شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2017-10-07
 

تأسيس اليهودية السياسي*

راجي سعد

امام استعمال الغرب للحرب الثقافية او الغزو الفكري لاحتلال عقلنا اولا قبل احتلال ارضنا، وبالاخص استعمال الصهاينة "للغزو" الديني ورواياته التاريخية كعامل اساسي لشرعنة احتلاله و"اعادة" استيطانه لفلسطين، لا بد من مواجهة هذه الحملة لتزوير التاريخ وتجميد العقل من خلال ’الايمان’ بالاعتماد على الاكتشافات الاركيولوجية الحديثة وعلى العلوم المساعدة الاخرى كعلم الاجتماع والنباتات والبيئة الطبيعية في اطار نظام يعرف ب"العلوم المتعاونة" وعلى الوثائق التاريخية التي وصلت الينا من تلك الحقبة. في هذا البحث سنضع روايات التوراة تحت مجهر هذه العلوم والاكتشافات الحديثة وندرس الواقع السياسي الذي ساهم في تاسيس اليهودية كدين وكجذر اساسي في الدعاية الصهيونية، لكي يشرع لنا العقل ما هو خيالي وتزويري وما هو حقيقي وواقعي فيكون احد الاسس المتينة لخطة معاكسة للرد على الخطة الصهيونية.

التوراة والعصر البرونزي والحديدي

ان المسح الاركيولوجي الكامل والمكثف لفلسطين حتى نهاية القرن الماضي لم يجد اي دليل يُثبت حكاية التوراة عن الترحيل من مصر و”تجول الاسرائيليين في سيناء"(1) او غزو واحتلال ارض كنعان من شعب عبراني في العصر البرونزي (1500 – 1200 ق.م.). كذلك فالرواية التوراتية عن المملكة المتحدة (يهودا والسامرة) في القرن العاشر ق.م. لا تتوافق مع الوثاثق التاريخية من تلك الحقبة ففرعون مصر شيشق في سجل حملته على آسيا في أواخر القرن لم ياتي على اي ذكر لمدينة اورشليم ومملكتها ولا على استيلائه على "كنوز بيت الرب" فيها بعد موت سليمان كما تقول التوراة، ولا يوجد ايضا اي وثيقة تاريجية اشورية تذكر قيام مملكة متحدة وعلى راسها ملك حكيم وصلت شهرته الافاق، رغم ذكر هذه الوثائق لكل الممالك الارامية-الكنعانية الاخرى الموجودة ما بين الفرات والبحر المتوسط. ان كل ذلك وغيره من الابحات الاركيولوجية والعلوم البيئية والمناخية تنفي امكانية وجود المملكة المتحدة تحت قيادة الملك داوود وابنه سليمان من بعده واقامته هيكل عظيم في اورشليم القدس التي "لم تكن اكثر من قرية فقيرة" في القرن العاشر قبل الميلاد!(1)، حسب استاذ الجيولوجيا في جامعة تل ابيب، اسرائيل فنكلستين، المعروف ب"اب جيولوجيا التوراة".

كذلك لا يوجد اي دليل علمي او اركيولوجي او توثيقي يدل على ان هذه المملكة انقسمت الى مملكتي يهوذا والسامرة. ان اول ذكر تاريخي لدولة السامرة (اسرائيل)، التي امتدت من اريحا وبيت ايل الى حدود لبنان وكان على راسها ملك اسمه العمري، ظهر في الوثائق العسكرية الاشورية في العام 880 ق.م. تقريبا. تقول هذه الوثائق ان السامرة كانت من الممالك التي قلّبت تحالفاتها في الصراع الدائر بين مملكة آرام في دمشق ومملكة اشور في بلاد النهرين الى ان قضى عليها الاشوريون نهائيا في العام 721 ق.م.(2) وسبوا اهلها الذين لم يعودوا اليها قط، وذلك ضمن سياسة السبي وتبديل السكان وتكريمهم في وطنهم الجديد التي اتبعها الاشوريون مع معظم الشعوب التي غزوها. خلال فترة قيام هذه المملكة لا تخبرنا الوثائق الاشورية عن اي مملكة اخرى باسم يهوذا الا بعد 732 ق.م.، اي قبل نهاية مملكة السامرة (اسرائيل) بقليل وهذا يتقاطع مع المسح الاركيولوجي والعلوم المتعاونة الاخرى التي اثبتت عدم امكانية قيام دولة يهوذا من اورشليم شمالا حتى بئر السبع جنوبا قبل القرن الثامن ق.م..

المكتشفات الاثرية ايضا تعطينا صورة عن ثقافة كنعانية واحدة مستمرة من العصر البرونزي الاخير (1500-1200 ق.م.) الى عصر الحديد (600-1200 ق.م.)، فديانة يهوذا والسامرة كانت استمرارًا طبيعيًّا لديانة عبادة الخصب الكنعانية والآلهة التي عُبِدَتْ كانت آلهة كنعانية تقليدية (أيشيم، بت ايل، إلخ) ويهوه هو واحد من الآلهة وكان متزوجا من الآلهة عشيرة الكنعانية. كذلك فالروابط التي جمعت بين سكان يهوذا والسامرة ليست اكثر من الروابط التي جمعت بين اي مملكتين في جنوب بلاد الشام وسكانها هم جزء من المزيج الاثني الذي ارتحل واستقر حسب العوامل المناخية والحربية ولا يجمعما اصل اثني واحد وليس لهم اي علاقة بالاثني عشر سبط المذكورة في التوراة.


سقوط بابل وسياسة التوطين

بعد سقوط الدولة الاشورية في 612 ق.م. وصعود الدولة الكلدانية البابلية بمساعدة الميديين الفرس، استغلت مصر ومملكة يهوذا الوضع فحاولت مصر اخضاع بلاد الشام لنفوذها وحاولت يهوذا مد نفودها غربا وشمالا فواجههم القائد الكلداني-البابلي نبوخد نصر واستعاد بلاد الشام من المصريين وقضى على مملكة يهوذا نهائيا في 587 ق.م.، بعد تدمير اورشليم والمدن المجاورة لها حسب التنقيبات الاثرية، وسبى حوالي 10 آلاف من اهلها الى بابل "ولكنه ابقى من مساكين الارض كرامين وفلاحين" حسب التوراة (الملوك الثاني 8:25-21).

خلال فترة عمر المملكة البابلية القصير (612 – 539 ق.م.) وخاصة في فترة الملك نابونيد، آخر ملوك بابل، بدـأت تظهر ملامج لتغيير الاستراتيجية الاشورية السكانية السابقة التي دمرت المعابد والغت الآلهة المحلية وسبت اكثر من 100 شعب ووزعتهم على مناطق مختلفة وكرمتهم في مناطقهم الجديدة وذلك لتحقيق حالة من التوازن الاثني يضمن سيطرتهم عليها(3). الاستراتيجية البابلية الجديدة كان عنوانها "اعادة التوطين" على اسس تضمن لبابل السيطرة على هذه المجتمعات القديمة المتجددة ودمجها في الامبراطورية. في نص للملك نابونيد، آخر ملوك بابل، عن اعادة استيطان مدينة حران على اعالي الفرات وبناء هيكلها تظهر ثلاث افكار رئيسية حسب الباحث فراس السواح وهي "1. فكرة الإله الواحد 2. فكرة إعادة بناء هيكل هذا الإله الواحد 3. بناء مجتمع جديد يتمحور حول الهيكل والهه". يستنتج السواح من هذه الافكار "ان الادارة الامبراطورية كانت في طريقها الى جمع شعوب الامبراطورية تدريجياً تحت معتقد ديني، يبحث في كل اله محلي عن صورة للاله الأوحد البابلي"(2).

بعد قضاء الفرس بقيادة قورش على المملكة البابلية-الكلدانية في 539 ق.م.، اتبع قورش نفس سياسة نابونيد البابلية لاعادة الاستيطان، كما دونتها لنا "اسطوانة قورش"(4). يعتبر قورش في هذه المدونة ان مردوك، اله بابل الذي هجرها، دعاه لانقاذ شعبها ولذلك "فتحت بابل ابوابها له من دون مقاومة" ويتابع بعدها "أعدْتُ جميع آلهة أكاد، أرض إشنونة، مدينة زمبان، مدينة ميتورنو، دير، وصولاً إلى حدود أرض غوتى، الاماكن المقدسة العابرة-نهر-دجلة، التي أُهدرت مقاماتها لفترة طويلة، وجمعْتُ شعوبها كافة وأعدْتهم إلى أوطانهم وإلى المقدسات التي تسر فؤادها". قد تبدو سياسة اعادة بناء المدن المقدسة وهياكلها واعادة استيطانها واعادة الاعتبار لآلهتها هذه بانها "اول شريعة لحقوق الانسان" للكثيرين ولكن في دراسة لمايكل ديفيد ماغي بعنوان "كيف فارس خلقت اليهودية: ديانة الفرس واليهودية"(3) يستنتج الكاتب ان " سياسة كورش الدينية كانت امتداد لسياسته الواقعية لكي يعطيها طابع الارادة الالهية، بغض النظر عن هوية الاله المحلي. هو اعاد صياغة مردوخ (البابلي) ويهوه (اليهوذي) في قالب يتناسب مع الاله الشمولي، اهراموزدا". الغاية من تكريم الآلهة المحلية وضمان استقلالية محدودة لها ضمن اطار يتبع اله للامبراطورية الجديدة ’الاعلى’، هو كسب ثقة رجال الدين والنخب المحلية والمساعدة في دمجهم فى النخبة الحاكمة الجديدة ليضمن استقرار حكمه ويحول دون نشوب ثورات.


"اعادة" إستيطان يهوذا

يعتقد المؤرخون ان احد الاسباب التي جعلت كورش يختار يهوه من كل الآلهة في الاماكن العابرة-نهر-دجلة (غرب دجلة) ويسعى جديا لاعادة استيطان اورشليم وبناء هيكلها هو استعمال منطقة يهوذا كحاجز بين أراضيه وأراضى مصر، ويظن البعض الآخر (بدون وجود دليل تاريخي) انه ربما مساعدة بعض ابناء جالية يهوذا له لدخول بابل من دون مقاومة(5) ساهم في تنصيب احد شخصياتهم المعروفة، دانيال، وزيرا في بلاطه الملكي، وفي اصدار المرسوم يقضي بعودتهم الى يهوذا مع تحمله نفقات العودة وبناء الهيكل.

رغم سعي كورش الحثيث لاعادة الاستيطان فاهالي يهوذا البابليين رفضوا العودة ولم يبدا الاستيطان بشكل فعلي الا بعد 19 سنة في الحملة الثانية عام 521 ق.م. في عهد الملك داريوس الزرادشتي الذي أمر حسب التوراة (عزرا 6 9 – 12): "وما يحتاجون اليه من الثيران والخراف والكباش محرقة لاله السماء لتُعط لهم يوما بيوم، حتى لا يهدأوا من تقريب روائح سرور لاله السماء، والصلاة لاجل حياة الملك وحياة بنيه... والله الذي أُسكِنُ اسمه هناك يهلِك كل ملك وشعب يمد يده لتغيير او هدم بيت الله هذا الذي في أورشليم. أنا داريوس قد امرت فليفعل آجلا". داريوس نصب زربابل (الاسم لا يدل على انه من يهوذا بل زرادشتي ويعني "منقد بابل"(3)) واليا على يهوذا وأمن عودته مع اكثر من 42 الف عائد/ مستوطن مع الالتزام بكل نفقات الاستيطان وبناء الهيكل. تبع ذلك حملة ثالثة حملة ثالثة المؤلفة من 2000 شخص بقيادة الكاهن الفقيه عزرا في 457 ق.م. وتبعها بعده تعيين نحميا واليا على يهوذا في 445 ق.م. من قبل الملك أرتحشتا. الجدير بالذكر ان نحميا كان "ساقي الخمر" (cupbearer) في ديوان الملك ارتحشتا الزرادشتي واذا اخذنا بالاعتبار ان قانون الطهارة الصارم لحماية المتدينين الذي وضعه الكهنة الزرادشتيين لا يسمح بان يُلمس او يُشرب من فنجان اذا لم يكن طاهر دينيا ولذلك لا بد أن يكون نحميا كاهنا زرادشتيا ولم يكن يهوديا(3)

ان مهمة عزرا، "كاتب شريعة اله السماء" كما وصفه الملك أرتحشتا (اله السماء هو اهراموزدا للفرس وليس يهوه كما يحلو للبعض تفسيره(3)) كانت في نشر وفرض شريعة الملك التي انزلها اله السماء، كما يبدو ذلك واضحا في الامر الذي اصدره أرتحتشا لعزرا وقال فيه "والذين لا يعرفون فعلمهم. وكل من لا يعمل شريعة الهك وشريعة الملك فليقض عليه عاجلا اما بالموت او بالنفي او بغرامة المال والحبس (عزرا 7: 1-26). عزرا نفذ الأمر كما طلب منه فيخبرنا التوراة انه قرأ وشرح الشريعة "امام الرجال والنساء والفاهمين" لمدة سبعة ايام فقطع الشعب ميثاقا "ودخلوا في قسم وحلف ان يسيروا في شريعة الله التي اعطيت من يد موسى عبدالله، وان يحفظوا ويعملوا كل وصايا الرب سيدنا واحكامه" (نحميا 10: 1 – 29). لا يخبرنا التوراة عن مبادئ هذه الشريعة لكنه يخبرنا ان الشعب كان جاهلا لها ولم يكن له خيار ايضا الا القبول بها والا قُضي عليه "بالموت او النفي او بغرامة المال والحبس"، ويخبرنا سفر نحميا ايضا ان السكان الاصليين من السامريين واهالي اشدود وغيرهم قاوموا بناء اسوار اورشليم وخططوا لمهاجمتها.

بالاضافة الى ذلك فاكتشاف رسائل وجدت في جزيرة الفنتين بين ضفتي نهر النيل قرب اسوان في مصر، لمهاجرين من اهالي يهوذا ربما اتوا للعمل في القرن السادس (قبل السبي) واستوطنوا هناك وبنوا هيكلا، تُبين لنا انهم كانوا يعبدون يهوه "كنعاني"(3) يختلف كليا عن يهوه الذي بشر به عزرا، بالاضافة الى آلهة اخرى.


تأسيس اليهودية

يستنتج الباحث فراس السواح ان "شريعة الملك" كانت النواة للشريعة التوراتية التي اسسها عزرا "ابو اليهودية" والتي اعتمدت على الايديولوجية الدينية الفارسية الزرادشتية المتمثلة باله السماء الاوحد، اهراموزدا، ومحاولة ربطه بيهوه، والقوانين الفارسية لادارة الامبراطورية، والتقاليد المحلية. هذه الشريعة تطورت على مدى قرنين في ما بعد عن طريق تلاميذ وخلفاء عزرا الذين اسسوا كهنوت راسخ في اورشليم فابتكروا "تاريخ للشريعة بهدف تاصيلها وتثبيتها" لتصبح "تقليدا مترسخا في المنطقة لا امرا عارضا مفروض عليها من الخارج" وتوسعت وتشعبت الفكرة لتشمل اشخاص واحداث واساطير من الذاكرة المحلية وتم ربطتها بتاريخ يهوذا والسامرة. ان وعد ابراهيم والوعود الاحقة بارض كنعان ما هي الا صورة عن وعد اله السماء لهم بالعودة الى يهوذا "وقصة استعبادهم في مصر هي نموذج بدئي لقصة سبيهم في بابل وفرعون القديم هو نبوخد نصر الجديد". واخيرا عمد كهنة اورشليم الى "جمع هذه الادبيات واعادة صياغتها بشكل اخير، وفق اطار ايديولوجي وكورنولوجي يضم التقاليد المتفوقة في كل موحد. وبذلك انجز كتاب التوراة، وظهرت اسرائيل التوراتية ككيان ذهني وادبي على انقاض السامرة ويهوذا المطمور تحت ركام الحطام الاشوري والبابلي"(2).

ان تاسيس نواة "اليهودية" كدين في مقاطعة يهوذا ابتدأ في أواخر القرن الخامس ق.م. وليس في اواخر العهد البرونزي (1200-1500ق.م.) كما يقص علينا التوراة وكان جزء من مشروع فارسي للسيطرة على قلوب وعقول الشعوب "المحتلة" في الامبراطورية الشاسعة عبر اعادة الاعتبار لآلهتها وتطبيعها لتكون نسخ محلية عن اله السماء الاوحد للامبراطورية، اهراموزدا. ان مقاطعة يهوذا الجديدة لم تكن تكملة لمملكتي يهوذا والسامرة فيهوه الجديد "الاهراموزدي" ليس له علاقة بيهوه القديم الكنعاني المتزوج من الالهة عشيرة الكنعانية، والمستوطنون الجدد لم يكن معظمهم من اصول يهْوَذِية ولم يكونوا على علم بالشريعة الجديدة التي فرضت عليهم وعلى السكان المحليين. ان تاسيس اليهودية عبر الاستيطان وفرض الشريعة الجديدة هو محاولة تبديل ثقافة كنعانية فلسطينية بدات قبل التاريخ الجلي واستمرت دون انقطاع لآلاف السنين بثقافة غريبة عنها، ادخلها الفرس الغزاة قسرا الى فلسطين في القرن الخامس ق.م. لاتباعها ثقافيا وسياسيا بامبراطوريتهم. (يتبع)*


* الجزء الأول من بحث عن "اليهودية والصهيونية والخطة المعاكسة"

المصادر:

(1) Bible, as History, flunks New Archeology Tests;

http://www.nytimes.com/2000/07/29/arts/bible-history-flunks-new-archaeological-tests-hotly-debated-studies-cast-doubt.html

(2) "آرام دمشق واسرائيل في التاريخ والتاريخ التوراتي" -فراس السواح

(3) How Persia Created Judaism: Persian and Jewish Religion – Michael David Magee

http://katehon.com/article/how-persia-created-judaism-persian-and-jewish-religion

(4) اسطوانة كورش Cyrus Cylinder

http://www.livius.org/ct-cz/cyrus_I/cyrus_cylinder2.html

(5) " سقوط بابل عام 539 ق.م ودور اليهود في ذلك" كاظم جبر سلمان الكرعاوي

http://www.uobabylon.edu.iq/uobcoleges/publication_view.aspx?fid=8&pubid=1722



 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه