إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

"حزب سعاده"... و"المعارضة" (2 من 2)

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-08-24

الارشيف

طبيعة الحزب السوري القومي الاجتماعي، من حيث كونه منظمة عقائدية نهضوية في الأساس، لا تحتمل وجود معارضة داخلية. فالعقيدة القومية الاجتماعية كفلت لمعتنقيها وحدة الروح أولاً، والأشكال الدستورية التنظيمية كفلت لأعضاء الحزب وحدة الاتجاه ثانياً. وأي خروج على وحدة الروح ووحدة الاتجاه يعني الخروج على الاجماع القومي الاجتماعي. كما أن أي خروج على واحد من هذين الأقنومين، خصوصاً وحدة الروح، يعني التخلي عن جوهر النهضة. ولا مجال للغموض أو المساومة هنا.

سعاده واجه منذ الأيام الأولى لتأسيس الحزب مواقف سلبية مختلفة لأسباب يمكن أن نصنفها تجاوزاً في خانة "المعارضة" أو "الاعتراض". لكن موقعه كمؤسس للنهضة القومية الاجتماعية وكزعيم للحزب السوري القومي الاجتماعي خوّله صلاحية معالجة تلك الحالات بالحوار الفكري المعمق والشامل كخطوة أولى، ثم بالاجراءات الدستورية كحل أخير عندما تفشل كل مساعي الإيضاح والإقناع.

هذا لا يعني غياب "الرأي الآخر" في الحزب السوري القومي الاجتماعي خلال حياة سعاده، وهو الذي أدرك أهمية إنشاء مؤسسات حزبية ثقافية تشكل إطاراً للحوار الفكري الداخلي الضامن تحقيق "وحدة الروح" بين مفكري الحزب ومثقفيه، ومن خلالهم إلى الصف الحزبي والمجتمع السوري كله. غير أن سعاده ما كان ليقبل أبداً أي تجمع أو تيار "معارض" لسياسة الحزب كما كانت ترسمها الإدارة العليا ممثلة آنذاك بمكتب الزعامة وبالمجلس الأعلى ومجلس العمد. صلاحيات سعاده كانت محكومة بقسم الزعامة، أي أنها مرتبطة بأن يستعمل "سلطة الزعامة وقوتها وصلاحياتها في سبيل فلاح الحزب وتحقيق قضيته وأن لا أستعمل سلطة الزعامة إلا من أجل القضية القومية الاجتماعية ومصلحة الأمة". (كما أوضحنا ذلك في القسم الأول من هذا البحث).

ولذلك لم نشهد بين 1932 و1949، سواء خلال وجود سعاده في الوطن أو أثناء اغترابه القسري في الأرجنتين، أي انقسام في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي. صحيح أن الحزب شهد بعض الاعتراضات والخلافات التي رافقتها حالة من القمع الداخلي المنظم في الفصل والطرد والتهميش، خصوصاً مع سياسة "الواقع اللبناني" في مطلع أربعينات القرن الماضي، لكن النتيجة كانت استمرار الحزب وخروج الذين رفضوا الالتزام بقرارات الزعيم التي جاءت بعد سلسلة مطولة من الاجتماعات والنقاشات لمعالجة الاختلاطات الفكرية والارتباطات السياسية الخارجية الكامنة خلف تلك المواقف الاعتراضية.

الأحزاب العقائدية لا تتضمن آليات تسمح بنشوء معارضة داخلية، على نقيض ما يحدث في الأحزاب السياسية الديموقراطية (النمط الغربي نموذجاً). فالحزب العقائدي ينشأ في الأساس لتحقيق عقيدة شاملة بكل أبعادها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وفي حال نشوء تيار داخلي مخالف فإنه يكون خلاصة نزاع عقائدي أكثر منه سياسياً، وإن تغطت الصراعات السياسية والمنازعات على السلطة بغطاء عقائدي. ولكن كثيراً ما ينسحب الانشقاق العقائدي على المواقف السياسية، فيقع الافتراق ثم الطلاق... ما لم يعمد أحد الطرفين إلى استباق الطلاق البائن بالقضاء على الآخر. وربما يحدث العكس في أحيان أخرى، أي أن يسيطر حزب عقائدي على الحكم، ثم يدور صراع حول السلطة، فينهزم أحد الأجنحة الحزبية. وبعد ذلك تبدأ محاولة ترسيخ "الخلاف العقائدي" بين الجانبين المتناحرين. (نموذج معاصر من بلادنا: حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادتيه القطرية والقومية، وبدولتيه في بغداد ودمشق).

الحزب السوري القومي الاجتماعي، بعد استشهاد سعاده، عانى من بعض هذه المظاهر الخارجة على روحيته المناقبية وعلى أنظمته الداخلية. فبقدر ما كانت دفة النشاط الحزبي تميل لصالح العمل السياسي بمفهومه التقليدي بقدر ما كانت تبرز الصراعات الداخلية على السلطة، التي كان يُعاد توظيفها (أي السلطة) لتعزيز التوجهات السياسية التي أنتجت تلك السلطة في الأساس. وهكذا تنشأ دائرة مغلقة تتألف من سلطة تتبنى مواقف سياسية قد لا تحظى بالإجماع، فتقوم معارضة في وجهها، ثم يحدث صراع داخلي محكوم بموازين قوى تسعى السلطة المتحكمة إلى إعادة إنتاجها كي تبقى ممسكة بزمام الأمور!

المعارضة الداخلية في الأحزاب السياسية الديموقراطية ذات النظام التمثيلي تحتاج إلى عنصرين أساسيين: سلطة حزبية شرعية ملتزمة بالممارسة الديموقراطية، وآلية دستورية لإدارة الخلافات الداخلية. ومع أن الحزب السوري القومي الاجتماعي لا يمكن اعتباره أبداً حزباً سياسياً ديموقراطياً (بالمفهوم الغربي)، إلا أنه حافظ في حياة سعاده على هذين العنصرين، على الأقل في التطبيق العملي: شرعية سلطة سعاده باعتباره مؤسساً للحزب وزعيماً له، وقسم الزعامة والمراسيم الدستورية بوصفها الآلية التنظيمية لإدارة الخلافات وحسمها.

مفاعيل الاستشهاد المأسوي لسعاده سنة 1949 منعت، مؤقتاً، بروز الخلافات على السلطة في الحزب الخارج منهكاً من صراع قومي وسياسي مرير إمتد منذ وطأت قدما الزعيم أرض الوطن في آذار 1947، وكان ذلك أيضاً في ظل انهماك القيادات الحزبية في لملمة الصفوف وبلسمة الجراح. ومع ذلك، فإن مذكرات رجالات تلك المرحلة العصيبة تكشف عن مماحكات قيادية وتوترات كامنة بين "الأمناء" (عددهم 17 أميناً في ذلك الوقت) الذين كان سعاده يعتمد عليهم في المؤسسات المركزية. لم يكن هناك أي خلاف عقائدي بين القياديين، بل اتهامات بالتقصير في ثورة تموز 1949 من جهة وصراع للسيطرة على إرث سعاده في النهضة وفي الحزب من جهة أخرى.

وظلت هذه المماحكات والتوترات تتفاعل في كواليس مركز الحزب إلى أن انفجرت أخيراً سنة 1954 بالضغط على عصام المحايري ودفعه إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب التي كان قد أنتخب لها قبل أيام، ومن ثم عودة جورج عبد المسيح رئيساً. ونعلم جميعاً ما جرته تلك الحادثة من ويلات على الحزب، ما زال القوميون الاجتماعيون والأمة كلها يدفعون ثمنها حتى هذه اللحظة.

إنشقاق العام 1957 لم يكن الأخير في الحزب السوري القومي الاجتماعي، بل أعقبته إنشقاقات ومحاولات انشقاق عديدة، نجح بعضها ولو مؤقتاً وفشل بعضها الآخر في المهد. وفي كل الحالات "الاعتراضية" كان الداعون إليها يفرقون بين "نظام الفكر ونظام النهج الذي يحقق ذلك الفكر". غير أنها كلها كانت تكشف غياب العنصرين اللذين أشرنا إليهما اعلاه: سلطة حزبية تحظى بشرعية جماعية، وآلية دستورية لإدارة الخلافات الداخلية. ونرى لزاماً علينا أن نوضح ما المقصود بعبارة "سلطة حزبية شرعية". فمثل هذه السلطة ليست فقط تلك التي تصل إلى سدة القيادة بالطرق الدستورية الشرعية، وإنما هي التي تمارس صلاحياتها وفق الأنظمة الداخلية ولمصلحة الحزب والأمة، وفي الوقت نفسه ملتزمة بالقيم المناقبية للإنسان القومي الاجتماعي الجديد... وكل هذا من دون الاعتماد على الاجراءات الملتوية بهدف إحكام قبضتها على مفاصل الحزب وضمان هيمنتها المستمرة باستخدام أساليب الترهيب والترغيب وتسليط سيف العقوبات المسلكية الحزبية فوق رأس كل من يرفع صوتاً انتقادياً أو احتجاجياً. وهذا ما يؤكده سعاده بقوله في مقالة "النظام": "لم يتغلب الحزب السوري القومي على جميع الاضطهادات التي وجهت إليه لمجرد النظام، بل إن تغلب الحزب على الصعوبات التي وضعت في طريقه يعود إلى سر المحافظة على النظام والتقيد به. وهذا السر ليس في النظام نفسه بل في العقيدة التي وراءه والهدف الذي أمامه".

إستقالة المحايري سنة 1954 جاءت تحت الضغط (الترهيب) الذي مارسه أعضاء في المجلس الأعلى ومجلس العمد بدعم من بعض المسؤولين في منفذيات الكيان الشامي حيث تواجد مركز الحزب. "الشرعية الدستورية" التي سمحت باستقالة رئيس وانتخاب آخر تحت الضغط هي شرعية مشكوك فيها، وقد أسفرت آنذاك عن خروج عدد كبير من القيادات وتخليها عن العمل الحزبي، في حين قبل آخرون على مضض بالواقع المستجد بعامل النظام فقط. إن الخارجين على الحزب والصامتين بعامل النظام لم يجدوا في أنظمة الحزب أية آلية للتغيير الداخلي. وكان على الحزب أن ينتظر كارثة اغتيال عدنان المالكي وتبدل موازين القوى خارج الحزب كي يستطيع إحداث التغيير الداخلي... لكن رفض أحد الطرفين أدى في نهاية المطاف إلى إنشقاق الحزب.

إن انخراط الحزب في العمل السياسي منذ استشهاد سعاده فتح مجالاً واسعاً لظهور "المعارضة". والسبب في ذلك أن العمل السياسي يعني مجموعة من البرامج المرحلية الخاضعة للرأي والرأي المختلف، والتي يمكن الحكم عليها من خلال نتائجها على الأرض. فعندما تقرر القيادة الحزبية السير في توجه سياسي معين، خوض الانتخابات النيابية أو المشاركة في الحكومة على سبيل المثال، فمن المحتمل أن تبرز أصوات معارضة لأن ذلك القرار ليس جزءاً من العقيدة. غير أن الالتزام بمبدأ "لتفعل إدارتكم العليا ما تستطيع" محكوم بعاملين: الممارسة والنتائج. ونقصد بذلك أن الممارسة يجب أن تلتزم بالمعايير المناقبية القومية الاجتماعية، وأن النتائج يجب أن تصب في مصلحة الحزب والأمة.

تنشأ "المعارضة" في الحزب العقائدي عندما تتحول القيادة إلى سلطة غير خاضعة للتقييم والمساءلة. فلا تعود النتائج هي مقياس الحكم، بل تعمد السلطة إلى ترسيخ السيطرة، حتى بالأساليب غير الدستورية وغير المناقبية، لمنع تداول السلطة وفق برامج جديدة تعيد تصويب المسار الحزبي العملي. أزمة الحزب السوري القومي الاجتماعي خلال السنوات الماضية لم تكن في أساسها خلافاً عقائدياً، وليست افتراقاً سياسياً جذرياً (قد تكون هناك وجهات نظر متباينة لكنها لا تصل إلى حد الاختلاف)، على نقيض ما كان عليه الأمر في السبعينات الماضية عندما تلطى المختلفون وراء شعارات اليمين واليسار، وركضوا خلف تحالفات سياسية وأمنية تعكس مصالح القوى الخارجية أكثر مما تعكس مصلحة الحزب والأمة. الأزمة الراهنة هي أزمة سلطة، وأزمة ممارسات، وأزمة إلتفاف على آليات انتقال السلطة بهدف ضمان ديمومة تلك "القيادة" أو إعادة انتاجها مراراً وتكراراً.

المطالبة بإيجاد آلية دستورية لإدارة الخلافات الداخلية تعني بطريقة غير مباشرة القبول بأن يكون الحزب السوري القومي الاجتماعي حزباً سياسياً عادياً (وليس على النمط الديموقراطي الغربي حتى!). لا تباين بين القوميين الاجتماعيين على مبدأ وحدة الروح إطلاقاً، الإشكالية تكمن في غياب وحدة الاتجاه: إلى أين تسير "السلطة" بالحزب السوري القومي الاجتماعي؟ أية عقلية "مناقبية" تستخدمها لإبقاء الحزب والفكر القومي الاجتماعي والقوميين الاجتماعيين طوع إرادتها؟

"المعارضة" في الحزب العقائدي هي الناتج المتوقع والطبيعي عندما تصبح "القيادة"، أية قيادة، مجرد سلطة تتناسل من رحم عاقر!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017