| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية 2006-09-05 |
كما لحظة ولادة |
|
كما لحظة الولادة، وخليط وجودي من الألم الفريد بالفرح الفريد، نزف قان يتدفق ليغمر استمرارية الحياة في حين هو في مكان آخر مجرى لسيل الروح نحو الموت، كما لحظة الولادة، عذاب والم حتى الشهقة، حتى الصرخة التي يعقبها بكاء، ان هما الا البشرى التي تستمطر الزغاريد احتفاء بسلامة المولود. كذا كانت ساحة “التروكاديرو” في باريس ليلة امس، وكذا هي شاشاتنا التي يسمرني قدري امامها طيلة هذه الاسابيع التي لم اشعر في حياتي يوما بأنني اتوق الى الحركة كما تمنيت فيها. طالما سعدت لأنني أشبه وطني، كما الاطفال الذين يولدون من حب امرأة استثنائي لزوجها، لكنني اليوم لا اريد ان يتطاول هذا الشبه حتى اجدنا نقاوم في ذات الوقت، كل سرطانه، رغم انني قد اجد في انتصاره تفاؤلاً بانتصاري. كما اجد في آلام أهلي ما يخجلني إذ أذكر آلامي الشخصية، وفي انتصارهم العظيم بثمنه المرير ما يجعل بؤرة تفكير كل منا تتجه الى السؤال : ماذا فعلت ؟ وماذا يمكن ان أفعل؟ وقد أجد عزاء في عبارة وردت في خطاب جورج قرم في احتفال الامس حول دور معركة الكلمة. هذه التي لم اتخلف عنها يوما حتى وأنا في المستشفى.
يحضرني وجه صديقتي الحميمة، الراحلة الباقية فدوى طوقان : هل أحمي أهلي بالكلمة؟
تعيدني الى الشهيد الاول : في البدء كانت الكلمة!
لكن الكلمة هيكل اجوف ان لم تمنحها الحياة سريان الفعل في شرايينها. وبالأمس، وخلال اسابيع كان للفعل هدير العاصي والليطاني في شرايين وطني. أعادت الينا هذه الباقة من المناضلين هتاف الدماء في الشرايين، ومرة اخرى مدت يدها الى اعناقنا رافعة رؤوسنا نحو الفوق، كما رأيناها امس في “التروكاديرو”، واذ اقول اعناقنا فان ضمير جمع المتكلم لا يعود لنا نحن اللبنانيين فحسب، اذ كان لاختلاط الاعلام اللبنانية بالسورية بالعراقية بالفلسطينية (طبعا بالاضافة لأعلام حزب الله) دلالة كبرى، كما كان لحضور العلم الجزائري مرفقا بالفلسطيني واللبناني في يد سيدة من قدماء المناضلين، دلالة عراقة واستمرارية أكبر من الذل، دلالة تكثفت اذ نزل الشباب العرب كلهم يدبكون على انغام نشيد وطني، في ساحة عاصمة جورج بيكو. مرة أخرى، رفع مناضلونا رأسنا، إذ منذ عملية الويمبي الأولى وحتى القافلة الاستشهادية من الشباب الباسمين الذين انزرعوا في الثمانينات في تربة هذا الجنوب فأورقوا وأفاؤوا وأثمروا وتدفق نسلهم في هذه الثلاثين الاخيرة كما في الألفين، وهم يقفزون الى صدارة المشهد كلما وصل الايمان الى درك الاحباط وأصبحت آلام العمود الفقري الذي يحمل العنق غير محتملة، كلما اصبحنا نحن اهل الكلمة نغالب الانفاس كي لا تسري بين حروفنا رائحة يأس هي تلك التي راهن عليها اعداؤنا منذ جابوتنسكي في جدار الفولاذ، “سيظلون يقاتلوننا حتى نقتل آخر بارقة امل لديهم”، خاصة أننا اذ نغرف من ايماننا الوطني والقومي ما يشحن نشاطنا وكلمتنا، نرى امامنا أي جهد محموم للتيئيس يمارسه أبواق عملاء احفاد جابوتنسكي في كل ساحاتنا الاعلامية والسياسية. اولئك الذين يقتلهم الامل ببقاء هذا الوطن شيئا آخر غير فاصل اعلامي تظهر فيه فتاة شبه عارية على بوابة المطار، وبعدها دعوة للسياحة في لبنان، وبقاء هذه الامة بلبنانها وبسواه، شيئا آخر غير رخويات استهلاكية منزوعة الارادة والكرامة، استراتيجيتها السياسية ان تتوسل أمريكا، ولِمَ لا طالما ان التوسل قادر على ان يرفع الذين لا يرون وسيلة للارتقاء في السلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، الا العمالة والفساد والمتاجرة بدماء الآخرين او بأرزاقهم، الى جانب الذين اعتادوا ان يدعموا مواقعهم الاقطاعية بمضاعفة مداخيل الفساد التي تضاعف قطيع الأزلام، وشرط كل هؤلاء سيادة الجهل وانحسار الوعي وتراجع الكرامة الى مخلفات ماض عدو لوعد النهضة الذي يأمل به المحتفون . وفي مواجهة كل هذا يكون للانتصار اللبناني الأخير، مضمون آخر من ضمن الابعاد الكثيرة لهذه المعركة ومنجز مناضليها.
فلهم معركة الكلمة المكتوبة بالأحمر والمخبوءة في جوف ذرات التراب، سنبلة إذا سقطت انفرطت وأتت ثماراً كثيرة. ولنا معركة الكلمة المكتوبة بكل شيء، بالفعل، بالتاريخ، بالحس، بالرسالة. نحن الذين لا نبالغ قطعا اذا قلنا اننا اهل الرسالات، ولا يهم ما اذا كانت سماوية ام لا.
ومن هنا، من بنوة هذا الحمل ومن إدراك عميق لتلك الأبعاد، كان جورج قرم كبيراً، حقيقياً صادقا وهو يختم كلمته بتحديد رسالة لبنان في العالم بثلاث : الحداثة والجسر والنهضة. كنا الحداثة اذ بدأت في الجبل الصغير وفي الهضبة العاملية إرهاصات حركات التحرر التاريخية من الاستعمار العثماني، ليقابل اليازجي والشدياق والبستاني الثلاثي العاملي، ولتصافح زينب فواز مي زيادة، وكنا كذلك لأننا كنا الجسر منذ أول مركب فينيقي كنعاني تنزه على الشاطىء السوري وانطلق ربما من جبيل وربما من أوغاريت وربما من يافا حتى أمريكا الجنوبية، الى ذاك الذي مده فخر الدين من الشوف الى توسكانا، وجانبولاد بين خانات حلب وأول قنصلية للغرب في المشرق العربي ليجد في كل منها منطلقاً لمرحلة جديدة من الدور السياسي والثقافي (دون ان نجهل ابدا العلاقات السياسية المعقدة المرتبطة بطبيعة التاريخ و الجيوبوليتيك في تلك المرحلة والتي تناقش في جو مقال غير هذا).
واذا كان لبنان قد كان ما كان، فلا لانه الرقعة الجارة للوطن الكبير او تلك الممزوقة منه ولا علاقة لها به الا علاقة الاستعلائية الجاهلة. كنا النهضة أجل! لا لأننا أتينا بأول مطبعة فحسب، ولا لاننا اول من انتبه الى أن ثوب لغتنا الرائعة لم يعد يستر عريها امام العصر، وان خلاياها توقفت عن التوالد، فيما يشكل أقرب طريق للموت، فأعدنا إحياءها من داخل قدرتها الداخلية وآلياتها الهائلة على التجدد، ولا لأننا ركبنا مناطيد الطموح والجرأة، اما باتجاه ساحات الحرية في ليل القمع العثماني، ساحات جعلت من الهجرة الى مصر أو الى الغرب محطات فضائية لعصر نهضة عربي، وجعلت من ساحات صدر دمشق وبيروت مزرعة للدماء وفضاء كما للمشانق فلاناشيد الولاء الوطني والوحدة. ولا لاننا تحدينا تجويع سفربرلك بالبحث عن ثروات اكبر. كنا كذلك أجل! ولكن الأهم أننا عرفنا كيف نقف عند الخطوط الحمر للكرامة حتى ولو اتقنا المرونة وكيف نزاوج التجدر في الذات مع الانفتاح على الآخر، ولاننا عرفنا ان نجعل من بيروت، شيئا اكبر من مدينة المبدعين والاحرار اللبنانيين، بل موئلا لكل احرار ومبدعي ومثقفي العالم العربي، موئلا لا بمعنى المنفى والمخبأ الذي شرطه خرس الألسنة وشحوب الوجوه المحرومة من الشمس واغماضة العيون، مقابل شيء واحد: اتقاء المقصلة وملء المعدة، وموئلا يشكل الفضاء المفتوح لابداعات العرب ونشاطهم في كل المجالات، من الشعر الى الكفاح المسلح، حتى ولو ان الانعزاليين الاغبياء لا يحبون الاعتراف بذلك كثيراً، ويصرون على تمزيق هوية ادونيس وكمال خير بيك وسعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي، كما يصرّون على انكار دور المقاومة الفلسطينية في تثوير المقاومة في الجنوب المحتل. لم يكن لبنان الجسر والحداثة والنهضة، الا يوم عرف ان يقول للغرب نعم، إذا ما مدّ يده لتبادل وتفاعل حضاري، وان يقول له لا اذا ما مد يده لتتطاول على السيادة والولاء الوطني والقومي. فلبنان جسر بين امته وهذا الغرب لا بكونه قطعة من القطعة الزرقاء من “سايكس بيكو” التي رسمها مشرط مجرمين منكبين على جثة خريطتنا القومية فوق طاولة المشرحة. هو الجسر لان الأمم تختار السفراء ممن يتقنون لغة البلد المضيف ويعرفون ثقافته، لكننا لسنا أبداً وسيطاً كما تبجح يوما احد السياسيين اللبنانيين، لأن الوسيط شخص ثالث محايد. وكما هو العرف الطبيعي فان المطلوب من السفراء ان يكونوا عمالاً مهرة في بناء الجسور، لا ليعبر عليها كل الآخرين ذهابا وايابا فيما يقبع اهلهم تحتها وانما بهدف ان تعبر عليها شعوبهم نحو تحقيق مصالحها وإرساء كراماتها، والا فانهم يسحبون ليعودوا الى اداء دور آخر، والافادة من خبراتهم.. وإلا فإلى التقاعد. لكن لبنان السفير لن يتقاعد، وسيبقى امينا على الجسر مصراً على الاستواء فوقه. هذا ما قالته مقاومته في حربها الاخيرة، وهذا ما قاله المحتفلون في “التروكاديرو” وعبرت عنه وعنهم كلمة جورج قرم البليغة.
|
|
جميع الحقوق محفوظة © 2026 -- شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |