العام الميلادي 2006 يوشك على الرحيل ،ولكن تداعيات أحداثه ستبقى تتفاعل وغراسه الضارة والنافعة ستنمو هنا وتموت هناك ، عام 2006 على المستوى الفلسطيني كان مميزا وسيظل منقوشا في تاريخ فلسطين الحافل،الأسئلة عن العام الجديد وما هو متوقع وما ستؤول إليه الأمور كثيرة ومتنوعة:هل ستشن إسرائيل عملية عسكرية واسعة على قطاع غزة؟ هل ستشكل حكومة وحدة وطنية؟هل ستجري انتخابات مبكرة؟هل سيعود الدم الفلسطيني مقدسا ومحترما بشكل مطلق عند كل الأطراف وينتهي الاقتتال الداخلي تماما أم ..؟ هل سيرفع الحصار أو على الأقل تخف حدته؟ وغير ذلك من الأسئلة،وأنا في هذا المقال لن أتطرق إلى المتوقع بنسبة ما،بل سأتحدث عن المستحيل ،كل شيء بعلم الله ،ويكفيني أن أجيب على الأسئلة السابقة بالقول "الله أعلم" أو بعبارات مبهمة وعامة مثل "ربما...ولكن...إذا " ،لكن الحديث عن المستحيلات أمر مختلف،فهو كالقول بأن عود الثقاب يشتعل مرة واحدة ،أو إن الموتى لا يعودون إلى الحياة إلا يوم القيامة،أو أن الأرض تبتل عندما تهطل السماء،وغير ذلك من الأمور القطعية،التي لا تتغير إلا بمعجزات من رب الأرباب.
يبقى الحدث الأبرز في عام 2006م فلسطينيا هو فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي التي أجريت في الخامس والعشرين من الشهر الأول من العام(كانون الثاني،يناير) ،فمن هو راض أو غاضب أو لا مبال يقرّ أن هذا هو الحدث الأهم والأكثر تأثيرا في العام الذي يعد ساعاته الأخيرة،وما تلا ذلك من تشكيل الحكومة الفلسطينية الحالية ،وفرض الحصار على الشعب الفلسطيني من أطراف دولية وإقليمية،وزيادة الاحتقان السياسي وتسارع الخلافات بين مؤسستي الرئاسة والحكومة،وعملية "الوهم المتبدد" والرد عليها "بأمطار الصيف" ،وتطور وتصاعد الخلافات بين الفصيلين الكبيرين إلى اشتباكات مسلحة واعتداءات بين الفينة والأخرى،وطبعا دعوة رئيس السلطة محمود عباس إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة،فما هو المستحيل على الساحة الفلسطينية ،على المدى المنظور؟
* المستحيل رقم (1):من المستحيل عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل يوم 25/1/2006م ،فعجلة الزمان لا تعود إلى الوراء،فقد انتهى زمن الحزب الوحيد الأوحد والاحتكار السياسي،ومهما كان حجم الترغيب والترهيب فإن سنن الله في الكون لا تتبدل،لقد انتهت حقبة التفرد السياسي على الساحة الفلسطينية منذ ذلك اليوم ومستحيل أن تعود تلك الحالة تحت أي مسمى أو شعار أو ضغط داخلي أو خارجي.
· المستحيل رقم (2) : هناك شخصيات و أطراف من المستحيل أن ترضى أو تقبل بالتسليم بما سبق وهي أطراف متنوعة ومتعددة المشارب والدوافع ؛فمنها من هو مستقوٍ أو مدفوع من جهات خارجية،ومنها من هو حريص وخائف على مصالحه ومكتسباته الشخصية هو وعائلته ويريد الحفاظ على تلك المكتسبات بكل ما أوتي من قوة،ومنها من يريد ألا يفتح ملف الفساد الذي تورط به مطلقا وفي سبيل ذلك يوتر ويؤجج الساحة باتجاهات أخرى،ومنها من هو مدعوم من تنظيم له قاعدة جماهيرية ،ومنها من له ميليشيات أو عناصر مسلحة،ومنها من لا وجود له إلا في الصالونات المغلقة وشاشات الفضائيات ولو جمعت أتباع الفصيل/الفصائل الذي ينتمي إليه بعضهم من رفح إلى جنين فلن تملأ مايكروباص...هذه الفسيفساء السياسية والعائلية والاقتصادية ستظل رافضة للتسليم ولن توقف حملاتها الإعلامية والسياسية وغيرها إلا تكتيكيا وموسميا أو من باب "مكره أخاك لا بطل" أو ضمن صفقات خاصة بكل طرف منها مع حماس أو الحكومة الحالية أو طرف وسيط!
· المستحيل رقم (3) :إسرائيل من المستحيل أن تثق بأي طرف فلسطيني مهما أظهرت من لين قول أو معسول كلام ،أو مدحا لطرف وذم لآخر،فإسرائيل تعتمد على جيشها ومخابراتها وجدارها الفاصل، عدا عن الدعم الأمريكي المطلق،صحيح أنها تتمنى بل وتسعى وتشجع على اقتتال داخلي أو حرب أهلية شاملة،ولكنها في النهاية تعتمد على نفسها في المجال الأمني بالدرجة الأولى،ولن تعطي مكافآت سياسية لأحد من الفلسطينيين أيا كان ومهما قالت عنه!
· المستحيل رقم (4) : وجود تيار فلسطيني قوي وكبير ومؤثر غير القوتين الكبيرتين (فتح وحماس) في المدى المنظور ،وحتى على المدى البعيد ما لم يكن موقف هذا التيار واضحا من مسألتين وهما "الإسلام والمقاومة" وأعني بالمقاومة الجانب المسلح منها تحديدا،فمهما حاول البعض أو اجتهد لاختراق حالة السيطرة شبه المطلقة لحماس وفتح على الجمهور ومهما كان حجم الدعم والتشجيع الذي يحظى به من هنا وهناك فلن تكلل تلك المحاولات بالنجاح إلا بعد مدة زمنية ليست قصيرة نسبيا بالتزامن مع حسم الإجابة حول الإسلام والمقاومة.
هذه أربع مستحيلات أراها على الساحة الفلسطينية وشعبنا يستعد للاحتفال بعيد الأضحى المبارك واستقبال العام 2007م،الغيب يعلمه الله ،و القواعد أو المستحيلات الأربعة أعلاه أرى أن كل طرف يهتم بها أو ببعضها ،وقد ينظر إليها ناظر بأنها متغيرات لا مستحيلات،وأنا ناصح أمين أقول لمن يشكك،لا تتسرع في الحكم وفكر مليا بما أراه مستحيلا!
|