شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2017-12-02
 

النأي بالنفس سرطان الذل والخراب

يوسف المسمار

كتب لي أحد الاصدقاء في بداية الغزو العالمي على الجمهورية العربية السورية يطلب مني اعتماد الرأي الحر والمستقل والحيادي في كتاباتي بدلا عن أتخاذ موقف قوي انحيازي ضد أعراب الجاهلية والخونة والمتهودين والمتصهينين والانتهازيين والصهاينة والمستعمرين ، فأجبته بمقال تحت عنوان : " الرأي الحر والمستقل والحيادي" ، وفي هذه الايام تروج بضاعة النأي بالنفس المستوردة من مصانع التضليل الصهيواميركية ومخازنها لتسميم عقول ونفوس أبناء أمتنا وتخديرهم لتسهيل طرق الغزو الثقافي البغيض الذي لم تحصد منه أمتنا الا الخراب والدمار المادي والنفسي .

ولذلك أرى من واجبي ان أضيف على ما كتبت سابقاً عن الحياد تعليقاً على النأي بالنفس الذي تفح به أنفاس المتآمرين والخائنين والجبناء والمتقاعسين والمخمولين . فالنأي بالنفس هو جرثومة السرطان الفكري المنتجة في مختبرات التضليل الباهرة في دول العدوان والتعدي على وجودات الأمم الكريمة المظلومة ومصالحها ومصائرها . فترويج كلمة " النأي بالنفس " ليس الا من أجل انتشار سرطان الجبن وتكاثر الجبناء ، وعدم تحديد معنى هذه العبارة ليس الا التضليل المقصود واخفاء الغاية من تسويق النأي بالنفس التي هي الاستسلام والخضوع ترسيخ التخاذل والخمول في كل مجتمع يتصدى ويقاوم مكائد ومخططات الارادات العدوانية الصهيواميركية .

ومروجو هذا المصطلح ببغائيون مأمورون جبناء لا يهمهم من الأمر الا الحصول على ارضاء أسيادهم، والحصول على براءة ذمة من مشغليهم لقاء حفنة من الدولارات الملطخة بدماء آبائهم وأمهاتهم، وأخوتهم واخواتهم وأبناء أمتهم .

والذين يطلبون ويطالبون بالنأي بالنفس فاتهم أن كلمة النأي بالنفس هي من أسوأ الكلمات الجرثومية التي أدخلت على اللغة لسرطنتها وسرطنت نفوس وعقول المتكلمين بها . ففعل نأى يعني من حيث اللغة ابتعد وذهب بعيداً عن شيء أو وضع أو حالة عن سابق تصميم واصرار. والنائي هو البعيد البعيد المنزوي والمنعزل في دهليز فرديته ولا ينتظر منه خيراً لا لنفسه ولا لمجتمعه .

فما هو المقصود بالنأي بالنفس عند مبتكري ومروجي ومسوقي هذه الدعوة غير النأي عن نصرة الحق والعدل ودعم أهل الحق والعدل ومقاومة ومهاجمة الباطل والظلم ووضع حد لأهل الباطل والظلم ؟

وهل يجوز او يحق أو يجب أن ينأى الانسان عن نصرة الحق والعدل وأهل الحق والعدل ؟ وهل يصح أن ينأى أصحاب العقول النيّرة ويهربون من التصدي للباطل والظلم وأهل الباطل والظلم ؟

وللذين يحاولون التلاعب في الكلام ويقولون ان النأي الذي نعنيه هو النأي عن الباطل والظلم فاتهم ان الباطل والظلم لا يحق النأي عنهما بل الواجب الواجب هو محاربتهما وسحقهما مهما كلف الأمر من تضحيات ، ومهما استغرقت الحرب عليهما من وقت حتى ولو استمرت قروناً وعصورا . فليس بين الحق والباطل هدنة، ولا بين العدل والظلم مصالحة ما دام الحق حقاً والباطل باطلا ، وما دام العدل عدلاً والظلم ظلماً ، وما دام في هذا الوجود أهل حق وعدل يرفضون كل عدوان على حقوقهم وسيادتهم على أنفسهم وبلادهم .

ان استعمال وترويج مصطلحات النأي بالنفس ، والحياد ، والرأي الحر والرأي المستقل في شعب محاط بأعداء وجوده من كل الجهات ليست سوى مصطلحات تضليل وتعمية ، وتشويه حقائق ، وتخدير عقول ، وحقن النفوس بجراثيم التخاذل والجبن ليجهز علينا اعداؤنا ويقتلعوننا من وطننا وجوداً وحضارة وتاريخاً وحاضراً ومستقبلاً. وهذه هي الحقيقة من ترويج مصطلحات التضليل وحرف البصائر عن الأخطار التي كانت ولا تزال ومستمرة في تهديدنا ما دامت تقاليد الخرافة والجاهلية والغباء سارية المفعول في أوساطنا ومهيمنة على مدارك الغالبية من أبناء وبنات أمتنا ، وما دامت جرثومة السرطان اليهودي الصهيوني تتحرك داخل بيئتنا، وما دامت حكومات دول العدوان والاجرام الاستعمارية تمد تلك الجرثومة بمصل البقاء والحياة وتخصها بكل موارد وأساليب وفنون العناية .

النأي بالنفس يعني بما لا يقبل الشك دفن الرأس في الرمال ليصطادنا عدونا بدون تعب ومن غير قتال، يقنعنا بالاستسلام لمكائده فنقوم بقتل أنفسنا بأنفسنا من غير أن يكلّف الأعداء أنفسهم باطلاق رصاصة واحدة علينا . وهذا يعني أن نقدّم مواردنا وكل تراثنا طعاماً على طاولة من ذهب لحكومات اعدائنا ، وأن نجعل من أنفسنا بساطاً لأحذية جنودهم وطريقأ سالكة لدباباتهم ، وأن نجعل من أجسادنا وأعضاء أجسادنا مواداً نافعة لمختبراتهم .

واذا كان الرأي الحر والمستقل والحيادي يمكن أن ينفع في بعض الأحوال في الوصول الى بعض حالات واوضاع عادلة كما يمكن ان يؤدي الى اوضاع تدميرية رهيبة، فاننا نجزم ان النأي بالنفس ليس الا الهروب من الحياة الكريمة الذي يؤدي الى الانعزال والخمول في مقابر التاريخ .

اننا من دعاة وأصحاب الرأي الحر الواعي النافع، والرأي المستقل عن الجهل والجاهلية والشر ، الحياد العادل المنصف الذي لا يظلم أحداً ولا يتهاون بحقوق أحد . ولكن الرأي الحر والمستقل كما أجبت الصديق الذي طلب مني اعتماد الرأي الحر والمستقل والحيادي في كتاباتي " لا يمكن ان يكون ولن يكون كما أجبته ولن يفيد في مجتمع مستعبّد ومستعمَر وتابع،بل يكون في المجتمع الحر والسيد على نفسه ووطنه . لذلك أقول لا يوجد رأي حر في كل المجتمعات التي تدور في أفلاك الدول الاستعمارية الجائرة . فقبل أن يكون للمواطن رأي حر ، ينبغي أن يكون مجتمعه حراً.ولا قيمة لرأي فرد مهما كان حراً الا اذا كان من مجتمع حراومتقدماً .

أما الحياد فيستحيل أن يكون ويقوم بين حق وباطل ، وبين عدل وظلم ، أو بين معتدي ومعتدى عليه . لقد أقامت دول الاستعمار الغربي البربرية الهمجية دولة الكيان اليهودي الصهيوني بالعدوان على شعبنا ووطننا، ولم يكن نشوء ذلك الكيان حصيلة حق وعدل ، ولذلك لا مجال للحيادية في هذا الشأن ، والحيادية الوحيدة المقبولة حقاً وعدلاً هي الانحياز الى جانب حقوقنا مهما كلفنا ذلك من التضحيات، وهذا ما يرتّب علينا واجباً مقدساً ثابتاً وأبدياً هو واجب الحرب أي الدفاع عن حقنا الى أن ينتهي العدوان ويُسلـّم أعداؤنا بحقنا فتتوقف حربنا وعندها لن نعامل عدونا الا بما تتطلب منا نفوسنا الجميلة وطبيعتنا الخيّرة ، وجوهرنا الحضاري البديع الذي جوهر الحق والخير والجمال والعدالة لنا ولأصدقائنا وأعدائناأيضاً وأيضا .

أما اذا بقيت الدول الاستعمارية المتغطرسة ممعنة ومستمرة في دعم العدوان ومساندته بكل الاساليب والوسائل والموارد ، فانها حتماً تبقى عدوة لنا، وعلينا أن ندافع عن أنفسنا بكل أمكانياتنا، بل علينا أن نبقى في استنفار دائم وفي حرب مستمرة معها الى أن توقف مساعداتها لعدونا وتعترف بحقوقنا وتحترمها . ولا يجوز ولا يحق أن يكون هناك سلام ما دام الاعتداء قائم حتى لو استمرت الحرب الى يوم القيامة ونهاية البشر . واللقاء الوحيد بيننا وبين الاعداء هو لقاء النار بالنار ، والحديد بالحديد حتى ولو بلغ شهداؤنا أجيالا وأجيال . فالحق في صراع مع الباطل الى أن يسحق أحدهما الآخر ، ولا يمكن أن تكون نتيجة الصراع إلاّ انتصار الحق وسحق الباطل. ان الباطل كان زهوقا .

كل رأي لا تكون وجهته تحرير أرضنا وترسيخ حرية شعبنا والتصدي لأعدائنا ليس برأي حر مهما تفنن صاحبه بالجدل والنقاش والمنطق والبراعة في الحديث . وكل رأي لا تكون غايته من أجل التخلص من هيمنة المستبدين وفي سبيل الاستقلال الروحي والفكري لا يمكن أن يكون رأيا مستقلا مهما اصطبغ بالـدعايات والوشايات والأكاذيب .

ان الـرأي الحـر والمستقل هو الذي يفجّر روحية الأمة فتنهض وتثور على مغتصبي أرضها وسارقي مواردها ومستعبدي أبنائها فتطلق فيهم قيم الحق والخير والجمال والعدالة والعزة والكرامة .

أما الحياد فلا يمكن أن يكون الا بعد أن ننال حقنا ونصيبنا العادل من الحرية والاستقلال والعزة . عندها يمكننا ان نتحدث عن الرأي الحر والرأي المستقل والحياد الذي لا نُظلم فيه ولا نظلم الآخرين . لقد أفرغ أعداؤنا رسالاتنا الانسانية من مضامينها الـروحية والحضارية الـراقية ،وملؤوها بمثالبهم ومفاسدهم وأعادوها الينا مشوهة فارغة من أي مضمون حضاري ، وبدلاً من أن تكـون الـرسالة المسيحية رسالة محبة واخاء ، فـقـد شـوهـوها وحـرّفـوها وأعادوها الينا بمضمون يهـودي صهيـوني أميركي أوروبي استعماري لتصبح رسالة كراهية وبغضاء .

وبدلاً من أن تستمر رسالة الاسلام المحمدي رسالة تتميم مكارم الاخلاق ، فقد مسخها اليهود والغزاة الأميركيون واتباعهم وحوروها لتصير رسالة انحطاط خلقي وتخلف عقلي تستهوي الجهلة والأغبياء والممسوخين في الفكر والوجدان من الخونة والمفتنين ممن يسمون أنفسهم علماء وهم في الحقيقة ذوو عماء ولا يجيدون من العلم سوى علم التضليل، وفن اثارة الفتن وارتكاب الموبقات ودفع الناس الى التباغض والاقتتال .

وبدلاً من أن تكون رسالة العروبة رسالة ثقافية وحضارية وانسانية أصبحت اليوم على أيدي شذاذ الآفاق المجرمين أفلاماً خـرافية تعموية يهـودية أميـركية اعرابية تثيـر الأحقاد بين الأخوة والأحبة، وتفتي بالخراب والدمار.وهكذا قفذ الى الواجهة المثقفون المتهودون المتصهينون المتأمـركـون المُستـَعـبَـدون الخـونة المتبجحـون بالـرأي الحـر،والرأي المستقل، و الحياد، وكأن الرأي لا يكون حرا ومستقلا وحياديا الا اذا كان موافقا على اغتصاب أرضنا وتفتيت بلادنا وتمزيق شعبنا وخضوعنا قطعانا للإرادات الخارجية العـدوة .

لذلك تكاثـر في بـلادنا المسيحيـون المتصهينـون ، والمحمديـون المتهـودون ، والأعـراب التلموديون المتأمـركون والمستغربون . واذا كنا نرى اليوم بعض الكتاب الذين بدؤا يتراجعون عن كتاباتهم السابقة، فليس لأنهم أصحاب رأي حر ومستقل وحياديين ،بل لأنهم لم يكونوا يوما أصحاب فكر سديد، ونظرة فاهمة، وارادة حرة ، ونفسية عزيزة .

ان الرأي الحر هو نتيجة لا سبب. وما دام يـوجد في الحياة الانسانية نـوعان من المجتمعات:مجتمع متـوحش ومجتمع حضاري. الأول يقوم على شريعة الغاب والغرائز ، والثاني يقوم على شريعة القانون والاخلاق ، فان الرأي الحر هو أيضاً نوعان : رأي حر همجي عدواني ، ورأي حر حضاري مناقبي وفي كلا الحالتين هو راي منحاز اما الى الحضارة واما الى الهمجية . وشتان شتان ما بين رأي حر يقوم على العدوان،ورأي حر يرتكز الى المناقب. وقد تأكد أن جهلة الأعراب، وهمج الدول الغـربية العـدوانية ، ووحوش اليهود اللصوص جميعهم لن يستطيعوا الثبات في مواجهة مواكب الحضارة التي تطارد الجهل والهمجية والتوحش مهما توفر لهم من وسائل الفتن وتكنولوجيات الدمار والقراصنة والمرتزقة والمجرمين .

ان أجمل شيء هو السير على جادة الصواب والانطلاق من العقل الذي هو الشرع الأعلى والأساسي للإنسان الواعي الحضاري الحر المستقل. العقل السليم الذي يرفض كل حرية استذواقية فوضوية وكل استقلال فردي انعزالي اناني ، وكل حياد يساوي بين العدالة والظلم وكل نأي بالنفس يجلب الذل والعار والخراب على الأمة والوطن .



 

جميع الحقوق محفوظة © 2017 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه