – سوياً – مؤشرات المستقبل، أرى من المناسب توضيح النقطتين التاليتين:

الأولى هي أن نفصل بين الواقع الاستراتيجي لكيان سياسي معيّن وبين الممارسات العملية لقيادات ذلك الكيان بغض النظر عن جذورها الإيديولوجية. فنحن عندما نتحدث عن الشام أو الأردن أو العراق أو لبنان وغيرها لجهة الأدوار الجيو- سياسية فإننا لا نقصد بالضرورة السياسات الداخلية من حيث الفساد والقمع والتسلط وما شابه ذلك. فهذه مسائل تتطلب معالجة مختلفة ليست هذه المحاضرة مجالها الآن.

أما النقطة الثانية فهي عقدتنا الشعبية من نظرية المؤامرة. بعضنا يرفض هذه النظرية جملة وتفصيلاً، وبعضنا الآخر يستعملها في كل زمان ومكان شماعة يعلق عليها كل مشاكلنا. لكن الحقيقة تكمن في منزلة وسطى بين هاتين المنزلتين. ما نراه نحن مؤامرة قد يكون خطة إستراتيجية لدى الآخرين، والعكس صحيح. اتفاق سايكس – بيكو، على سبيل المثال، كان مخططاً أو مشروعاً لتعزيز المصالح الاستعمارية البريطانية – الفرنسية في بلادنا. وهذا الاتفاق، بالنسبة إلينا، كان مؤامرة لتمزيق بلادنا على أسس دينية ومذهبية وعرقية تمهيداً لزرع الكيان الصهيوني في فلسطين. لذلك أقترح أن نبقي هذه الفكرة في أذهاننا ونحن ندخل في صلب موضوعنا هذه الليلة. فالخطة لدى طرف ما ليست سوى مؤامرة لدى طرف آخر. ذلك أن الخطة، أية خطة، لا تنشأ من فراغ وإنما تقوم على واقع... وفي أحيان كثيرة يجري العمل من أجل تغيير الواقع أو خلقه من جديد بما يخدم الخطة / المؤامرة.

أرى أن نحدد نقطة الانطلاق، نظرياً، عند حرب تشرين سنة 1973. فبعيداً عن كل التحليلات التي تناولت مجريات تلك الحرب وتداعياتها، فإن النتيجة الأساسية كانت خروج مصر نهائياً من معادلة المواجهة مع إسرائيل، كما ثبت ذلك لاحقاً في خطوات الرئيس المصري أنور السادات من زيارة القدس المحتلة إلى توقيع معاهدة كامب ديفيد للصلح مع إسرائيل. وقد أدركت القيادة السياسية والعسكرية الشامية آنذاك أنه بات عليها التركيز على الجبهة الشرقية للتعويض عن انتقال القاهرة إلى المعسكر الآخر، وفي الوقت نفسه تحقيق التوازن النسبي مع إسرائيل. وفي هذا السياق الإستراتيجي يجب أن نضع التدخل الشامي في لبنان والصراع مع منظمة التحرير الفلسطينية بين 1975 (تاريخ تفجر الحرب الأهلية اللبنانية) و1985 (معركة طرابلس الأخيرة التي أنهت وجود أنصار عرفات في لبنان). من دون أن نقلل من مغبة الممارسات الملتبسة التي رافقت تدخل "قوات الردع" السورية.

من المؤسف أن هذه الخطة الإستراتيجية، التي كان من المفترض أن تؤطر الجهود الشعبية في اتجاه واحد، سقطت في زواريب السياسات المحلة الضيقة بما فيها من محسوبية وفساد وتسلط، فعجزت عن مواجهة المخططات الخارجية التي كانت تعمل على مستويات عدة لعرقلة أي تقارب ذي معنى بين كيانات الهلال الخصيب ومكوناته السياسية والاجتماعية. ويجب أن لا يغفل عن بالنا قط أن الثابت الإستراتيجي المعادي لوحدتنا القومية منذ أربعينات القرن الماضي كان يقتضي منع أي تقارب بين أكبر دولتين في الهلال الخصيب، العراق وسوريا، يستوي في ذلك الرجعيون والتقدميون، الملكيون والجمهوريون، القوميون والانعزاليون! ولذلك غرق لبنان في معاركه الأهلية الداخلية والاعتداءات الإسرائيلية طيلة سبعينات القرن الماضي، في حين كانت الشام تواجه تمرد الإخوان المسلمين المدعوم من العراق والأردن وتركيا، بينما سقط العراق تحت سيطرة ديكتاتورية دموية بعد إجهاض الرئيس العراقي صدام حسين "ميثاق العمل القومي" بين دمشق وبغداد سنة 1978.

محطتنا الزمنية الثانية هي سنة 1979 التي شهدت حدثين ما زلنا حتى اليوم نعاني من تداعياتهما: أولاً إنطلاق الثورة الإيرانية، ثم تمكن التيار الإسلامي الحامل لراية "ولاية الفقيه" من إحكام سيطرته على مقاليد السلطة. والثاني الغزو السوفياتي لأفغانستان ونشوء مقاومة إسلامية سلفية استطاعت أن تجتذب ألوف "المجاهدين" من مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي. ولأول مرة في التاريخ الحديث، نجد أنفسنا أمام نموذجين إسلاميين ثوريين منتصرين: سني وشيعي. الأول منهما تدعمه أميركا والغرب الأطلسي وغالبية الدول العربية والإسلامية، والثاني يواجه معركة صعبة داخلياً وخارجياً لتثبيت الذات وحماية مكتسباته والعمل على تصدير مفاهيمه الثورية إلى دول الجوار... ويخوض في الوقت نفسه حرباً شرسة مع العراق (ومن خلفه الدول الخليجية) لأكثر من ثماني سنوات.

الحرب الإيديولوجية المرافقة للحرب العسكرية ركزت في مرحلتها الأولى على ثنائية العربي – الفارسي. لكن سرعان ما اندمجت تلك الثنائية العرقية بأخرى مذهبية: سني – شيعي. وكان العالم الخارجي يراقب ويدرس وينتظر قبل أن يقولب مشاريعه الجديدة في المنطقة. يروي الزميل سليمان الفرزلي في مذكراته "علامات الدرب" الصادرة سنة 2013 لقاء له في لندن مع الدكتور وديع حداد الذي عمل لفترة مستشاراً للأمن القومي مع الرئيس اللبناني أمين الجميل قبل ان يعود إلى عمله السابق في معهد بروكينغز المشهور بكونه أحد أنفذ مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة الأميركية.

يقول الفرزلي في الصفحة 703 من كتابه عن ذلك اللقاء الذي تم سنة 1984: "فإذا بوديع حداد في تلك الجلسة يتحدث عن الموضوع (الحرب العراقية – الإيرانية) في إطار الصراع الشيعي – السني. ومما أفادنا به يومها أن مراكز الرأي والقرار في الولايات المتحدة تبحث وتناقش مسألة حساسة من هذه الناحية جواباً عن سؤال محدد هو: أي من الفريقين أنسب للسلام في الشرق الأوسط ولمصالح الولايات المتحدة، السنة أم الشيعة؟ فسألته: ما هو الجواب النهائي عن هذا السؤال؟ فقال إن النقاش لم يحسم بعد، وكل فريق ما زال يقدم تصوراته وحيثياته التي تدعم خياره من وجهات نظر مختلفة"!

أشياء كثيرة تغيرت بعد ذلك التصريح، أهمها على الإطلاق سقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1991، وتحوّل "المجاهدين الأفغان" من حلفاء لأميركا والغرب الأطلسي إلى "إرهابيين" يستهدفون المصالح الأوروبية والأميركية في أنحاء العالم. لكننا نقترح الآن أن نحط رحالنا في سنة 2000 للوقوف عند ثلاثة أحداث مفصلية هي في أساس ما نواجهه اليوم. في 26 آذار من ذلك العام يفشل الرئيسان الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الأسد المجتمعان في جنيف بإحداث أي خرق في ما يتعلق بالمفاوضات السورية – الإسرائيلية. وفي 24 أيار تنسحب قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان بقرار أحادي الجانب. وفي 10 حزيران يتوفى الرئيس الأسد، فيتم تعديل الدستور لصالح أن يتولى ابنه بشار سدة الرئاسة خلفاً له.

كان الأسد الأب قد تمكن بحنكته السياسية من تجاوز العاصفة الأميركية لـ "تحرير الكويت" سنة 1991، فحصل مقابل ذلك على النفوذ الشامل في لبنان سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وبدلاً من أن تتم إعادة صياغة جذرية للنظام الطائفي اللبناني لصالح التوجهات القومية العلمانية الليبرالية، إذ بمنظومة فساد سورية – لبنانية تعيد انتاج ترتيبات طائفية أبرزت الثنائية السنية – الشيعية، المتحالفة مرحلياً، وكل طرف منهما مرتبط بقوى خارجية لها مصالحها الإستراتيجية. وكان ذلك على حساب تراجع المكون المسيحي المنهزم آنذاك.

وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا الارتهان للمصالح الخارجية إلى انفجار المجتمع العراقي وفق خطوط مذهبية حادة بعد الغزو الأميركي - البريطاني سنة 2003، وأن يتشظى التحالف السني – الشيعي في لبنان بعد مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري سنة 2005، وأن تصبح سوريا نفسها عرضة لاهتزازات داخلية منذ أن هددها الاحتلال الأميركي للعراق، وفي الوقت نفسه منذ أن بدأت السلطات الأمنية السورية تطبيق سياسة غض النظر عن تدفق السلفيين إلى حلب وإدلب والحسكة للمشاركة في عمليات المقاومة العراقية ضد الاحتلال.

كانت الإستراتيجية السورية القائمة على ترابط الجبهة الشرقية وبناء التوازن العسكري مع إسرائيل قد بلغت ذروتها في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، خصوصاً أن علاقاتها الوثيقة مع إيران لم تعد تثير الإشكالية ذاتها التي كانت تثيرها خلال الحرب العراقية – الإيرانية. فإقدام صام حسين على الدخول إلى الكويت، وما تبع ذلك من حصار خانق للعراق، أزال ولو علناً فقط تحفظات خليجية على العلاقة السورية - الإيرانية المميزة، والتي كانت تترجم على الساحة اللبنانية بتغطية شاملة لنشاطات "حزب الله" العسكرية والسياسية.

غير أن تلك الإستراتيجية سرعان ما بدأت تتفكك. منظمة التحرير الفلسطينية شقت لنفسها طريقاً سرياً مغايراً للإجماع العربي عن طريق اتفاق أوسلو سنة 1993. وما هي إلا فترة قصيرة حتى التحق الأردن بركب المصالحات مع إسرائيل في اتفاقية وادي عربة سنة 1994. في حين كان العراق يختنق بالحصار والمقاطعة وحظر الطيران في الشمال والجنوب. وحده لبنان كان ما يزال يدور في الفلك السوري... لكن إلى حين. وقد جاء هذا الحين سنة 2000 بعد فشل لقاء الأسد الأب مع كلينتون في جنيف، وإقدام إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان بقرار من طرف واحد.

صحيح أن عمليات المقاومة في الجنوب اللبناني جعلت حياة قوات الاحتلال وعملائها المحليين جحيماً لا يُطاق. لكن الصحيح أيضاً أن الانسحاب كان يهدف إلى إعطاء بعض القوى المحلية أوراقاً سياسية للعمل على فك المسار اللبناني عن المسار السوري، واللحاق بالأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية (ومصر قبلهما) في توقيع معاهدة صلح مع إسرائيل طالما "أنه لم تعد للبنان أية أرض محتلة". لكن حسابات الحقل الإسرائيلي – الأميركي – العربي لم تتوافق مع حسابات الحصاد السوري – اللبناني بعد إنجاز التحرير.

ورقة الصراع السني – الشيعي كانت جاهزة. حرب إسرائيلية ضد المقاومة سنة 2006 بهدف إحداث شرخ بين "حزب الله" (من حيث أنه حزب شيعي) وبقية اللبنانيين، في ظل أجواء توتر شيعي – سني بسبب اتهامات تتعلق بالمسؤولية عن اغتيال الحريري. وفي العراق اندلعت حرب أهلية سنة 2008 حصدت عشرات الألوف من المواطنين الأبرياء... وكانت قد سبقت كل تلك الأحداث عمليات نفخ في أتون الفتنة المذهبية، فجاءت "تحذيرات" العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني سنة 2004 من مخاطر قيام "الهلال الشيعي" في الهلال الخصيب. ولحقه من القاهرة تصريح أدلى به الرئيس المصري حسني مبارك سنة 2010 جاء فيه أن شيعة العراق ليسوا وطنيين! ونحن نعلم أين يقع مربط خيل القاهرة وعمّان في تلك الفترة.

ولم تقتصر جوقة التحريض على رجال السياسة فقط، بل رافقتها أعمال تتسم بالصبغة الآكاديمية، هدفها تمهيد الأرضية الفكرية والاجتماعية لما كان يتم التخطيط له أمنياً. فلنراقب الدراسات التالية وتواريخها، والتي نرى أنها لم تصدر ولم توزع صدفة في تلك الفترة الحساسة:

ــ سنة 2004، صدرت دراسة بعنوان "تحذير البرية من نشاط الشيعة في سورية". المؤلف: عبد الستير آل حسين.

ــ سنة 2006، صدرت دراسة بعنوان "عملية التشيع في سورية 1985 – 2006: دراسة اجتماعية إحصائية". أشرفت عليها منظمة "المجلس الوطني للحقيقة والمصالحة والعدالة في سوريا"، وقدم لها رئيس المنظمة نزار نيوف.

ــ سنة 2007، صدر كتاب بعنوان "البعث الشيعي في سورية 1919 – 2007". نشره في لندن (على الأرجح) المعهد الدولي للدراسات السورية.

لم تكن سوريا محصنة داخلياً لمواجهة تطورات ما بعد غزو العراق سنة 2003، ومن ثم إقرار "قانون محاسبة سورية وسيادة لبنان" في الكونغرس الأميركي. "ربيع دمشق" كان قد وصل إلى طريق مسدود سنة 2005 بعد فشل السلطات الحكومية والمعارضة الليبرالية الديموقراطية في التوصل إلى أرضية مشتركة تعيد صياغة الحياة الحزبية والسياسية في سوريا. في حين كانت التيارات السلفية تعمل في الخفاء، بعضها تحت ستار دعم المقاومة العراقية وبعضها الآخر ضد الحكم السوري مباشرة. وهكذا باتت الأرضية مؤهلة للبدء في تنفيذ آخر خطوة لإسقاط الإستراتيجية الجيو- سياسية السورية: أي ضرب بنيان الدولة السورية، وتفتيت المجتمع السوري، وإعادة سوريا إلى ساحة للتنافس الإقليميي والدولي بعد أن تمكنت لسنوات من أن تكون من ضمن اللاعبين الإقليميين الكبار.

لسنا في وارد إعفاء أحد من القيادات السورية والعراقية واللبنانية من مسؤوليتهم المباشرة عما آلت إليه أوضاعنا القومية. غير أن الواقع يفرض علينا أن ننظر إلى مستقبل قيام الجبهة الشرقية بوصفها عامل توازن إقليمي في الهلال الخصيب. ولنعترف بصدق أن ثلاث دول إقليمية فاعلة تحيط ببلادنا الآن هي تركيا وإسرائيل وإيران، لكل منها مشروع إستراتيجي واضح، ولكل منها خطوط تواصل مع القوى العالمية. فإذا كنا نريد لأمتنا أن يكون لها مكان حيوي تحت شمس المصالح القومية، فليس لنا سوى خيار الانتماء المجتمعي العابر للحدود الجغرافية والدينية والمذهبية. هناك خطة إستراتيجية تستهدف مصيرنا القومي، ولا يمكن مواجهتها إلا بخطة نظامية مقابلة.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017