إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الغنوشي و"داعش": بين النفاق والتبرير!

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2016-11-01

الارشيف

بين الحين والآخر تسقط أقنعة الانفتاح والتسامح عن وجه راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة الإسلامية في تونس، لتظهر بوضوح الهوية الحقيقية لجماعات الإسلام السياسي في ما يتعلق بصفات الاعتدال والتطرف والتكفير وغيرها من صفات توزع اعتباطاً في وسائل الإعلام، فيتلقفها كثيرون منا من دون تعريضها للنظر النقدي الجاد.

قال الغنوشي قبل أيام، في ندوة على هامش إجتماعات مجلس شورى حركة النهضة التابعة لـ"جماعة الإخوان المسلمين"، رداً على أسئلة الحضور حول الموقف من أتباع التنظيم الإرهابي "داعش": "هو واقعهم... صور من صور الإسلام الغاضب الذي يخرج عن العقل والحكمة. ونحن أهل السنة لا نكفر أحداً يقول لا إله إلا الله، بل نقول له أنت ظالم، مخطئ، متطرّف، متشدّد ... لا يمكن أن نكفر الدواعش. لا يمكن أن نكفر أحداً يقول لا إله إلا الله".

وكان من الطبيعي أن يثير هذا الموقف ردود فعل غاضبة في تونس التي عانت الأمرّين من العمليات الإرهابية التي نفذها عناصر "داعش" ضد قوات الأمن والمدنيين المواطنين والأجانب، خصوصاً أن "حركة النهضة" كانت ولا تزال شريكاً أساسياً في التركيبة الحكومية في البلاد. لذلك سارع ناطق باسمها إلى إصدار "بيان توضيحي" إتهم فيه إحدى الإذاعات المحلية التي نقلت تصريحات الغنوشي بأنها "عديمة المهنية"!

وجاء في "البيان التوضيحي" أيضاً أن الغنوشي أكد على "خطورة ما يشبه عملية الترونسفار (الترانسفير) التي تتعرض لها البنية الديموغرافية في البلدين (سوريا والعراق) من خلال تقتيل وتهجير ملايين السنة من البلدين مقابل فتحهما لتوطين الشيعة الوافدين من بلدان أخرى، مما أثار غضب السنة ودفع بعضهم إلى القيام بأعمال عنيفة وإجرامية ضمن تنظيمات إرهابية". وأضاف يقول: "ومع أن الغنوشي لم يفصل في الأمر، إلا أنه كان يؤكد خطورة محاولات التغيير الديموغرافي في البلدين".

نحن نعتقد بأن "البيان التوضيحي" يتضمن مجموعة من المغالطات (تصل إلى مستوى النفاق) لا تقل خطراً بكثير عن كلام الغنوشي نفسه. فالبيان يعزز القناعة بما بات معروفاً عن قدرة جماعات الإسلام السياسي على التلطي خلف شعارات مضللة كلما دعت الحاجة إلى التنصل من موقف سياسي أو فقهي يضعها على المحك أمام الناس أجمعين. فلقد حاول بيان "حركة النهضة" أن يبرّر تطرف الجماعات التكفيرية وإجرامها وبربريتها بما يجري من "تغيير ديموغرافي" في سوريا والعراق. فهل يستقيم هذا الكلام أمام وقائع ما تشهده بلادنا والعالمان العربي والإسلامي الآن؟

إذا تركنا سوريا والعراق، مبدئياً، حيث اختلطت الصراعات المحلية بالمخططات الإقليمية والدولية التي تتجاوز الأبعاد الدينية والطائفية والعرقية، وصوّبنا أنظارنا نحو بلدان أخرى لا يمكن أن يحدث فيها "تغيير ديموغرافي" نظراً إلى تركيبتها السكانية الخالصة... فبماذا نفسر قيام جماعات الإسلام السياسي في كل مكان بتكفير المجتمع وإهدار دم النخب السياسية والفكرية والاجتماعية؟

من الجزائر حيث لا شيعة ولا من يتشيعون، إلى أفغانستان حيث إرهاب طالبان و"القاعدة" يستهدف السنة أساساً، إلى باكستان التي تدفع ثمناً باهظاً لسكوتها المريب على نمو تلك الجماعات وانتشارها، إلى الصومال التي تشظت مناطق متناحرة، إلى مصر حاضنة الأزهر ومركز الثقل السني الفقهي حيث "جماعة الإخوان المسلمين" تزرع الموت والرعب في المدن والأرياف، إلى السعودية التي لا يمكن أبداً أن يقال عنها إنها بعيدة عن الفهم السلفي للإسلام، وصولاً إلى تونس نفسها حتى في ظل حكم "حركة النهضة" بالذات. كل هذه الدول وغيرها عانت من إرهاب جماعات الإسلام السياسي التكفيرية من دون أن تكون بنيتها الاجتماعية مهددة بأي "تغيير ديموغرافي".

وهكذا نجد أن "البيان التوضيحي" لـ"حركة النهضة" هو مجرد دخان إعلامي هدفه التغطية على الموقف الحقيقي للغنوشي من تلك الجماعات، ومن بينها "داعش". فالوصف الذي أطلقه على هؤلاء الإرهابيين، أي "الإسلام الغاضب"، هو الذي أحرج "حركة النهضة" ودفعها للخروج ببيان أقل ما يقال فيه أنه ذر للرماد في العيون، ومحاولة فاشلة مشبوهة لإخفاء "تأييد" الغنوشي وأمثاله للجماعات التكفيرية بمختلف توجهاتها الفقهية.

هناك نقطتان أساسيتان في تصريح الغنوشي: تكفير "داعش"، و"الإسلام الغاضب". ونحن نعتقد بأنه ليس من حق أي إنسان، بغض النظر عن مكانته الفكرية أو الفقهية، أن يكفّر إنساناً آخر أو جماعة أخرى. مبادئ حقوق الإنسان تمنع ذلك، والنص القرآني أيضاً حازم في هذا الشأن: {ومن كفر فلا يحزنك كفره، إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا} (لقمان 23)، {لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ} (البقرة 256)، {ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} (الشورى 10). الحكم في قضايا الخلاف، دينية أم سياسية أم فكرية، مرجعه الله فقط. فليس مهماً في هذه الحالة ما إذا كانت "داعش" كافرة أو مؤمنة، المهم أنها جماعة إرهابية مجرمة بكل المقاييس الإنسانية والدينية.

هذا ينقلنا إلى النقطة الثانية في كلام الغنوشي: "الإسلام الغاضب"! ولا شك عندنا على الإطلاق في أنه إستنزل هذا التعبير في محاولة خبيثة للتخفيف من دموية "داعش" وما شابهها من جماعات الإسلام السياسي. فهو يعتبرها من "المسلمين" لها ما لهم وعليها ما عليهم، طالما أنها تنطق بشهادة أن لا إله إلا الله. لكنهم "مسلمون غاضبون" لأسباب خارجة عن إرادتهم، أي أن المسؤولية تقع على عاتق الآخرين الذين "يخطئون" بحقهم، فتكون ردة فعلهم "الغاضبة" قتلاً بالنحر والإغراق والحرق والسحل والتفجير... وغيرها من البشاعات التي تشمئز منها حتى العجماوات!

الغنوشي محق في جانب واحد. هؤلاء "الدواعش" يعتمدون على تأويلات وتفسيرات ملتوية للنصوص الدينية. فهم يأخذون من النص ومن سير السلف ومن حوادث التاريخ ما يؤمّن سنداً فقهياً لفكرهم التكفيري وقاعدة لارتكاباتهم الدموية. وبدلاً من أن يعمد منظرو الإسلام السياسي إلى وضع تلك النصوص والسير والتواريخ في سياقها المكاني والزماني، والنظر إليها بعين العقل المجرد... إذ بهم ـ كما الغنوشي وأمثاله ـ يلجأون إلى فذلكات لغوية تشتت إنتباه الناس عن حقيقة جماعات الإسلام السياسي وجوهر تفكيرها التكفيري.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017