شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2017-03-16
 

كيف أقرأ سعاده وكيف أفهمه

شحاده الغاوي - مجلة الفينيق

قليلون جداً في التاريخ هم الفلاسفة والمصلحون والمعلمون الذين يستطيعون حشد أفكاركبيرة وقضايا واسعة والتعبير عنها بعبارات قصيرة وكلمات قليلة، وأقل منهم من تخلدت أقوالهم وأصبحت عناوين لا تنسى أبداً يرددها الناس كالآيات. وقليلون أيضاً هم الناس الذين يرددون أقوال الفلاسفة والمصلحين والمعلمين ترديداً فاهماً مدركاً عارفاً بمراميها ومعانيها الحقيقية.

هكذا هي مثلاً عبارات: “إقتتالنا على السماء أفقدنا الارض”، و”المجتمع معرفة والمعرفة قوة”… وغيرها الكثير مما اشتهر سعاده به، وبقي تلامذته يرددونها كالآيات.

إن هذه الأقوال تختزن معاني كثيرة وكبيرة، وتستبطن قضايا واسعة. وهي عصارة تفكير كثير واختبار عميق جداً في الحياة. وليس من السهل على التفكير العادي للناس إدراك أبعادها الكاملة. لذلك نجد الكثيرين يستعملونها في غير مكانها وغير معناها الحقيقي، وبعيداً عن المقصود من قولها.

هذه مسألة “الثقة” مثلاً التي يتخذها القوميون الاجتماعيون مبدأ لا يحيدون عنه في فهم نظامهم وتطبيقه. فسعاده كان يشدد كثيراً ودائماً على مبدأ الثقة، فيقول مثلاً “إن مبدأ أساسياً من مبادئ الحزب المناقبية هو مبدأ الثقة، فعلى أساس الثقة تقوم حركتنا وبالثقة نعمل…” (من رسالته إلى مجلس إدارة جريدة “سورية الجديدة”، تاريخ 15-11- 1939).ولكن القوميين الاجتماعيين فهموا كلام سعاده عن الثقة فهماً مطلقاً غير مقيد، مما أفقده معناه الحقيقي والمقصود منه. وهم قرأوا نصف قول سعاده وليس كله. ففي نفس الجملة نراه يكمل رأساً بعبارة: “ولكن الثقة تمتحن، ومراجع الحزب لا تفهم الثقة كشيء شعري خيالي بل كشيء حقيقي واقعي… والثقة تتطلب الصراحة الكلية والجلاء التام”. وبقي القوميون إجمالا يثقون بمن تم اختباره وامتحانه وكان غير جدير بالثقة، ذلك أنهم لم يقرأوا قول سعاده جيداً.

مثال آخر من أقوال سعاده: “إنكم ملاقون أعظم انتصار لأعظم صبر في التاريخ”. هذا القول أيضاً لم يقرأه القوميون كله بل نصفه. إنه قول مشروط وليس قولاً مطلقاً، إنه مشروط بالتمسك بالإيمان والصبر على الشدائد. يقول: “فإذا تمسكتم بإيمانكم القومي الاجتماعي الذي هداكم إلى الحق كل التمسك الذي لزمتموه حتى الآن، وصبرتم على الشدائد والمكاره كل الصبر الذي يحتمله طيب عنصركم، فإنكم ملاقون أعظم انتصار لأعظم صبر في التاريخ”.

هذه القضية فتحت وأثيرت في حلقة حوارية مؤخراً ضمت نخبة من تلامذة سعاده العتاق من أهل الفكر والثقافة والعلم. ومع ذلك فقد اختلف الرأي حول المعنى الحقيقي، أو قل المدى الممكن بلوغه في تأويل المقصود من القول التالي لسعاده: “ليس من سوري إلا وهو مسلم لرب العالمين، فمنا من أسلم لله بالقرآن ومنا من أسلم لله بالإنجيل ومنا من أسلم لله بالحكمة، فقد جمعنا الإسلام وأيد كوننا أمة واحدة، وليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا وحقنا ووطننا إلا اليهود”.

وكانت التعليقات والتساؤلات يدور أكثرها حول تعميم وإطلاق الحكم هكذا: ليس من سوري إلا… ( يعني جميع السوريين إطلاقاً)، وأيضاً: إلا اليهود… (يعني اليهود كلهم ووحدهم وليس غيرهم).

فماذا عن السوريين الذين ليسوا مسلمين لا بالقرأن ولا بالإنجيل ولا بالحكمة، أليسوا هم سوريين؟ وهل يجردهم قول سعاده من هويتهم وصفتهم السورية؟ وهل صحيح أنه ليس لنا من عدو غير اليهود، فماذا عن الوهابية التكفيرية مثلاً وماذا عن الأتراك والمستعمرين على اختلافهم؟ وهل صحيح أن اليهود كلهم إطلاقاً أعداء لنا بمن فيهم الذين لا يأخذون بخرافة “الشعب المختار” و”أرض الميعاد” ويعتبرونها وعوداً إلهية بالجنة السماوية وليس الأرضية، ويعادون الصهيونية ويرفضونها؟

وقد تطور الحوار والنقاش إلى التساؤل التالي: هل أبقى قومياً اجتماعياً إذا لم أكن مؤمناً بقول سعاده هذا؟ هل قسمي وتعاقدي مع سعاده على المبادئ الأساسية والإصلاحية وغاية الحزب يلزماني بالموافقة على كل أقواله ومنها القول المذكور فوق الذي لا أوافق عليه؟ وهل يجوز للقوميين الشك بصحة أي قول من الأقوال لسعاده، هل يحق لهم ذلك مع بقائهم مؤمنين به زعيماً ومعلماً وهادياً للأمة والناس؟ بعد هذا الحوار والنقاش والتساؤلات التي نجمت عنه، أحببت أن أوجز رأيي في هذا الموضوع في مقالة تحت عنوان: “كيف أقرأ سعاده وكيف أفهمه”.

لكي تقرأ فيلسوفاً معيناً وتفهمه يجب عليك أولاً أن تدرس وتعرف منهجه وأسلوبه، وأن تستعمل أنت أيضاً هذا المنهج وهذا الأسلوب في قراءتك وتفسيرك له ولأفكاره. يجب أن تتمثله وتسير معه وترافقه ابتداء من منطلقاته ومسلماته وصولاً إلى استنتاجاته الأخيرة. وهذا لا يحصل لك من القراءة الأولى، بل يتطلب منك قراءة متكررة لجميع أعماله وتفهماً لغايته وأهدافه البعيدة الأخيرة.

وهذا ليس صعباً أبداً، فليس أسهل من سعاده. إنه يدلك بنفسه ويعلمك كيف تقرأه ويعطيك أمثلة عن ذلك!

تجد ذلك في تتبع منهجه، أي طريقته وأسلوبه، في قراءة نصوص الإسلام المحمدي والإسلام المسيحي، وكيف توصل إلى تفسيرها وإلى الاستنتاج بوحدة الرسالتين من الوجهة الدينية الروحية، وكيف علل وفسّر سبب الاختلاف من الوجهة الدنيوية التشريعية. يقول في هذا الصدد ما يلي: “إن الاستدلال على معنى الآيات، مسيحية كانت أو محمدية، بصورة استبدادية ومن غير الرجوع إلى موضع الآية وموضوعها والحالة أو الحادث الذي نزلت فيه هو أمر كثيراً ما يفضي إلى غير أو عكس المعنى المقصود من الآيات الدينية التي منها ما هو مطلق ومنها ما هو مقيد، فيجب فهم كل ذلك بدقة لإصابة المعنى الحقيقي والغرض المقصود من الآيات”.

وهذا الأمر الذي أعلنه سعاده منذ خمس وسبعين سنة نتعلمه اليوم في دروس الفلسفة حيث يجب أن نعرف متى قال الفيلسوف ما قاله، ماذا كانت الظروف الثقافية وقتذاك، ومن كان يخاطب، وماذا كان المستوى الثقافي والمعرفي للمتلقين، وما هو الموضوع الرئيس الذي كان يتكلم عليه، وماذا كانت الغاية الأخيرة لما قيل… إلخ.

هكذا كان منهج سعاده في قراءة النصوص وفهمها، وهكذا يجب أن يكون منهجنا نحن في قراءة نصوصه هو وفهمها. لا يوجد سبب يمنع من استعمال هذا المنهج في قراءة سعاده وفهمه، بل إن كل الأسباب توجب أن نستعمله.

نعود الآن إلى النص موضوع هذا المقال: “ما من سوري إلا وهو مسلم…”. فلنقرأه حسب منهج سعاده.

أطلق سعاده هذا القول في رسالته إلى القوميين الاجتماعيين والأمة السورية في صدد وضع فلسطين وحالتها الحاضرة (وقت ذاك) وموقف الحزب السوري القومي الاجتماعي. هذه الرسالة كتبها على إثر منع الحكومة اللبنانية “أحتشاد أكبر قوة قومية عامة في الوطن السوري تريد إعلان موقفها من المسألة الفلسطينية وتجاه مطامع اليهود…”

هذا ما كان موضع الرسالة وموضوعها. لم يكن سعاده يعقد بحثاً مستقلاً في أديان السوريين وفي من يعاديهم أو لا يعاديهم في دينهم. إنه لم يقارب موضوع الدين إلا من حيث علاقته بالقضية القومية التي هي وحدها موضوعه وقضيته.

إن فهم موضع وموضوع قول سعاده يبدأ من قراءتنا لما قبله ولما بعده، وفهم الفكرة الرئيسة التي كان يهمه أن يوصلها.

 ما قيل رأساً قبل تلك العبارة هو: “لم يكن يخطر في بال أحد أن يفكر في إنشاء جيش سوري لتحرير سورية (ومنها فلسطين)، ليس لأنه لا يوجد في سورية رجال يصلحون للحرب بل لأن الرجعية كانت تجهل وجود حقيقة سورية، ولأن التفسخ الروحي الداخلي وانقسام الشعب على ذاته في الحزبيات الدينية لم يجعلا ممكناً التفكير في إنشاء جيش سوري. لم يكن معقولاً إنشاء جيش سوري على غير أساس طائفي”.

وما بعده هو: “إني أدعوهم إلى نبذ الحزبيات الدينية والتآويل الطائفية البغيضة، تلك الحزبيات والتآويل التي أوّلت الدين تأويلاً فاسداً وقالت غير ما قاله الله”.

من قراءة النص السابق والنص اللاحق يتبين بوضوح أن سعاده كان يخاطب أهل الإيمان الديني تحديداً من السوريين ليدعوهم إلى ترك التأويل الفاسد للدين، هذا التأويل الذي أدى إلى التفسخ الاجتماعي وانقسام الشعب على ذاته مما جعل من المستحيل إنشاء جيش سوري على الأساس القومي بدل الأساس الطائفي الذي يشله ويمنعه من أداء مهمة التحرير.

وكأني بسعاده يقول: ما من سوري من أهل الإيمان الديني إلا وهو مسلم لرب العالمين… ذلك أن السوريين من غير أهل الإيمان الديني لا يأولون الدين ولا حاجة لسعاده ليقول لهم “إني أدعوكم إلى نبذ الحزبيات الدينية والتآويل الطائفية البغيضة”. إن من يخاطبهم سعاده إذاً هم من يؤولون الدين بما يؤدي إلى التفسخ الروحي وانقسام الشعب، وليس جميع السوريين بشكل مطلق.

إن قول سعاده لم يكن مطلقاً بل كان مقيداً، حتى وإن كانت صيغته فيها تعميم (ما من سوري إلا) وفيها تخصيص (إلا اليهود).

هذا هو أسلوب سعاده وهذا هو بيانه، وهكذا يجب أن نفهمه. وما يؤكد وجهة نظرنا هو أقوال سعاده الأخرى وفي أماكن متعددة. وهي أقوال تشدد على حرية الاعتقاد الديني لجميع السوريين وعدم جواز الطعن بأي مواطن بسبب اعتقاده الديني الشخصي. وهذا بعض منها:

“فالدين يكون له (للقومي الاجتماعي) أمراً شخصياً خصوصياً يتعلق بالسماء ويختص بها. فكل من يطبق التعاليم السورية القومية الاجتماعية ويسير على منهاجها ويخضع لنظام الحزب، فهو قومي صحيح ولا نسأله عما يعتقد وراء ذلك”. (من رسالة إلى يعقوب ناصيف تاريخ 7-8-1947).

وأيضاً: “لا رغبة لي الآن في التحول عن موضوع التعاليم السورية القومية الاجتماعية وقضايا الأمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلى مواضيع اللاهوت والمذاهب الدينية… وأقل من ذلك رغبتي في مناقشة من يريد محاسبتي على ما أعتقد في الله والوجود والكون والنفس والروح والمادة”. (من رسالته الثانية إلى غسان تويني تاريخ 7-4-1946).

وأيضاً: “ولا تنسوا أيضاً أن الحزب لم يمنع أحداً قط من إظهار معتقداته الفلسفية من أي نوع كانت في كتاباته، فيمكنكم أن تنشروا أفكاركم واستنتاجاتكم في الخلق والوجود والنشر والحشر والحساب، وليوافقكم على ذلك من شاء وليخالفكم من شاء”.

بالإضافة إلى هذا كله، هناك مسألة هامة جداً يجب أن ننتبه لها في قراءتنا وفهمنا لسعاده، ولغيره أيضاً، وهي التفريق بين الأقوال والنصوص الوصفية من جهة والأقوال والنصوص المعيارية من جهة أخرى. النصوص الوصفية هي تلك التي تصف حالة معينة كما هي، أما النصوص المعيارية، ونسميها أيضاً وجوبية، فهي التي تتضمن موقفاً من الموضوع ودعوة إلى ما يجب عمله في صدده. مثال على ذلك من كتابات سعاده الوصفية، مقالته عن مشغرة حيث صناعة الجلود والاتجار بها. هذه المقالة لم تعد صحيحة اليوم حيث أنه لم يعد يوجد في مشغرة اليوم لا صناعة جلود ولا من يصنعون. لكن عدم صلاحية تلك المقالة اليوم لا ينتقص من قيمتها وصحتها وقت كتابتها. وقد روى لنا حضرة الأمين أحمد أصفهاني أنه حين كان يحرر “رسائل إلى ضياء” (أي رسائل سعاده إلى زوجته الأمينة الأولى) بالتعاون مع الرفيق بدر الحاج، لفت نظره في إحداها إستعمال سعاده كلمة “عبدان” لوصف رجلين أفريقيين في المطار الذي توقفت فيه طائرته وهو في طريق العودة إلى الوطن. ويعترف الأمين أحمد أنه فكر في تعديل أو حذف كلمة “عبدان” لأن سعاده لا يجوز أن يسمي الأفريقي عبداً. ولكنه انتبه إلى أن سعاده كان يصف مشهداً معيناً ولم يكن يشرح عقيدته، وأنه في ذلك الوقت كانت كلمة “عبد” شائعة ومستعملة على عكس ما هو حاصل اليوم، فأبقاها حرصاً على الأمانة في نقل النص.

أما النصوص المعيارية – الوجوبية فنجدها في جميع شروح سعاده للعقيدة، وهي أكثرية كتاباته الساحقة.

إن نص “كلنا مسلمون لرب العالمين…”  يمكن اعتباره من النصوص الوصفية التي يمكن أن تتغير وقائعها. ويمكن القول إنه في سنة 1946 كان جميع السوريين مسلمين، أما اليوم فربما لا.

هذا ما أحببت قوله بخصوص المقطع الأول من عبارة “كلنا مسلمون…” أما المقطع الثاني، وهو الأهم، والمتعلق بالعداوة مع اليهود، فسيكون موضوعنا في العدد القادم من مجلة “الفينيق”.


 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه