إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

السيادة القومية وسيادة الدولة 4/5

د. جهاد نصري العقل

نسخة للطباعة 2006-04-19

الارشيف

المحور الرابع - الأخطار التي تهدد مضامين سيادة الدولة



السؤال : الى اي مدى يتطابق مفهوم السيادة مع تنفيذها ، وهل كل الدول تتمتع بالسيادة المطلقة، ام ان السيادة شأن نسبي ؟



يقول د. علي الشامي: إن السيادة كمفهوم قانوني شيء، وكواقع وممارسة شيء آخر . وهذا يفسر لنا ان العلاقة بين الدولة والسيادة ليست علاقة مطلقة، وانما هي نسبية، من هنا فلا يصح اعتبار مجرّد وجود الدولة كافيا لارتباطها بمفهوم السيادة المطلقة، بل اننا نجد دولا عدّة ناقصة السيادة، بفعل عوامل داخلية أو خارجية ، فلا هي تتمتع بالاستقلال التام او المساواة التامة.



اذا، نحن أمام نوعين من الدول، الأولى تتمتع بسيادة تامة مطلقة، والثانية، باختصار، ناقصة السيادة، فما هي عناصر كل من هذين الظاهرتين:



أولا : الدول التامة السيادة



تتمتع هذه الدول بسيادة كاملة أي بالاستقلال والمساواة، وجميع الاختصاصات والحصانات الدولية. والسيادة التامة الكاملة في هذه الدول هي وحدها مصدر الاختصاصات الصلاحيات والحصانات ، وبتعبير أدق أن الدول السيادة تحدد صلاحياتها بذاتها دون تدخل أي جهة خارجية، مهما كانت مرجعيتها.



أما الصفة الأبرز لهذا النوع من الدول فهي القوة، وفي نادي "الدول القوية" تدخل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي التي منحها نظامه امتيازات خاصة، من أبرزها حق النقض للقرارات الدولية، التي تتنافى ومصالحها في معنى سيادتها.



ويبقى ان نشير الى ان مفهوم السيادة المطلقة تعرض لانتقادات، خصوصا، في مجال التحديد للصلاحيات ومصدرها، ومن أبرز المنتقدين في هذا الاتجاه المدرسة السوسيولوجية التي اعتبرت ان هذا المفهوم المطلق للسيادة هو مفهوم خطر وضد كل منطق حقوقي محلي أو دولي ، اذ ان مبدأ الذاتية في تحديد صلاحيات السيادة، غالبا ما يقود الى استغلاله في تأمين مصالحها وأهوائها عبر اللجوء الى شن حروب التعدي والاغتصاب ضد الدول الناقصة السيادة، او الضعيفة في قواها الردعية . ومن أخطر ما تلجأ اليه الدول المعتدية في هذا الاطار ارهاب الدولة والحروب الوقائية او الاستباقية التي لا ترتكز الا على " مبادئ " الخداع والتزوير في المعطيات التي تقدمها لشن مثل هذه الحروب ، أما الحل الذي قدمته المدرسة السوسيولوجية لهذه الاشكالية، التي عصفت بدول العالم، فقد قام على أساس اعتماد " النظام الدولي " الذي له وحده الحق في امتلاك السيادة المطلقة. وبناء عليه فقد نص ميثاق " هيئة الأمم المتحدة " في مادته الثانية، على هذا المخرج ، بقوله: " تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها"!؟



ثانيا: الدول الناقصة السيادة.



هي الدول التي تحتكر اختصاصاتها وصلاحياتها وحصاناتها دول من فئة السيادة التامة. تقع الدول الناقصة السيادة في خانة الدول الخاضعة لسيادة أعلى منها ، وتتعدد مظاهر الخضوع ومنها: الاحتلال، السيطرة، الوصاية، الانتداب، الحماية... وحتى الحياد.



السؤال: الى أين سيقودنا هذا الصراع الحتمي بين سيادة الدول، أو بتعبير آخر ما هي الأخطار التي تهدد مضامين سيادة الدول؟



ويستتبع ذلك السؤال ، ما هو مستقبل السيادة القومية؟



ان لائحة الأخطار التي تهدد سيادة الدول على الصعيدين الداخلي والخارجي، لائحة تطول وتطول ، ولكن من أبرز عناوينها: انتهاك سيادة الدولة ، الاعتداء على السيادة، اغتصاب السيادة، خرق السيادة، المعاهدات والوعود السياسية الدولية غير المحقة ( الباطلة)، الاستعمار، الاستعباد، فرض الوصايات، الحروب... التنازل عن السيادة ، فقدان السيادة ، الحروب الداخلية (الاقتتال)، تصادم " السيادات" داخل الامة الواحدة المجزأة، العنصرية، نزاع الطوائف والاتنيات، القبول بالامر المفعول او المفروض، الفوضى، الفساد ، الجهل، الاقطاع، الظلم...



لا شك أن المحرك الاساسي لهذه الأخطار التي تستهدف السيادة القومية بوجهيها المحلي والدولي هو " القوى المتغلبة" بالسلاح والمال والسلطة.



لعل مبدأ " القوة المتغلبة " هو من أخطر المبادئ التي تحكمت بالعلاقات الدولية، عبر التاريخ السياسي الطويل للانسانية، وقضى هذا المبدأ بفرض ارادة الدول القوية ونفوذها وسيادتها على الدول الأضعف ، تأمينا لمصالح القوي اقتصاديا وثقافيا ...



ويتبع حكما مبدأ " القوة المتغلبة " مبدأ آخر لا يقل عنه أهمية، هو مبدأ " سياسة الأمر الواقع".



ألم يقم عصر الامبراطوريات الكبرى الدينية والسياسية على مبدئي " "القوة المتغلبة" و" سياسية الأمر الواقع " ؟ فأقدمت هذه الامبراطوريات على استغلال قواها العسكرية الغاشمة في استباحة الحقوق القومية واغتصاب سيادة الدول في المجتمعات الضعيفة والتغلب عليها واستعمارها واستعبادها، وتغيير حدودها ، والعبث بتراثها، ونهب خيراتها وتنصيب الاقطاعيين والملوك والفوضويين وأحيانا المجرمين على عروش التبعية والذل ومصادرة الارادة والسيادة والقضاء على الحرية والديمقراطية. والتحكم بالضعفاء المغلوب على أمرهم ؟.



والامبراطوريات الأربع الأخيرة في التاريخ: الألمانية، النمساوية، الهنغارية، الروسية والعثمانية ، التي صالت وجالت ، عربدت واستبدت، وانتهكت حرمة سيادات الدول وحريتها، ألم تسقط في الحرب العالمية الأولى ( 1914 -1918 ) بنفس السلاح الذي قامت به، سلاح " القوة المتغلبة" وسياستها، ورزحت بدورها تحت نير سياسة " الأمر المفعول " ، في حتمية أنّ التاريخ قد يعيد نفسه في بعض المراحل والأزمنة ؟.



وهل قامت سياسة الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، على قاعدة الأهداف التي رسمت لها في " عصبة الأمم " من " تعزيز التعاون العالمي، وضمان تنفيذ الالتزامات الدولية، والعمل على منع الحرب"؟! أم ان فرنسا وبريطانيا اتقنتا فن السياسة المتغلبة ، التي لم ينج منها ، حتى الحليفين ايطاليا واليابان، فضلا عن الدول الضعيفة المنهوكة باستعباد الامبراطوريات الكبرى، فضرب بحق الشعوب المقدس وسيادته عرض الحائط والمستقبل المجهول. وفرض على أمتنا السورية أبشع أمر واقع عبر معاهدة " سايكس – بيكو " عام 1916 ، و "وعد بلفور " السياسي اللاحقوقي عام 1917، وما ترتب من تداعيات على هذا " الأمر الواقع " من تقطيع أوصال الأمة الواحدة الى " دول " متعددة السيادات التي تدور على محاور غير طبيعته، مما أدى الى تصادم هذه السيادات في حروب داخلية عبثية مدمرة ؟.



وألم تكن سياسة بريطانيا وفرنسا المتغلبة هي المسؤولة عن اقحام العالم مرة ثانية في حرب عالمية ثانية، أكثر عنفا ودمارا وويلات على البشرية من سابقتها الحرب الأولى؟



ان " السياسة المتغلبة " المدعومة بالقوة المتغلبة الباطلة، التي ألغت الامبراطوريات الأربع، في الحرب العالمية الأولى، هي هي التي رسمت خريطة العالم بعد الحرب على أسس " الأمر الواقع " طبقا لمصالحها، ونقضا لمبادئ " السلام العالمي الدائم " فأوجدت دولا لم تكن قائمة وألغت أخرى كانت موجودة وتتمتع بالسيادة، وفرضت على ما يسمى " بالعالم الثالث" أمرا مفعولا ، فاستعمرته واستعبدته وعطلت سيادته، واستغلته لمصالحها الكبرى، ضاربة بالحائط بكل المبادئ والقيم الدولية. وفي مثل كل مرة كان على الأمة السورية أن تدفع فاتورة الحرب و " السلام " ، فكان الانتداب – الوصاية على بلادنا " ثوبا خلقيا لفتح همجي " تحضيرا لعملية زرع مرض سرطاني – عنصري – صهيوني في الجزء الجنوبي من الهلال السوري الخصيب، تمهيدا لليهود للفتك بالجسم كله، والغاء سيادته القومية، انطلاقا من الغاء وجوده الحقوقي.



واندلعت الحرب العالمية الثانية، وعاودت " السياسة المتغلبة" دورتها في حرب مصالح لا مبادئ لها، وانهزمت دول كانت منتصرة سابقا، وانشئت " هيئة الأمم المتحدة " للمحافظة على السلام الدولي كبديل عن "عصبة الأمم " التي هدرت " السلام " على مذبح " السياسة المتغلبة " لمحور لندن – باريس ، ولكن ما كانت النتيجة؟ . لقد توافقت الدول الغالبة على حفظ مصالحها في " مجلس الأمن " الذي أثبت حتى الآن قدرته الفائقة الخارقة اللامسؤولة على ادارة الحروب المحدودة خارج أراضي أقطابه، وبشكل جنوني فاق كل توقعات الحروب. ومن أروقة " مجلس الأمن " انبعثت خديعة " الحرب الباردة " ، فاذا هي حرب مدمرة تنتهك فيها حرمة سيادات الدول واستقرارها وحريتها ولنا من حروب الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها خير دليل على ما نقول . لقد أدمنت واشنطن سياسة التعدي بعد الحرب العالمية الثانية من القاء قنبلتين ذريتين على اليابان وتدمير كمبوديا، وتخريب فييتنام .. الى دعمها للأنظمة القمعية في أميركا اللاتينية وافريقيا والهند الصينية والعالم العربي.. وأخيرا في افغانستان والعراق، مرورا بالسودان وكوسوفو وتيمور الشرقية والبوسنة والهرسك، انه سجل حافل من التعدي على سيادات الدول وخرق حرماتها وتدمير بناها واذلال شعوبها فضلا عن قتل عشرات الآلاف من الأبرياء.



لقد نالت الأمة السورية النصيب الأكبر من السياسة الدولية المتغلبة التي تفردت بها الولايات المتحدة الأميركية فاطلقت يد العصابات الصهيونية الارهابية الاجرامية المتمثلة " بدولة اسرائيل" تخطف فلسطين وتفرض عبر حدودها العدوانية الالغائية امرا واقعا جديدا ، وتنتزع المكاسب الاستراتيجية في " السلام " بعد أن عجزت عن ذلك في الحروب، واليوم عبر " السياسة المتغلبة " ، ايضا، تحاول " اسرائيل " مدعومة بقوة الشر العالمية، العمل على الغاء " المسألة الفلسطينية " نهائيا، وفرض سياسة الأمر الواقع على باقي كيانات الأمة السورية، تمهيدا لتهويد " أرض الميعاد من النيل الى الفرات "؟!.



ان " السياسة المتغلبة " القائمة على الباطل للأقوياء، لا تعترف بالحقوق القومية للشعوب الضعيفة، ولا تقيم وزنا لسيادتها وحريتها، وكل أمة تريد ان تحيا ، وان تنشئ دولة تتمتع بالسيادة الدولية، عليها ان تستعد لحماية مصلحتها وسيادتها، في العراك الدولي القادم، بقوتها الذاتية.



ولا يمكن لأي أمة، وخصوصا أمتنا السورية وعالمها العربي، ان تتغلب على منطق " السياسة المتغلبة " الا بسياسة متغلبة أقوى، تحفظ فيها حياتها وتفرض بها ارادتها، وتثبت بموجبها سيادتها القومية وتحتل مكانها اللائق بها في منظومة الدول الحرة التي تتعاطى مع بعضها البعض على مبادئ المساواة والاستقلال والحرية والسيادة القومية.



ازاء ما تقدم، ما هو مستقبل السيادة القومية ؟






مستقبل السيادة القومية :



اذا كانت السيادة القومية في منظومة الدول هي النظرية ( Thèse ) والأخطار المحدقة بها هي النظرية المضادة ( ِِAnthithèse ) فما هي المخارج (Synthèse ) التي يتوقعها الباحثون، في هذا المجال، لمستقبل السيادة القومية ثباتا واستمرارا او زوالا وانعداما.



تتوزع هذه المخارج، وأحلاها مر على الدول الضعيفة، بين أربعة سيناريوهات : استمرار السيادة، الحكومة العالمية، اختفاء السيادة وتفكيك السيادة .



يتوقع المؤيدون " لاستمرارية السيادة " على بقاء الدول ذاتها ، مع الاشارة الى أن أقصى ما يترتب على هذه السيادة ، من التطورات الجارية في النظام الدولي، هو استهداف الوظائف او الأدوار التي تقوم بها الدولة دون القدرة على المساس بمقوماتها الأساسية، أي تلك المرتبطة بواقع الأمة شعبا وبيئة طبيعية.



في المقابل ، يراهن القائلون " بالحكومة العالمية" على " تنازل الدولة القومية عن سيادتها لصالح حكومة عالمية منبثقة من نظام عالمي ديمقراطي".



نرى في المقابل ، أن أصحاب نظرية " اختفاء السيادة " ترتكز توقعاتهم على اختفاء " الدولة القومية" ذاتها، أي على زوال الفكر القومي القائم على وجود الأمة، ليحل مكانها ما يسمى بالشركات المتعددة الجنسية، التي سيكون دور الدولة فيها خدمة المصالح المسيطرة للشركات الدولية العملاقة الاحتكارية.



ويبقى سيناريو تفكيك الدول وسيادتها، هو الخطر، لأنه الأسهل على الدول القوية تحقيقه والأصعب على الدول الضعيفة مقاومته. ويقضي هذا "السيناريو " بتفكيك الدول الضعيفة، عبر الحروب الأهلية والنزعات الانفصالية الى دويلات فاقدة معاني السيادة الحقيقية خاضعة " لهويات " سلالية، أو " ثقافية " أو طائفية ، أو أثنية أو عنصرية .. على أن تستخدم هذه الدويلات كأدوات طيّعة في خدمة مصالح الدول القوية وارادتها.



والأشد خطورة في هذا السيناريو التفكيكي ، هو ارتكازه على بعض قرارات الشرعية الدولية التي أعطت الصفة القانونية الدولية لهذه الحالة الشاذة في العلاقات الدولية، من خلال تأكيدها على المعاهدات والوعود السياسية الباطلة حقوقيا، لأنها تشكل تعديا وخرقا للسيادة القومية التامة للشعوب ، مثال على ذلك " معاهدة سايكس- بيكو" و" وعد بلفور" .



باختصار ، ان الأخطار التي تهدد مضامين سيادة الدولة اضافة الى الأخطار الداخلية والخارجية ، هو ضعفها في الدرجة الأولى، فكل أمة تريد أن تكون سيادتها محترمة، عليها ان تعتمد على مبادئ القوة في مظهرها المادي – الروحي . فالقوة وجدت لتدعيم الحق، ولا يصح العكس، بمعنى أن الحق ليس للقوة، وهذا ما اثبتته دروس التاريخ لكل من له عقل يعي، فلا سيادة حقيقية بدون دولة قوية قائمة على أساس حقوقي.



الا أنه في عصر تنازع موارد الحياة والتفوق بين الأمم، ما هي الحلول المقترحة لتثبيت سيادة الدول؟





المحور الخامس



الحلول المقترحة لتثبيت سيادة الدول على الأساس الحقوقي ، واحترام المصالح والتعاون الدولي



غاية كل نشاط انساني، أكان مادياً أو فكرياً وروحياً، هو باختصار ، خدمة مبدأ الخير العام للانسانية جمعاء . وبما أنّ مفاهيم السيادة تتقاطع عند مركزية المحافظة على كرامة الدول واقامة روح المساواة والعدل فيما بينها، والتأكيد على حرياتها وعناصر استقلالها، وفي الجانب الآخر منها العمل الجاد على التوصل الى قيام نظام أمني كوني يؤمن الاستقرار والسلام الدوليين، وينهي، بالتالي ، حالة الفوضى الانترنسيونية، وما ينتج عنها من تداعيات تتمثل بالحروب، وما يرافقها من مآس انسانية وخراب عمراني، كان لا بد ، استنادا الى ما تقدم ، من التفكير جديا في ايجاد " عقيدة كونية " تضع العالم أمام فجر جديد ، تشرق فيه المحبة والتعاون والسلام على الانسانية جمعاء.



منذ بداية العمران في قيام القرية ، حيث كانت انطلاقة الحياة السياسية، وحتى يومنا هذا ، والفكر الانساني يحاول ايجاد الحلول المناسبة لتأمين سيادة الدول وحريتها وكرامتها.




لقد رافق تطور الاجتماع البشري وثقافته، ظواهر متعددة، جديرة بالتوقف عند بعضها، خصوصا ما تعلق بالدولة وسيادتها، وذلك من أجل مقاربة الحلول المقترحة لتثبيت سيادة الدول على الأساس الحقوقي، واحترام المصالح ، والتعاون الدولي، والتوصل ، في نهاية المطاف، الى اقامة سلام عالمي عادل ودائم.



ظاهرتان اجتماعيتان ، بارزتان رافقتا تطور الاجتماع البشري، وكان لهما تأثيرهما المباشر على مفهوم " السيادة " وتطوره، هما: " شخصية الفرد"، وظهور " شخصية الجماعة " ، في الظاهرة الأولى ، برزت شخصية الفرد، وكأنها مستقلة عن شخصية الجماعة، لا بل فوقها، فهي لا تشعر الا بوجودها، ولا تفهم الا ذاتها ، ولا تسعى الا لتأمين مصالحها، ولا تريد الخير الا لنفسها ، فهي صاحبة الارادة والسيادة والقرار، سلطاتها مستمدة من قوى غيبية ، في يدها القضاء والقدر، وسلطانها لا يزول حتى زوال الأرض والسماء!.



وتميز ظهور " شخصية الجماعة " بالارتقاء الفكري، نحو أعظم ظاهرة اجتماعية في عصرنا، ألا وهي مرتبة " الوجدان القومي" اي الشعور بوحدة الحياة ووحدة المصير، في المتحد القومي الكبير، أي الأمة . في هذه المرتبة تقدمت شخصية الجماعة، وما رافقها من دلائل سيادة المجتمع واستقلاله، على الشخصية الفردية وسيادتها وحريتها.



لعل انطون سعاده، في مقدمة كتابه " نشؤ الأمم " هو أفضل من تطرّق الى تفسير هاتين الظاهرتين الاجتماعيتين، يقول سعاده:



" ان الوجدان القومي هو أعظم ظاهرة اجتماعية في عصرنا،وهي الظاهرة التي يصطبغ بها هذا العصر على هذه الدرجة العالية من التمدن. ولقد كان ظهور شخصية الفرد حادثاً عظيماً في ارتقاء النفسية البشرية وتطور الاجتماع الانساني. أمّا ظهور شخصية الجماعة فأعظم حوادث التطور البشري شأناَ وأبعدها نتيجة وأكثرها دقة ولطافة واشدها تعقدا، إذ إنّ هذه الشخصية مركب اجتماعي – اقتصادي – نفساني يتطلب من الفرد أن يضيف الى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية جماعة، أمّته ، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه وأن يجمع الى فهمه نفسه فهمه نفسية متحده الاجتماعي وأن يربط مصالحه بمصالح قومه وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم به ويود خيره، كما يود الخير لنفسه.



كلّ جماعة ترتقي الى مرتبة الوجدان القومي، الشعور بشخصية الجماعة، لا بد لإفرادها من فهم الواقع الاجتماعي وظروفه وطبيعة العلاقات الناتجة عنه. وهي هذه العلاقات التي تعيّن مقدار حيوية الجماعة ومؤهلاتها للبقاء والارتقاء، فبقاؤها غامضة يوجد صعوبات كثيرة تؤدي الى اساءة الفهم وتقوية عوامل التصادم في المجتمع فيعرقل بعضه بعضاً ويضيّع جزءاً غير يسير من فاعلية وحدته الحيوية ويضعف فيه التنبّه لمصالحه وما يحيط بها من أخطار من الخارج.



وإنّ درساً من هذا النوع يوضح الواقع الاجتماعي الانساني في أطواره وظروفه وطبيعته، ضروري لكل مجتمع يريد أن يحيا. ففي الدرس تفهّم صحيح لحقائق الحياة الاجتماعية ومجاريها. ولا تخلو أمّة من الدروس الاجتماعية العلمية الا وتقع في فوضى العقائد وبلبلة الأفكار".



لقد وضع سعاده في مقدمة " نشؤ الأمم " القاعدة الأساسية المركزية لبناء صرح انساني عماده وعصبه " الوجدان الانترنسيوني " الذي يتطلب من كل أمة تامة الحقوق والسيادة والاستقلال ، ان تضيف الى شعورها بشخصيتها شعورها بشخصيات الأمم الأخرى، وأن تزيد على احساسها بمصالحها احساسها بمصالح المجتمعات الأخرى، وأن تجمع الى فهمها نفسها فهمها نفسية المتحدات الأخرى وأن تربط مصالحها، عن طريق التعاون والتفاهم والاحترام بمصالح غيرها من الأمم، وان تشعر مع باقي الشعوب وتهتم بها وتودّ الخير لها كما تودّه لنفسها. وهكذا يتأمن السلام العادل والدائم والمشرّف للانسانية جمعاء.



طبعا، إن ظاهرة يقظة " الوجدان الانترنسيوني" تبدو للوهلة الأولى، وكأنها من النظريات المثالية التي تختزنها الكتب، وتعجز الانسانية على الأخذ بها وتطبيقها ؟! ولكنّ الحقيقة تكشف ان فكرة " عصبة الأمم " ومن بعدها " هيئة الأمم المتحدة " ولدت وتحققت بعد آلاف السنين على بدء الدولة التاريخية. انّ عصر المعرفة، الذي نعيشه اليوم، اختصر الزمن وقرّب المسافات، وأخضع الكون والطبيعة والانسان لمشيئته ، انّ عصر المعرفة هذا اذا أحسنا الافادة منه في مشروع منظم، لتحقيق خير الانسانية وسلامها لوصلنا الى هدفنا آجلا أم عاجلا، انّه شمعة في ظلام البشرية ، وخير للانسان ان يشعل شمعة ولو لمرّة من أن يلعن الظلام كل مرّة .



إنّ العالم يتخبط اليوم في الفوضى والظلام، وان الحق فيه للقوة المتوحشة المتمظهرة في السلاح والمال والسلطة، وقد عجزت "هيئة الأمم المتحدة " عن لجم القوة المتوحشة ، التي استباحت سيادة الدول وكرامتها وحريتها واستقلالها وحقوقها. إنّ العالم يتجه نحو حروب مرعبة، لا أثر فيها للأسلحة التقليدية، حيث ستحل مكانها الأسلحة النووية والجرثومية، التي ستخرج في معظمها من سيطرة أصحابها لتقع في يد الارهابيين من دول وجماعات وأفراد، وستحوّل العالم الى مسرح للجريمة الجماعية المنظمة التي سيكون وقودها الأبرياء في كلّ مكان ، ولن يكون هناك من غطاء فوق رأس أحد يحميه حتى من السلاح الذي انتجه، ليفتك به بالآخرين فيرتد عليه موتا وهلاكا ودمارا وفناء.



لم يعد يفصلنا عن زمن الفوضى المنظمة الشاملة كل زاوية من هذا العالم، الا مسافات قصيرة، وتبدو سيناريوهات الحلول المطروحة من قبل الأقوياء المتوحشين، أكرّر بالمال والسلطة والسلاح، انها ستزيد الأمور تعقيدا، ونحو خراب البشرية يسيرون بسرعة. حتى أنّ الحل الوحيد الذي طرحناه في بداية هذا المحور والذي يقوم على يقظة " الوجدان الانترنسيوني" من أجل تحقيق السلام العالمي العادل والدائم دونه مسافة من الزمن تطول أو تقصر وهذا رهنا بارادة الشعوب وثوراتها وانتفاضاتها من أجل سياداتها وحريتها واستقلالها وتأمين مستقبل أجيالها في حياة العز، إذ لا معنى للوجود وراء ذلك.





 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017