إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

السيادة القومية وسيادة الدولة 2/5

د. جهاد نصري العقل

نسخة للطباعة 2006-04-19

الارشيف

المحور الثاني: في مفهوم نشؤ الدولة وتطورها



لا يمكن أن نبحث في مفهوم الدولة، او في معنى السيادة، خارج نطاق الوجود الحقوقي الطبيعي الحاضن لها، الا وهو المجتمع الأتم- الأمة, فحيث لا أمة لا دولة ، وحيث لا دولة لا سيادة ، ولا سيادة بدون ديمقراطية تمثيلية تعبيرية .



بناء على ما تقدم ، فاننا ننطلق في دراستنا هذه من مسلمة مبدئية ، أثبتتها أحداث التاريخ العام ، وعززتها النظريات المختلفة في نشؤ الامم والدول وتطورهما عبر العصور، وأكدها النهج الصحيح في قيام الدولة الحديثة، وهذه المسلمة هي :



لا سيادة حقيقية بدون دولة قوية ، ولا دولة حقوقية – قوية بدون أمة طبيعية ، عصبيتها – روحيتها القومية ، الذي هدفها ومبرر وجودها هو : الاقرار بأن السيادة مستمدة من الشعب، وان الشعب لم يوجد للدولة ، بل الدولة للشعب، هذا هو المبدأ الديمقراطي الذي تقوم عليه القومية، وفي الحتمية نقول: ان الدولة الديمقراطية هي دولة قومية حتما .



وقد يستغرب البعض ويؤكده افلاطون ، من أن أصول الدولة الديمقراطية الأولى ظهرت في الالف الثالث ق.م في المدينة – الدولة الفينيقية ( الكنعانية ) السورية ، التي صارت فيما بعد طرازا أخذ عنه الاغريق والرومان فالعالم. ومن المفيد واستكمالا لهذا البحث ودقته ان نستعرض الحوار الذي جرى بين افلاطون على لسان سقراط وشقيقه غلوكون ، والذي بدأه سقراط بالسؤال : أو حقا تسمية هؤلاء بالحكام الكاملين ؟ وفي الاجابة يوافقه غلوكون بقوله: هكذا أرى.



يذكر ان الفيلسوف اليوناني افلاطون، اثناء اغترابه القسري 499-387ق.م عن مدينته أثينا، اثر موت معلمه سقراط اعداما بالسم، زار عدة بلدان منها مصر ، صقلية ، ايطاليا، فلسطين والغانج .



وبعد عودة افلاطون الى اثينا ، وكان قد بلغ الاربعين، وضع كتابه الشهير "جمهورية افلاطون" ، الذي قال فيه امريسون " ان افلاطون هو الفلسفة ، والفلسفة افلاطون، وانعم على كتاب الجمهورية بكلمات عمر بن الخطاب عن القرآن، عندما قال: احرقوا المكتبات لان قيمتها موجودة في هذا الكتاب"



وفي فلسطين ، انعجن افلاطون، كما يقول ديوارانت، في طينة الأنبياء، ومن المؤكد ان يكون افلاطون ، قد اطلع في فلسطين ، على الدين الاجتماعي الخصوصي بالكنعانيين ، والذي اسماه جهلا منه به: "الخزعبلة"، وعنه اخذ قوبنو وذكره هرتس حيث نعت هذا الدين " بالخديعة الكنعانية او الاثم الكنعاني" .




" الخزعبلة " : أبناء الأرض



لنقرأ " الخزعبلة " وقد جاءت بشكل حوار بين افلاطون على لسان سقراط وشقيقه غلوكون:



سقراط : أو حقا تسمية هؤلاء " بالحكام الكاملين " ؟ لاتصافهم بالعناية والسهر حتى لا يريد اصحابهم في الوطن ، ولا يقدر اعداؤهم في الخارج ، ان يحدثوا ادنى ضرر للدولة ، والشبان الذين دعوناهم الساعة حكاما نسميهم " مساعدين " وهم الذين وظيفتهم انفاذ قرارات الحكم .


غلوكون : هكذا أرى .


سقراط : واذا كان الحال كذلك أيمكننا ان نختلق وسيلة حكيمة نتمكن بها تمثيل دور وهمي فالقصص التي ذكرنا آنفا، فنقتنص حتى الحكام ، بأفعل الذرائع ، فنقنع العامة فقط؟



غلوكون: أي نوع من القصص ؟



سقراط : ليس شيئا جديدا ، بل قصة فينيقية ، تداولتها ألسنة الشعراء، والناس موقنون بصحتها. على انها لم تحدث في عصرنا، ولا علم لي بأنها حدثت في غيره من العصور. ولكننا نقدر أن نجعلها خبرية موثوقاً بصحتها، فنحتاج الى حيلة نافذة لاقناعهم.



غلوكون: أرى انك تتردد في الافصاح .



سقراط: سأقول ، ولا أدري بأية جرأة وأي ايضاح أوردها، فأولا: احاول اقناع الحكام انفسهم ، ثم اقناع الجنود معهم، وبعدهم سائر الأمة، ان كل ما امليناه عليهم لتهذيبهم حدث كأمر واقعي ، ولكنه حلم ، وفي حقيقة الأمر انهم هذبوا وثقفوا في جوف الأرض، حيث طبعوا اسلحتهم وادواتهم وكمل تهذيبهم ، وحين ذلك ولدتهم امهم الحقيقية ، وهي الأرض، أي انها قذفت بهم الى سطحها ، فيجب ان يحتموا بالمنطقة التي هم فيها كأم وكمرضع، فيصدون عنها الغزاة، ويحسبون سكانها، ابناء الأرض، اخوتهم.



غلوكون: ولسبب كاف كنت تخشى ان تورد هذه الخزعبلة.



سقراط: فسمعا لبقية القصة : سنخبر شعبنا بلغة ميثولوجية: كلكم اخوان في الوطنية، ولكن الاله الذي جبلكم ، وضع في طينة بعضكم ذهبا ليمكنهم ان يكونوا حكاما، فهؤلاء هم الاكثر احتراما، ووضع في جبلة المساعدين فضة، وفي العديد ان يكونوا زراعا وعمالا وضع نحاسا وحديدا. ولما كنتم متسلسلين بعضكم من بعض ، فالأولاد يمثلون والديهم. على انه قد يلد الذهب فضة، والفضة ذهبا، وهكذا يلد كل من يلد. وقد اودع الحكام من الله، قبل كل شيء ، وفوق كل شيء، هذه الوصية، ان يخصوا اولادهم بالعناية ليروا أي هذه المعادن في نفوسهم. فاذا ولد الحكام ولدا ممزوجا معدنه بنحاس او حديد فلا يشفقن والده عليه، بل يولونه المقام الذي يتفق مع جبلته، فيقصونه الى ما دونهم من الطبقات، فيكون زارعا او عاملا، واذا ولد العامل اولادا ثبت بعد الحك ان فيهم ذهبا او فضة، وجب رفعهم الى منصة الحكم ، أصحاب الذهب حكاما، وأصحاب الفضة مساعدين، ولقد جاء في القول الحكيم : ان المدينة التي يحكمها النحاس والحديد فهي الى البوار، فهل عندك من حيلة لاقناعهم بهذه الخزعبلة؟



غلوكون: لا حيلة في اقناع ابناء هذا الزمان. على انني سأبتدع حيلة تقنع ابناءهم واحفادهم وكل الاجيال التالية بصحة هذه الاسطورة.



سقراط: وحتى هذه القصة قد تفيد في جعلهم اكثر اهتماما بالدولة وبعضهم بالبعض الآخر. فاني اظن اني افهمتك . ولكننا سنترك هذه الاسطورة الى ما قضي به عليها".



ان ما ذهب اليه افلاطون في حديثه عن " القصة الفينيقية" التي عنونها ب "أبناء الأرض" ، مؤكدا تداول الشعراء الفينيقيين لها، وهو الشاعر الذي قيل فيه " ان الصعوبة في فهم افلاطون تكمن في هذا المزيج المسكر بين الفلسفة والشعر والعلم والفن.." .



أضف اليه ، وهو الأهم ، تأكيد افلاطون على يقين الناس ( الكنعانيين ) بصحة هذه القصة والاعتقاد بها، وهو الباحث عن عقيدة لابناء شعبه تكون حلا للمشاكل الاخلاقية والسياسية والنفسية التي كان يتخبط بها المجتمع الاغريقي القديم، تمهيدا لايجاد " دولة مثالية"، رأى افلاطون صعوبة تحقيقها، مع انها كانت قائمة فعلا في كل مدينة سورية كنعانية.



المضمون العقدي



في " القصة الفينيقية " التي رواها افلاطون مضمون عقدي قومي، تبرز خطوطه العامة في ما يأتي:



أولا: " هذبوا وثقفوا في جوف الأرض، حيث طبعوا اسلحتهم وادواتهم، وكمل تهذيبهم...".



تبين هذه الفكرة، مبدأ التفاعل المادي- الروحي بين الأرض وانسانها. فالبيئة تحدد الجماعة من عدة وجوه : الحدود الجغرافية ، طبيعة الأقليم وشكل الاقليمن وتعد الفوارق الشكلية للجماعات البشرية، كما ان الترابط بين البيئة والجماعة في انواع الحياة وفوارق الاشكال وميزات العمران والاتجاه التمدني ضئيل جدا، وشخصية الجماعة مرتبطة بالارض، فلا جماعة حيث لا بيئة ، ولا تاريخ حيث لا جماعة.



ثانيا: " وحين ذلك ولدتهم امهم الحقيقية، وهي الأرض ، أي انها قذفت بهم الى سطحها ..."


تظهر هذه الفكرة ، مبدأ اهمية الأرض- أرض الوطن للحياة – حياة الجماعة، فالأرض هي الأم الحقيقية، التي تتمثل فيها وحدة الحياة واستمرار الحياة وعز الحياة، انها الرابط المقدس المنظم لوحدة الحقوق والواجبات الطبيعية بين الأرض-الأم وأبنائها.


ثالثا : " فيجب ان يحتموا بالمنطقة التي هم فيها كأم وكمرضع، فيصدون عنها الغزاة...".


تبرز هذه الفكرة ، مبدأ العلاقة الحيوية بين الشعب والبيئة الطبيعية ، فيتعلق الشعب بالبيئة، اساس حياته فلا يفارقها، ولا يرضى عنها بديلا ، تماما، كالطفل الرضيع ، يتعلق بأمه، فتعطيه من قلبها وعقلها ودمها. وفي المقابل، يحمي الشعب بيئته، فيصونها ، ويدافع عنها، فيعطيها كل ما اعطته، حتى دمه متى طلبته وجدته .



رابعا: " ويحسبون سكانها، ابناء الأرض، اخوتهم ".



تمثل هذه الفكرة ، مبدأ الاخاء القومي ، ارتباط الشعب بالأرض – الأم ، وهي الظاهرة القومية الأولى في العالم ، ويقظة الوجدان القومي، الشعور بوحدة الحياة ووحدة المصير، فضلا عن تأكيد نظرية المساواة بين الأخوة ابناء الأرض الواحدة.

خامسا:"... سنخبر شعبنا بلغة ميثولوجية: كلكم اخوان في الوطنية، ولكن الاله الذي جبلكم ووضع في جبلة المساعدين فضة، وفي العديد ان يكونوا زراعا وعمالا وضع نحاسا وحديدا. ولما كنتم متسلسلين بعضكم من بعض، فالاولاد يمثلون والديهم. على انه قد يلد الذهب فضة، والفضة ذهبا، وهكذا يلد كل من يلد . وقد اودع الحكام من الله، قبل كل شيء ، وفوق كل شيء ، هذه الوصية ، ان يخصوا اولادهم بالعناية ليروا أي هذه المعادن في نفوسهم، فاذا ولد الحكام ولدا ممزوجا معدنه بنحاس او حديد فلا يشفقن والدوه عليه ، بل يولونه المقام الذي يتفق مع جبلته ، فيقصونه الى ما دونهم من الطبقات ، فيكون زارعا او عاملا . واذا ولد العامل اولادا، ثبت بعد الحك ان فيهم ذهبا او فضة، وجب رفعهم الى منصة الحكم، اصحاب الذهب حكاما، واصحاب الفضة مساعدين ، ولقد جاء في القول الحكيم: ان المدينة التي حكمها النحاس والحديد فهي الى البوار".



قيام الدولة – المدينة السورية



لنفهم هذه الفكرة ، يجب ان نتتبع مراحل قيام الدولة المدينية السورية الفينيقية (الكنعانية) التي صارت فيما بعد طرازا اخذ عنه الاغريق والرومان فالعالم.



وباكرا أي ابتداء من حوالي الالف الثالث ق.م.، عرفت فينيقيا الملكية الانتخابية ، فالدولة الديمقراطية ، التي هي، ،" "دولة الشعب او دولة الأمة، هي الدولة القومية المنبثقة من ارادة المجتمع الشاعر بوجوده وكيانه".



فالملكية كانت انتخابية دستورية، والملك ( الذي في طينه ذهبا)، يجب ان يكون " حاكما كاملا "، يتصف بالعناية والسهر على مدينته، " حتى لا يريد اصحابهم في الوطن، ولا يقدر اعداؤهم في الخارج، ان يحدثوا أدنى ضرر للدولة"، فالملك يجب ان يكون قائدا قدوة لشعبه، فهو المسؤول الاول عن حماية المدينة، يتقدم جيشه في القتال، يقود الاسطول البحري في المعارك، يسهر على الأمن ، يقيم العدل، ويؤدي الحساب عن اعماله امام الالهة وأمام مجلس الشيوخ، واذا قصر الملك في واجباته عزل.



ومع ان العرش كان وراثيا ، فليس من الضروري ان يرث الولد البكر والده اذا لم يكن اهلا للمسؤولية – ( فاذا ولد الحكام، ولدا ممزوجا معدنه بنحاس او حديد فلا يشفقن والدوه عليه ، بل يولونه المقام الذي يتفق مع جبلته ، فيقصونه الى ما دونهم من الطبقات، فيكون زارعا او عاملا): وفي هذه الحالة ينتقل الحكم الى الاصلح والانسب من اولاده، واذا كان قاصرا تضطلع الوالدة او الشقيقة بمسؤولية الوصاية، وكم من امرأة في تاريخنا تولت السلطة، فلم تقل شأنا ولا قيادة عن الملك، الى جانب احترامها كإلهة ، وقيامها بدور " الكاهنة الكبرى".



أما اذا خلت العائلة لسبب ما ، من وجود شخص مؤهل للاضطلاع بمسؤولية الحاكم الكامل، فتنتقل السلطة الى عائلة اخرى، الى ملك ( في طينه ذهب ) ، حتى لو كان من عائلة مغمورة ( واذا ولد العامل اولادا ، ثبت بعد الحك ان فيهم ذهبا او فضة ، وجب رفعهم الى منصة الحكم، اصحاب الذهب حكاما، واصحاب الفضة مساعدين ). وهكذا كان الانتقال من الملكية الدستورية الى الدولة الديمقراطية ، انتقال حدث في ظروف طبيعية هادئة دون ثورة او نزاعات، حتى اذا خلت المدينة من حاكم كامل ، ابتدع شعبنا سلطة جديدة تؤمن ترسيخ الديمقراطية ، فغدا يرئس الدولة قاضيان واحد للادارة واخر للعدل ، يختارهم مجلس الشيوخ المنتخب من مجلس الشعب ، وعندما حاول مجلس الشيوخ في قرطاجة ان يحصر السلطة الفعلية في فئة منه، وقف في وجهه هنيبعل وسن تشريعا جديدا نزع بموجبه الحصانة عن هذه الفئة ، وأعاد السلطة الى مجلس الشيوخ الذي اخضعه للقانون والنظام ، وجعل مدة ولايته سنة واحدة، كما حظر التجديد لانتخاب القاضيين او أحدهما . هكذا أسس شعبنا اول دولة ديمقراطية في التاريخ، وانشأت تلك الدولة اول امبراطورية بحرية اعمارية في العالم، شعت منها المدنية في البحر السوري، ومنه الى سائر انحاء العالم ، حتى قيل لكل انسان وطنان: وطنه الذي ولد فيه وسورية.



وهكذا ، اعطى السوريون الكنعانيون العالم الدين الاجتماعي ، الذي من أبرز خصائصه ما ياتي :



اولا : يقظة الوجدان القومي.



ثانيا: ظهور الرابطة القومية المؤسسة على فكرة الوطن، التي لازمتهم حتى انتشارهم خارج مدنهم- دولهم، فاذا بالعلاقة لم تنقطع، واذا بالحنين لم يجف وهذا لم يكن شأن المدن اليونانية ومستعمراتها مثلا.



ثالثا: التفاهم والتقارب والتعاون بين المدن الفينيقية – الكنعانية الخمس والعشرين ، الذي تبلور في قيام " حلف " في طرابلس ، مثلا ، بين جاليات ارواد ، صور وصيدون للتباحث في الأمور المصيرية.



علما ان التنظيم السياسي في المدن – الدول الكنعانية دام مئات السنين، دون ان يتعرض لأزمات او حروب داخلية.



رابعا: الاخاء القومي، الذي عرفته تلك المدن، واقتنع به الحكام والناس ( كلكم اخوان في الوطنية ) ، جنب هذه المدن بالرغم من عددها الحروب الداخلية، فلم تتحارب ، بل ظلت محافظة على صفة الشعب الواحد المتضامن في الحياة، علما ان هذه المدن كانت تتحد اذا داهم احداها عدو خارجي ، وكانت " القيادة " فيها تنتقل من مدينة الى أخرى، دون نزاع ، او اقتتال، لان عقيدة " ابناء الأرض" وروح الديمقراطية قد فعلتا فيها، ومهدت لقيام الثورة السورية الفكرية العظمى الاولى في التاريخ، والتي تحتاج الى دراسات متخصصة فيها.



واذا كانت المدن السورية الكنعانية – الفينيقية قد تمكنت من المحافظة على صفة الشعب الواحد المتضامن في الحياة، للأسباب التي ذكرناها، والتي أدت الى تجنب الصراعات الداخلية، فان الحروب الداخلية التي شهدتها الدولة السورية القديمة خصوصا مع الاشوريين والكلدانيين ، كان لها مدلولاتها القومية الخصوصية، منها:



اولا : الاتجاه الواحد الهادف الى الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الهلال السوري الخصيب.



ثانيا: النزاع على السلطة بين قبائل الأمة الآخذة في التكون والتي استكملت فيما بعد تكونها.



باختصار ، فان الحروب الداخلية في تاريخ الدولة السورية القديمة، كانت تهدف الى توحيد الوطن السوري، من هنا أهميتها ، بل ضروريتها في تأكيد الاتجاه القومي العام للمجتمع السوري الصاهر لمختلف الجماعات النازلة في بيئته وتحويلها الى مزاج واحد وشخصية تاريخية واحدة.



عود الى بدء لنلقي نظرة على مفهوم الأمة التامة التي ذكرنا أنها تشكل الحاضن الحقوقي- الطبيعي للدولة.



الامة ، بايجاز هي أساس مادي يقوم عليه بناء روحي تحتل الدولة قمته، كا يبين الرسم الآتي:




الأمة أساس مادي يقوم عليه بناء روحي




الشرائع والقوانين:



توجد رابطة النظام السياسي والشرعي التي تنظم العمل الاجتماعي وتمثل مجموعة عامة في الأفكار المقررة لوحدته الاجتماعية


التقاليد الاجتماعية:



مظهر الوحدة الاجتماعية


اللغة والأدب المكتوب:



مقدار شعور الأمة بالجمال واقترابها من الحقيقة،


ويؤثر على الأمة ويساعد على تنمية الاستعداد الفطري وتكوين الخلق الفومي.


التربية :



نظام عام يمرن عقول أعضاء الأمة الواحدة ويوحدها، والغرض منها لا يقتصر على تغذية الذكاء بمقدار كاف من الأفكار،بل ان تحض الأخلاق على طلب مثل عليا مشتركة.





مادة بشرية



أجسام متسلسلة من بعض العناصر: مزيج سلالات بشرية مختلفة



مادة طبيعية :



المحيط بجغرافيته وجوه وكنوزه الطبيعية .



يؤكد علم الاجتماع وغيره من العلوم الاجتماعية والانسانية أن كوكبنا الانساني بمواده الطبيعية والبشرية لا يشكل أمة واحدة- مجتمعا واحدا- متحدا تاما، بل هو مجموعة من الأمم، كل أمة منها هي : " جماعة من البشر تحيا حياة موحدة المصالح ، موحدة المصير، موحدة العوامل النفسية- المادية في قطر معين يكسبها تفاعلها معه، في مجرى التطور، خصائص ومزايا تميزها عن غيرها من الجماعات "



الأمة ، هذه ، هي الأساس الطبيعي الحاضن لنشؤ الدولة وتطورها، وبلوغها هذه المرتبة الثقافية المتقدمة، " وقد يكون من حسن طالع الدولة أن تتفق حدودها مع حدود الأمة، على حد ما ذهب اليه ماكيفر "



ولنا عودة الى التعليق على هذه الفكرة وتحليلها لاحقا، وذلك بعد تتبع نشؤ الدولة والمراتب الثلاث الرئيسية التي مرت بها.



فالدولة ، قبل كل شيء ، هي شأن من شؤون المجتمع المركب، بل هي أبرز مظاهره الثقافية – السياسية ، حيث تقوم وظيفتها العصرية على العناية بسياسة المجتع وترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام يعين الحقوق والواجبات



والدولة العصرية ، لم تصل الى هذه الدرجة العالية من التقدم بين ليلة وضحاها ، وانما مرت بسلسلة طويلة من التطورات التي امتدت الى آلاف السنين، وهذا المنطق يقودنا الى تحديد بعض الأمور الجوهرية المتعلقة بالدولة، نشؤا وتطورا، وذلك من حيث واقعها وفوارق السلطة فيها، الى جانب اشكالها وطرائق ادارتها، وتتبع مراتبها، وتعاقب سلطاتها ابتداء من الدولة الاستبدادية وعهد الامبراطوريات الأولى مرورا بالدولة المدينة والامبراطورية البحرية والدولة الاقطاعية والأخرى الدينية وصولا الى الدولة الديمقراطية القومية. والآن لنلقي نظرة مختصرة على ما تقدم .



الدولة الاولية :



ارتبط واقع الدولة منذ بدئها بالقوة الفيزيائية التي تخضع او ترهب، وعهد الدولة في ذلك يعود الى " النظام العشائري" حيث نجد صورة الدولة في قيام الرأس او الشيخ على العشيرة، كصاحب سلطة، او اداة تنفيذية ، او قوة فيزيائية.




أما في فوارق السلطة، فنميز بين ثلاث وظائف:



تشريعية وتنفيذية وقضائية تقوم على ثلاثة أصناف " سياسية" هي الجنس والسن والشخصية ، ولا يعني هذا التقسيم ، انه كان هنالك توزيعا لوظائف الدولة كما نعرفه اليوم، وجل ما في الأمر، ان وظائف السلطة " العشائرية " كانت تقابل بتشكيل " الدولة " من الشيخ او الأمير اضافة الى شيوخ القبيلة او العشيرة واجتماع الشعب.


 


وعرفت الدولة الأولية أشكال الحكم الرئيسية الثلاثة:



الديمقراطية وهي حكم الشعب، والاوطقراطية وهي حكم الفرد المطلق، والارستقراطية وهي حكم الاقلية المفضلة.



الا أن إدارة الدولة، في هذه المرحلة الأولية، وفي أشكالها السياسية المشار اليها أعلاه، فقد ظلت متأخرة جدا عن النظام الدستوري للدولة، التي شكلت الادارات وسجلت الحقوق القانونية، هذا الأمر الذي لاح مع بدء "الدولة التاريخية " ، التي عرفتها الشعوب الثقافية . مع الاشارة الى مرتبة دول الشعوب المتوسطة التي قامت بين دول الشعوب الاولية والاخرى التاريخية، ونقصد بها : امبراطورية الازتك المكسيكية وامبراطورية الانكا البيرونية ودولة العرب والمغول.



ان عهد الحياة الانسانية بالدولة التاريخية بدأ في الأقوام الثقافية التي خرجت من العصر الحجري الى الآخر المعدني، مع الأقوام السامية في سورية (بابل وارض كنعان)، والحامية في مصر، وذلك عبر الانتقال من التنظيم العشائري ( مرتبة الدولة الاولية ) الى دولة الأرض ، حيث تحول الامير ذي القوة السحرية الخرافية الى الملك الذي هو الاله او كاهنه الأعلى. فالآلهة هي التي أسست مملكتي فراعنة مصر وحمورابي وأسلافه، فهي (المملكة ) لا تزول حتى تزول السماء والأرض، كما يقول حمورابي نفسه.



أما مظهر هذه " الدولة التاريخية" فقد تميز بمثلث : الاستبداد، القوة والسيطرة ، " فقد طبعت الدولة التاريخية في بدء نشوئها بطابع الاستبداد لأن الدولة بطبيعتها قوة ، والقوة تطلب دائما السيطرة " وينقل سعاده عن طرليف شيلدرب ابه (Schjelderup-Ebbe ) قوله : " ان الاستبداد هو المبدأ الأساسي للاجتماع الانساني والحيواني والنباتي، بل وللجماد أيضا...



ان الاستبداد هو الفكر الاساسي للعالم ". ولا غلو في هذا الامر ، فانّ الدولة الشاعرة بقوتها في عهد لا ارادة ظاهرة فيه سوى ارادتها، اي غياب الارادة الشعبية ، لم يكن لها خيار غير الاستبداد باستخدام القوة لفرض السيطرة ، خصوصا متى علمنا أنّ هذه الدولة كانت امرا فوق متحدها، وتدعي سلطة ما روائية، وقصدها قصد القوة السائدة المسيطرة ، وتصريف شؤون الدولة أمر لا علاقة للشعب فيه، بل هو شأن متفق عليه بين الملك والاله المتجسّد فيه.



وما يهمنا من مبدأ القوة في نشؤ "الدولة التاريخية" هو في اتجاهها بهذا العامل الاستبدادي نحو التوسع الخارجي، نحو انشاء الدولة الامبراطورية التي كانت تمثل انتصار فكرة القوة في السياسة على فكرة العدل فيها. الا أنّه يلاحظ في مذهب التفرّد في السلطة سواء في مصر او في بابل السورية، الشأن الأعظم في تنظيم الدولة وترتيب أمور الامبراطورية ، مما حدا بعلماء الاجتماع الى التأكيد على أننا نجد جذور الديمقراطية الحديثة في سلطة الفرد التي انقذت السيادة من مطامح الأقلية الممتازة، او كما يقول ميكور (Mciver ) على هذه الطريقة اعدت الملكية طريق الديمقراطية الأولى في التطور العام للدولة المدنية والامبراطورية البحرية، اللتان كان مسرحهما منطقة الهلال السوري الخصيب. حيث نشأت فيه مجموعة من الامبراطوريات البرية وهي: الأكادية، الكلدانية، الاشورية، الحثية، وتلك التي خرج منها ملوك الرعاة"الهكسوس". كما يعود الى مدينة صيدا الفضل في تأسيس اول امبراطورية بحرية في العالم وقد بلغت أوجها في صور وقرطاجة. وما يهمنا، في هذه الدراسة، من أمر هذه الامبراطوريات العريقة التي انطلقت منها " أم الحضارة " الانسانية، هو الأهمية التي قدمتها الدولة- المدينة التي نشأت في سورية، برا وبحرا، من ثقافة حقوقية وسياسية رسّخت أصول الديمقراطية والجمهورية التي نحيا في ظلالها اليوم. انّ أهمية الدولة المدينية التي نشأت في سورية، ومنها شعّت على العالم كلّه ، تبدو واضحة جليّة في الخطوط العامة الآتية، والتي يحتاج كلّ منها الى دراسة خاصة:



- في المدينة – الدولة السورية وضع أساس الحقوق المدنيّة التي ارتقت في قرطاجة وبلغت أوجها في روما.



- في المدينة – الدولة السورية تحوّلت الرابطة القبلية القديمة الى الرابطة الاجتماعية الواسعة، فزال ذلك الخضوع الأعمى للملك وصبغته الالهية، وأصبح الملك ينتخب انتخابا لمدّة الحياة. فكان أصل الديمقراطية والجمهورية.



- في المدينة- الدولة السورية ازدادت الحركة الاجتماعية والاختلاط الاجتماعي وأخذت المصالح الخاصة تحلّ محل مصلحة العشيرة ، وابتدأ الناس يشعرون باشتراكهم في حياة واحدة ، هي حياة المدينة، وفي هذا الشعور نجد أصول مؤسسة الاشتراك في دولة المدينة والاتجاه نحو الديمقراطية.



- في المدينة – الدولة السورية خصوصا في قرطاجة زالت الملكية الوراثية باكرا وحلّت محلها الملكية الانتخابية ومن ثم اتجهت رويدا نحو الديمقراطية السياسية. ويعود الفضل الى اصلاحات هاني بعل في اعطاء قرطاجة والعالم الديمقراطية الصحيحة والاتجاه الديمقراطي الفعلي، ولعل من أبرز أعمال هاني بعل في هذا المجال الغاء اعادة انتخاب أعضاء مجلس ل 104 أكثر من مرة واحدة ، واصلاح بعض القوانين الادارية والمالية.



- في المدينة – الدولة السورية ارتقى الشرع مع ارتقاء أحوال الدولة، فظهرت شريعة حمورابي التي تعتبر أقدم شرائع العالم، وبرز الشرع الكنعاني الذي اقتبس منه ومن الشرع البابلي العبرانيون شريعتهم الموسوية. ومن مراجعة الشرع السوري نرى القانون قد أصبح شيئا متميّزا كلّ التمييز عن العادة والعرف والانتقام الشخصي والثأر. وفيه نجد تنظيما للأحوال الحقوقية والجزائية ، التي تطورت في مدرسة بيروت الحقوقية واليها يعود الفضل في حل قضية " الحقوق الامبراطورية والحقوق الشعبية". وعن المدرسة السورية للحقوق اقتبس الرومان شرائعهم التي هي أثمن ما تركته روما للبشرية ، خصوصا في مجموعة يوستنيان التي تعتبر أعلى ما بلغه الشرع وأساس الحقوق الشرعية في القرون الوسطى والحديثة.




الدولة الاقطاعية:



الا ان النظام السياسي الامبراطوري الذي أرسته روما سقط تحت ضغط البرابرة وتفكك وانحط الى اقطاعيات على رأس كلّ منها امير نبيل او بطل محارب، فظهرت نتيجة ذلك الدولة الاقطاعية التي حلّت فيها مصلحة الامير محل مصلحة الدولة او مصلحة الجماعة. واخذت الاقطاعية تتحوّل الى صنف خاص يتوارث أفراده الالقاب والمراكز والبقاء فيها لقاء دفع تعويض ما.



وكان من نتائج انهيار الدولة، الى جانب ظهور الاقطاع، بروز نظام آخر يدعي السيادة العامة هو نظام الكنيسة المستمدة من الدّين. ممّا أدى الى سيطرة الدّين على عقول القرون الوسطى ، وتعاظم سلطات البابوات حتى زعم بعضهم انه السيد المطلق الذي يخضع له كلّ الامراء، كما أصاب البعض الآخر منهم نجاحا في النزاع بين السلطة البابوية وسلطة الاباطرة والملوك ، كانت نتيجته نشوب الحركات الاصلاحية التي قضت على الجامعة الدينية الزمنية والروحية معا، فانقسمت الكنيسة على ذاتها وفقدت السلطة الزمنية التي حاولت سابقا احتواءها. هذا في اوروبا ، اما في بلاد العرب ، فقد تمكنت الدولة الدينية الاسلامية المحمدية ان تسيطر على الشرق بلا منازع، وتتحول الى امبراطورية مترامية الاطراف مركزها مكة. أما في تنظيم الدولة، ففي التنازع على خلافة النبي( ص) فظهر مبدئين اساسيين: مبدأ الانتخاب ومبدأ النسب النبوي، فخلافة ابو بكر وعمر وعثمان كانت انتخابية، في حين اشتد النزاع بين معاوية الاموي والامام علي الهاشمي الأقرب الى النبي، والاعظم شأنا من الوجهة الدينية.



أما الدولة الاموية ، في دمشق، فقد جعلت الخلافة في حال وسط بين الانتخاب وشرعية الخلافة، اي انها حصرت الانتخاب لمرشحي العائلة، ومرد ذلك الى البيئة الجديدة التي انتقلت اليها الخلافة الاسلامية، اي البيئة السورية التي كان فيها علم الدولة، وعلم الحقوق الدستورية والمدنية والشخصية قد بلغ أرقى مرتبة عرفها العالم.



ويقول هرتمن (Hartmann ) :" ان تحويل الامويين الخلافة الى ملكية وراثية كان حادثا خطيرا لا يحسب شيئا في جانبه اي حادث آخر في حياة الشعوب الاسلامية الدولية". أما الأسس الحقوقية في الدولة الاسلامية ، فقد قامت على الركائز الآتية:



- المساواة في الحقوق المدنية والسياسية والشخصية بين المسلمين ، الا في الخلافة فهي في أهل قريش.



- شرع الدولة هو شرع الله المنزل على رسوله.




- الحقوق هي حقوق المسلمين فقط في الدول التي وصلها الفتح، وعلى غير المسلمين ان يؤدوا الجزية ويكونوا في حماية الدولة ، ويتمتعون ، فقط ، بحقوقهم الخاصة في الاحوال الاجتماعية والدينية.



- مصادر سنّ القوانين في الدولة الاسلامية : علم العلماء ، اجماع المسلمين وسلطة الخليفة.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017