مرة عجنت بالمحبة والخير ومرة عجنت بالدم والاشلاء، انها ارغفة قانا الجليل، ترتعش اصابعي وانا اكتب احرف قانا ، ويتحول كل زر من ازرار لوحة الحاسوب الى وجه طفل او جزء من وجه ، الى نتفة من اشلاء تفوح منها رائحة الموت والدم ، وانياب الجريمة ، لكأنني ألامس تراب القرية الشهيدة الشاهدة مثنى ، والمتحولة في التاريخ رمزا ثلاثا ، لكن شتان ما بين الرمز الاول المرتبط بعرس قانا الجليل والرمز الثاني والثالث المرتبطين بما تم قانا الجليل ، شتان ما بين الارغفة التي اشبعت ، ببركة المحبة جمهورا ، اذ قسمها السيد الذي افتتح منذ الفي سنة صراع المحبة ضد الحقد ، وبين ارغفة قانا التي تحترق للمرة الثانية مجبولة بالدم والاشلاء معجونة بتراب الارض والصراخ والانين ، ناضجة بخميرة الشهادة لتتحول الى الرمز - المجزرة المستعصي على الصفات ، المتكرر مرتين عبر عشر سنوات.
جملة واحدة تحتل قشعريرة الروح بصوت الرجل الذي ارتفع من مستوى القائد الى مستوى الرمز:"اقبل اقدامكم المنغرسة في تراب الارض". ألم يغسل المسيح اقدام تلاميذه الذين كانوا يتبعونه على طريق النضال والشهادة؟ وكما لم يحل كل الحقد والقتل دون القيامة ، ودون انتصار رسالة السيد ، فان موتنا كله ، من قانا الى قانا لن يحول دون انتصار رسالة هذه الامة التي تتجوهر الان في هذا السيد الحسيني المسيحي العشتاري.. انه ايمان حق ، ولكنه ايمان لا يقدر ان يلغي السؤال الانساني: ولماذا علينا ان نموت بهذه البشاعة كل يوم؟ من غزة الى الفلوجة الى قان؟ من سجون فلسطين الى ابوغريب الى الخيام؟ لماذا على اولادنا ان يولدوا بدون مستقبل الا مستقبل العذاب او مستقبل البله القريب من الخيانة او في ألطف التعابير من التخلي؟ لماذا يتكاثر الاسخريوطيون كما الارانب في هذه الامة ، ليصبح على ورثة يوسف العظمة ان يخوضوا معركة مع يهود الداخل هي اصعب من تلك التي يخوضونها مع يهود الخارج؟ لماذا يكون عليّ انا المريضة ان اخجل من الشكوى من سرطاني امام ما يطال الاصحاء الابرياء في وطني ، امام توفر العلاج لي واستحالة وصول العلاج اليهم؟ لماذا ادفع فاتورة هاتفي لاسمع اصوات صديقاتي واهلي ، حديثا متكررا يحفر عميقا في جراح الروح وفي دهشة قدرة هؤلاء البشر على التحمل والصمود والعناد والمقاومة؟ حتى مفرداتنا تتشكل من ذاتها ولذاتها؟ يسألني الطبيب: كيف تشعرين بعد جلسة العلاج الكيماوي ، ودون تفكير ارد: اشعر ان جسدي ساحة حرب قاسية واعرف ان ارادتي هي التي سيكون لها النصيب الاكبر من الحسم في النهاية. يبتسم الرجل ، يقول لي: غريب هذا الجواب ، لم اسمعه مطلقا من مريض.. ارد بابتسامة أليمة: يا سيدي كان جوابي عفويا ولكن المرضى بشر والانسان يشبه وطنه كما يشبه اباه. وحده ابن الحرام لا يشبه اباه الذي ينسب اليه على بطاقة الهوية وفي دائرة الاحوال الشخصية ، لكنه يشبه كثيرا اباه الحقيقي. يسألني: هل كتبت تحليلك للمجزرة؟ وارد: هل تستطيع انت كطبيب جراح ان تجري عملية لواحد من اهلك؟ فكيف يمكن لي ان اكتب عما يجري في بلادي من مجازر بعقلية المحلل؟ اجل يأتي التحليل لاحقا ولكن بعد ان يتوقف الاحياء عن الاختناق برائحة اشلاء الموتى الذين تعجز سيارات الاسعاف عن الوصول اليهم وانتشالهم من تحت انقاض ما بنوه بعرقهم.
ألم يقل عنا مرة اوفاديا يوسف اننا جراثيم وها هم فعلا يصرون على تحويل اجساد شهدائنا الى جراثيم تصيب ما لا يصيبه القصف من احيائنا؟ هؤلاء الجنود الذين يحمل كل منهم في حقيبته العسكرية ما يتدرب على قراءته من سفر اشعيا: ابيدوهم.
ليسوا اقل اجراما من ساستهم الذين يصدرون الاوامر ولا من هذا العالم المتفرج في احسن الحالات ، ان لم يكن متواطئا ومشاركا ، لكنه جميعا اقل ذنبا من رئيس عربي لا يجد لوصف قانا الا عبارة: عمل غير مسؤول.. وما لجرح بميت ايلام.
|