إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الحقائق الغائبة تحت قميص المحكمة الدولية في لبنان

وزير العدل الأردني الأسبق محمد الحموري (دكتور في القانون)

نسخة للطباعة 2007-01-17

إن من يتابع ما يجري في لبنان وما يصدر من أخبار وتصريحات منسوبة الى ما يسمى أغلبية حاكمة وأقلية معارضة, بخصوص المحكمة ذات الطابع الدولي, يجد أن الحقيقة لا تزال غائبة، أو على الأقل غير معلنة من قبل الفرقاء (أو الأفرقاء حسب التعبير اللبناني). فما حقيقة ما يجري في لبنان حول موضوع المحكمة وما هو أساس الخلاف؟ هل هو إنشاء المحكمة من حيث المبدأ أم تفصيلات نظام المحكمة كتشريع؟ ومن الذي قتل الوزير بيير الجميّل؟ لعل ما يلي يجيب على هذه التساؤلات ويلقي الضوء على الحقيقة الغائبة أو غير المعلنة:

أولاً: كان المطروح في لبنان ولا يزال، تشكيل محكمة ذات طابع دولي وليست محكمة دولية، لمحاكمة من اغتالوا المرحوم رفيق الحريري. والفارق الأساسي بين المحكمتين هو أنه في موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي، يكون من حق حكومة لبنان بعد التفاهم مع مجلس الأمن وضع التفصيلات التي تراها الدولة اللبنانية مناسبة في نظام هذه المحكمة: من حيث تشكيلها، ومدى صلاحياتها، وحدود صلاحية المدعي العام، والقواعد الإجرائية التي تحكم العمل فيها، وإصدار أحكامها واستئنافها، ومواصفات القضاة فيها وجنسياتهم المقبولة أو المستبعدة, وأنه بعد التفاهم مع السلطات اللبنانية، يصدر مجلس الأمن الدولي قراره بشأن نظامها على أساس التفاهم المذكور.

أما المحكمة الدولية، فهي هيئة يقوم مجلس الأمن وحده بتشكيلها، أي دون أن يكون للدولة المعنية أي دور بهذا الخصوص، وذلك إستناداً الى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أي في حالات جرائم الحرب أو جرائم الإبادة الجماعية أو الجرائم ضد الإنسانية.

ثانياً: إن السوابق المعروفة التي يمكن الإقتداء بها والإفادة من تجربتها، هي للمحكمة الدولية وليس للمحكمة ذات الطابع الدولي، الأمر الذي يستوجب مناقشة الجوانب الموضوعية والإجرائية لهذه المحكمة والاتفاق عليها بين الدولة اللبنانية وبين مجلس الأمن. وعليه يكون للنصوص التي يمكن وضعها لهذه المحكمة، آثار كبيرة على الوضع في لبنان, وبخاصة إذا أخذنا بالاعتبار انقسام القوى السياسية اللبنانية الى تجمع حاكم وتجمع معارض، وتقاطع ذلك مع التجاذبات الإقليمية والدولية القائمة في الشرق الأوسط، وما يثار الآن من إمكانية استخدام النصوص التي تحكم صلاحيات المحكمة والمدعي العام وقاضي التحقيق، لأغراض سياسية ضد قوى معينة لا صلة لها بموضوع الجرائم، وإنما يتم حشرها فيها بشكل أو آخر من أجل استثمارها كضغوطات لتحقيق مصالح محلية أو إقليمية أو دولية.

ثالثاً: ومما يلفت انتباه الباحث والمراقب إبتداءً، ارتباط عدد من الاغتيالات في لبنان بتواريخ ذات دلالة مر بها بحث موضوع المحكمة المذكورة:

أ. مع أن جميع القوى والتيارات السياسية في لبنان وافقت من حيث المبدأ على المحكمة ذات الطابع الدولي، إلا أن النقاش داخل الحكومة اللبنانية وبينها وبين الأطراف اللبنانية السياسية بوجه عام، كان يدور حول تحقيق أفضل كيفية لتفصيل المحكمة على النحو الذي يخدم العدالة التي تنشدها دولة لبنان من إنشائها . وعلى الرغم من وجود التباين والاختلاف بينها حول التفاصيل، إلا أن النقاش والحوار في مراحله الأولى أخذ شكلاً رتيباً، وكان يمكن أن يأخذ وقته ومداه، خاصة وأن المحكمة حتى لو نشأت، فإن عملها لن يبدأ قبل اكتمال التحقيق الذي كان يقدّر له أن يأخذ شهوراً أو سنوات، عندما كان النقاش دائراً حول تلك التفاصيل. ومما يلفت الإنتباه حقاً أنه عندما قدم ميليس تقريره الثاني يوم 12/12/2005 أي قبل سنة, تم في ذلك اليوم الذي أصبح فيه التقرير على طاولة مجلس الأمن، اغتيال المرحوم جبران التويني، وهو مسيحي أرثوذكسي وجزء من فريق السلطة الحاكمة في الدولة اللبنانية. وثارت المشاعر وتأججت في لبنان، ووصلت أصداء الإستنكار الى عواصم العالم والى طاولة اجتماع مجلس الأمن. وفي مساء ذات يوم الاغتيال، اجتمعت الحكومة اللبنانية بشكل مفاجىء، واتخذت قراراً أرسلته الى مجلس الأمن تطلب فيه إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي، على الرغم من انسحاب وزراء المعارضة من جلسة الحكومة وتعليق عضويتهم فيها وذلك احتجاجاً على حالة الاستعجال والمفاجأة التي تم فيها اتخاذ القرار، وعدم البحث في التفاصيل المتعلقة بالجوانب التنظيمية والإجرائية والموضوعية التي ينبغي أن يحتويها نظام المحكمة. وهكذا اجتمع طلب إنشاء المحكمة مع تقرير ميليس على طاولة مجلس الأمن ليتم النظر فيهما معاً. لكن فوران الدم النازف من جسد المرحوم جبران غطى على أية أصداء في لبنان كان يمكن أن يحدثها القرار الحكومي المستعجل وتعليق وزراء المعارضة لعضويتهم في مجلس الوزراء، وصدور قرار مجلس الأمن بالموافقة على طلب حكومة لبنان بإنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي.

ب. وبعد زوال الصدمة التي أحدثها اغتيال المرحوم جبران، عاد الشد والجذب بين الحكومة والمعارضة، لخروج الحكومة على مبدأ التوافق في اتخاذ قراراتها مما يجعل وجود المعارضة في الحكومة عديم الأثر. وقد وصل الخلاف حدوده القصوى في شهر تشرين الثاني 2006 ، حيث قدم وزراء المعارضة استقالاتهم معلنين استعدادهم للعودة عنها إذا وافقت الحكومة على مبدأ الثلث الضامن أو الثلث المعطل. وخلال الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني، أعلنت قوى المعارضة أنه لم يعد أمامها سوى الدعوة لإعتصام شعبي غير مسبوق من أجل تحقيق مطالبها، الأمر الذي أدى الى أن يدعو رئيس مجلس النواب نبيه بري الى جلسات تشاورية بين (الأفرقاء) لمدة أسبوع، بهدف التوصل الى أية حلول ملائمة لجميع الأطراف. لكن ما حدث خلال ذلك الأسبوع يلفت النظر:

-فمن ناحية دبت حالة من الاستعجال في مجلس الأمن، للإنتهاء من إعداد مشروع المحكمة ذات الطابع الدولي، فأقرها في يوم 21/11/2006 ووصل الاستعجال ذروته الى حد استحضار المندوب الروسي بالسرعة الممكنة من أجل هذه الغاية، وفي الوقت نفسه تم إرسال المشروع الى الحكومة اللبنانية للنظر فيه والموافقة عليه.

-وفي ذات اليوم الذي أقر فيه مجلس الأمن مشروع المحكمة، أي 21/11/2006 وفي أثناء أسبوع التشاور, تم اغتيال بيير الجميّل الوزير الماروني في الحكومة. وفي أعقاب الاغتيال مباشرة، ودون انتظار انتهاء أسبوع التشاور ودون إعطاء الوقت الذي طلبته المعارضة لدراسة المشروع الذي ورد باللغة الإنجليزية، دعا رئيس الحكومة اللبنانية الى عقد جلسة مستعجلة لمجلس الوزراء، في 25/11/2006 وأقر المشروع على عجل، أي في غيبة المعارضة. ومرة أخرى، غطى الدم النازف من الوزير الجميل، على أية أصداء في لبنان كان يمكن أن يحدثها القرار الحكومي المستعجل بالموافقة على المشروع. وهكذا، خفت صوت السياسة أمام هول المصاب، ولكن الى حين انتهاء هول الصدمة.

ج_ إن الارتباط بين تواريخ الاغتيالات وحالة الاستعجال في إصدار الحكومة للقرارات المتعلقة بالمحكمة ونظامها, يلفت النظر حقاً، وليس له من تفسير سوى القول أن الدم اللبناني لقيادات الأغلبية، كان وسيلة تم استخدامها لاستعجال طلب إنشاء المحكمة أولاً، ثم التغطية على إقرار مشروع نظامها ثانياً. وفي هذا المجال لا بد من القول، أن اغتيال الوزير بيير الجميّل في وضح النهار في بيروت، يدفع المراقب الى استذكار محاولة اغتيال خالد مشعل من قبل الموساد الإسرائيلي في وضح النهار بأحد شوارع عمان!! وإذا كان هذا التماثل يوحي بدلالات معينة عندنا، فإن الصحافة الأمريكية قد وضعت الأمر بصورة أكثر وضوحاً عندما اتهمت نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني والإستخبارات الإسرائيلية بأنهم يقفون وراء اغتيال الجميّل.

رابعاً: لا يملك من يقرأ مواد مشروع نظام المحكمة ذات الطابع الدولي التي وضعها مجلس الأمن على عجل، وأقرتها الحكومة اللبنانية على عجل أيضاً، ويربط بين ذلك وبين السياسات الدولية المصلحية في منطقتنا، إلا الخروج باستنتاجات مؤداها أن دم الحريري وغيره ممن طالتهم الاغتيالات، هو آخر ما تهتم به الأطراف الدولية الفاعلة، وأن الغاية هي استخدام المحكمة، بموجب المواد التي تم تشريعها في نظامها لتحقيق مصالح محلية إقليمية ودولية، كما أسلفنا، وكما نؤكده فيما يلي:

أ. مع أن المادة رقم (1) من نظام المحكمة، وإن قررت أن اختصاص هذه المحكمة هو النظر في جريمة اغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري وغيرها من الجرائم الواقعة بين تاريخ 1/10/2004 و12/12/2005 إلا أن هذه المادة وبصيغتها التي يكتنفها الغموض والعموم الفضفاض، أعطت المحكمة إختصاصاً يمكّن هذه المحكمة من النظر بأية جرائم مماثلة لها تقع في أي وقت آخر تقرره (الأطراف) بموافقة مجلس الأمن سواءٌ كان هذا التماثل في النية الجرمية (الدافع) أو في الغرض، أو في طبيعة الضحايا المستهدفين، أو في نمط الإعتداءات (طريقة العمل).

وإذا كان من الضروري أن يدخل في اختصاص المحكمة الجرائم اللاحقة لتاريخ 12/12/2005 وهو تاريخ اغتيال جبران التويني، فإن جعل اختصاص المحكمة مفتوحاً، وبحيث يمتد الى أي فعل وقع في الماضي، مهما كانت المدة التي مضت عليه يفتح الباب لتجريم أية أفعال وقعت من أي أشخاص يشكلون الآن أو في الغد خصوماً سياسيين لأطراف محلية أو إقليمية أو دولية، وعلى وجه الخصوص تجريم الأفعال التي حدثت في أثناء الوجود السوري في لبنان، بل وحتى تجريم العمل الفدائي الذي قام به حزب الله ضد القوات الأمريكية الغازية للبنان عام 1980 ويؤكد هذه الأبعاد المحتملة ما يلي:

.1 أن المادة (5/2) تعطي للمحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي، صلاحية محاكمة أي شخص سبق أن تمت محاكمته أمام القضاء اللبناني، وصدر عليه حكم من هذا القضاء باسم الشعب اللبناني (مادة 20 من الدستور), عن أي فعل صدر عنه واعتبار هذا الفعل جريمة، حتى ولو كان القضاء اللبناني قد حكم على هذا الشخص بعدم المسؤولية، بل وحتى لو كان القضاء اللبناني قد أدانه وحكم بتجريم ما صدر عنه، وأصدر عليه العقوبة بموجب هذا التجريم، وذلك إذا قدرت هذه المحكمة الخاصة أن القضاء اللبناني الذي حاكمه يفتقر الى اعتبارات الحياد أو أن الإدعاء اللبناني لم يكن قد أدى دوره بالعناية الواجبة!!! وهنا ينبغي التأكيد أن الحكم القضائي عندما يصبح نهائياً، فإنه يرتب حقوقاً مكتسبة لمن صدر الحكم في مواجهتهم، ولا يجوز لأية جهة المساس بهذه الحقوق بأثر رجعي إلا بموجب نص دستوري يبيح للقوانين أن تنص على ذلك، وعندها سيكون مثل هذا النص غريباً ومستهجناً. ومن ناحية أخرى، فإن محاكمة الشخص عن فعل واحد مرتين أمر يحرمه النظام القانوني اللبناني وغيره من النظم القانونية في العالم، بما في ذلك نظم أمريكا وبريطانيا وفرنسا!!

.2 لا تعترف المادة (6) من نظام المحكمة، بأي عفو أصدرته الدولة اللبنانية عن أي شخص وفقاً لدستورها وقوانينها. وللعلم، فإن العفو وفقاً للمادة(53/9) من الدستور اللبناني إما أن يكون خاصاً يصدره رئيس الجمهورية بموافقة مجلس الوزراء (أي السلطة التنفيذية)، وإما أن يكون عاماً يصدر بقانون يقرّه مجلس النواب اللبناني (أي السلطة التشريعية). وكما نعلم فإن كلاً من السلطتين تتمتع بسيادة دستورية خاصة بها، وعليه لا يجوز اعتبار ما صدر عنهما من عفوٍ باطلاً أو لغواً وبخاصة لما يرتبه هذا العفو من حقوق مكتسبة لمن صدر لصالحه. إذن فنص المادة (6) المذكورة، ينتهك سيادة الدولة اللبنانية ودستورها. فما بالك إذا كانت الحكومة اللبنانية التي أقرت نظام المحكمة لا تملك سلطة الخروج على دستور دولتها!!!

.3 تفرض المادة (4) من نظام المحكمة، على "السلطة القضائية" اللبنانية التنازل للمحكمة عن اختصاصها في أية قضية منظورة أمامها فور تسلم هذه السلطة طلباً من المحكمة المذكورة. وهنا ينبغي التأكيد أن السلطة القضائية اللبنانية هي إحدى السلطات الدستورية الثلاث في دولة لبنان، واختصاصها بالقضايا المنظورة أمامها، مفروض بحكم الدستور اللبناني (مادة 20 من الدستور)، وليس من حق السلطتين التنفيذية و/أو التشريعية أن تفرض على هذه السلطة التنازل عن اختصاصها إلا بموجب تعديل للدستور اللبناني يعطيها صلاحية هذا التنازل.

.4 لا يجادل أحد في أنه سيكون للإتفاقية الموقعة بين الأمم المتحدة وبين الدولة اللبنانية بالموافقة على نظام المحكمة- بعد استكمال الإجراءات اللازمة لإقرارها من قبل مجلس النواب اللبناني وتوقيع رئيس الجمهورية والحكومة عليها - الأولوية في التطبيق على أية قواعد دستورية أو قانونية في لبنان. لكن ذلك يقتضي تعديل النصوص الدستورية والقانونية اللبنانية على النحو الذي يستوعب الإتفاقية ونظام المحكمة، إذ أنه لا الحكومة اللبنانية ولا مجلس النواب اللبناني، يملك في ظل نصوص الدستور القائمة أن يقرر عدم الاعتراف بالأحكام القضائية النهائية التي أصدرها القضاء اللبناني، أو المساس بالحقوق المكتسبة التي ترتبت على العفو العام أو الخاص أو يفرض على السلطة القضائية التنازل عن اختصاصها في القضايا المنظورة أمامها والعصف بمبدأ الفصل بين السلطات.

ب. ويبدو أن الجهات الدولية التي كانت وراء وضع نصوص نظام المحكمة كانت حريصة أكثر من اللازم على استخدام هذه المحكمة لأغراض سياسية خاصة بها، تتمثل في تصفية خصومها، سواء أكان هؤلاء دولاً أو جماعات أو حركات أو أحزاباً أو أفراداً عرباً أو مسلمين، سنة أو شيعة. ونتبين ذلك مما يلي:

.1 وفقاً للمادة (11) من نظام المحكمة, فإن المدعي العام الأساسي للمحكمة- الذي يتولى التحقيق وتوجيه الاتهام الفردي أو المشترك، وسوْق من يتهمهم إليها- هو قاض دولي.

.2 ووفقاً للمادة (8)، فإن المحكمة تتكون من:

_ قاض ما قبل المحاكمة وهو قاضٍ دولي، حيث يتولى تدقيق قرار الاتهام الذي يعده المدعي العام، وإصدار أوامر الاعتقال.

_ دائرة محكمة الدرجة الأولى التي تتكون من قاضيين دوليين وقاضٍ لبناني، وتتولى المحاكمة.

_ دائرة محكمة الاستئناف التي تتكون من ثلاثة قضاة دوليين وقاضيين لبنانيين، حيث تستأنف أحكام محكمة الدرجة الأولى إليها.

.3 ويلاحظ على التشكيل السابق للمحكمة وللإدعاء العام ما يلي:

_ إن الشروط الأساسية الواجبة في تعيين القضاة والمدعي العام هي توافر الخبرة والنزاهة والخلق الرفيع, وأن الذي يقرر شكلياً توافر هذه الشروط أو عدمه، هو الأمين العام للأمم المتحدة حسب المادتين (11,9) من نظام المحكمة. أما عملياً أو واقعياً فإن الذي يقرر توافرها أو عدمه، فهو رئيسة الدائرة القانونية في مكتب الأمين العام، وهي إمرأة يهودية متعصبة تحمل درجة الدكتوراه من جامعة تل أبيب!!!

_ لقد تم إعلام العالم أجمع، بتوافر هذه الشروط في القاضي ميليس الذي تم تعيينه بالطريقة السابقة نفسها، مع أن هذا القاضي قدم تقريرين تحقيقيين الى مجلس الأمن في موضوع اغتيال الحريري، وجه فيهما اتهامه الى أشخاص وجهات بعينها في الفقرات الأولى من أول تقرير له، ثم راح يبني تحقيقه بناء على هذا الإتهام، وقد تم طرد هذا القاضي الدولي طرداً عملياً من موقعه، بحجة انتهاء مدته، لأنه لم يخف على أحد، تآمره مع جهات أخرى، وانعدام نزاهته وغياب الخلق المطلوب ممن يُشغل مثل موقعه. فهل هناك أي ضمان حقيقي أن لا يكون القضاة الدوليون في المحكمة ذات الطابع الدولي المزمع إنشاؤها والذين سيوضع بين أيديهم مصير لبنان والمنطقة بأسرها من نوعية القاضي ميليس؟؟؟

_ لا يوجد في نظام المحكمة أو مبادىء القانون والتقاضي العامة التي يشير إليها نظام المحكمة، ما يمنع من تعيين صهيوني أوروبي أو أمريكي، أو حتى إسرائيلي، قاضياً في المحكمة، مع العلم أن إثارة هذا الأمر، سوف يجعل من يثيره مقترفاً "لجريمة معاداة السامية" وفقاً للقوانين الصادرة بهذا الشأن في كل من أمريكا ودول أوروبا.

_ تصدر أحكام الدائرتين، دائرة الدرجة الأولى ودائرة الاستئناف في هذه المحكمة، بأغلبية القضاة. وهذا يعني أنه مهما كانت قناعة القضاة اللبنانيين بعدم مسؤولية أي متهم أو براءته، ومهما كتبوا في حكمهم المخالف من حيثيات وأسباب فلن يكون له أي أثر في منع صدور أحكام ملزمة من المحكمة ذات الطابع الدولي، تجرم من تريد وتنفذ الحكم الذي يصدر بهذا الشأن. فلماذا يقبل لبنان لقضاته دور "شاهد ما شافش حاجة"!!!

ج_. وفقاً للمادة (8) من الاتفاقية الدولية بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بإنشاء المحكمة، تعقد المحكمة جلساتها خارج لبنان. وللمدعي العام- ما دام يدخل في اختصاصه إثبات الجرم بحق المتهم (المادة 16/3/ب) من النظام- أن يطلب من قاضي ما قبل المحاكمة إصدار الأمر باعتقال وتوقيف أي شخص ونقله الى مكان المحكمة (المادة 18 من النظام). وإذا لم يتم تسليم هذا الشخص من قبل دولته، فيتم إبلاغه عن طريق النشر، لتتم بعد ذلك محاكمته وإصدار الحكم عليه غيابياً إذا لم يحضر (المادة 22 من نظام المحكمة). ومن الطبيعي بعد صدور الحكم أن تخاطب المحكمة جميع الدول والإنتربول (البوليس الدولي)، بإلقاء القبض على من صدر عليه الحكم ليواجه مصيره!!! ونتساءل، كم عدد الأشخاص من أبناء لبنان وسورية الذين ستكتفي الجهات الدولية بجعلهم يواجهون هذا المصير، وما هو المقابل المطلوب الذي سترتضي به هذه الجهات الدولية لتجنب ذلك!!!

د. للمحكمة حق استدعاء أي شاهد وفقاً لما تراه مناسباً (المادة 20/3 من النظام)، ولها أن تكتفي بشهادة مكتوبة يتم إرسالها من الشاهد (مادة 21/3 من النظام). ويدخل في السلطة المطلقة لهذه المحكمة، أن تقرر في أثناء المحاكمة نوع الأدلة التي تقبلها وفقاً للمعايير الدولية (المادة 19 من النظام)، وليس وفقاً لقانون دولة لبنان أو أي قانون منضبط يحدد الأدلة المقبولة وغير المقبولة إبتداءً وعلى نحو معروف سلفاً ليبني المتهم دفاعه على أساسه!!، وعلى المحكمة أن تجري المحاكمة بإجراءات سريعة (المادة 21/1 من النظام).

ه_ ووفقاً للمادة (3/2) من نظام المحكمة: "يتحمل (الرئيس) المسؤولية الجنائية عن أي جريمة من الجرائم المنصوص عليها في النظام والتي يرتكبها العاملون تحت سلطته وسيطرته الفعليتين كنتيجة لفشله في السيطرة على هؤلاء الأشخاص". ويلاحظ على هذا النص أنه يشكل حكماً موضوعياً في التجريم ليس له أي مثيل في القوانين الجزائية العربية والأجنبية. وهو نص شاذ في تجريم (الرئيس) لمجرد فشله في السيطرة, مع أن الفشل هنا هو مخالفة وظيفية أو إدارية وليست جزائية, وأقصى مسؤولية تقع على الرئيس هي مسؤولية إدارية وعقوبة إدارية، مع إمكانية إلزامه بتعويض المضرور وفقاً لقواعد المسؤولية المدنية التعويضية التي تقرر مسؤولية المتبوع عن أفعال تابعه المشهورة في كل من القانون الفرنسي، والقانون الألماني, والقانون الإنجليزي والقانون الأمريكي، وقوانين الدول العربية بما فيها القانون اللبناني. غير أنه وفقاً للنص الوارد في النظام المذكور أعلاه، فإنه يمكن تجريم (الرئيس)، أي رئيس!!! سواء أكان رئيس دولة أو رئيس حزب أو رئيس تنظيم أو تجمع سياسي ... أو حتى رئيس تحرير جريدة، لوجود كلمة رئيس في لقبهم الوظيفي، بسبب أي فعل جرمي اقترفه أي من مرؤوسيهم!!، وكأن الرئيس (أي رئيس) هو رئيس عصابة ليس إلا وليس رئيساً إدارياً أو سياسياً.

و. تكون أحكام المحكمة بالسجن المؤبد أو لعدد من السنين (المادة (1/24ويتم تنفيذ الحكم في سجون إحدى الدول التي يختارها رئيس المحكمة من بين الدول التي استعدت لفتح أبواب سجونها للمحكوم عليهم (المادة 29).

ز. وبموجب المادة (16) من الاتفاق المعقود بين الأمم المتحدة وبين الجمهورية اللبنانية، تتعهد الحكومة اللبنانية بأن لا تصدر عفواً عاماً يشمل أي أشخاص تدخل أفعالهم الجرمية في اختصاص المحكمة، كما أن أي عفو عام صدر في الدولة اللبنانية سابقاً وشمل أي أشخاص أو أية أفعال، لا يشكل عائقاً يحول دون المحاكمة وبعبارة أخرى يكون العفو لاغياً ولا قيمة له. ويلاحظ هنا أنه ما دام أن العفو العام يصدر بقانون (المادة 54/9 من الدستور اللبناني) أي بموافقة مجلس النواب اللبناني الذي يمثل الشعب اللبناني، فإن المادة (16) من الاتفاق سابق الذكر، تكون مخالفة لهذا الدستور، لأن هذه المادة تلغي السلطة السيادية للسلطة التشريعية اللبنانية في إصدار قانون للعفو مستقبلاً من ناحية، ومن ناحية أخرى، تلغي القيمة السيادية لقانون عفو صدر وأنتج آثاره في الماضي، وأصبح من صدر لمصلحته صاحب حق مكتسب بموجبه، كما أسلفنا.

خامساً: ويلاحظ أن الآثار التي يمكن أن تترتب على التنظيم السابق على النحو الذي ذكرناه، تجعل إمكانية إستثمار هذا التنظيم قائمة بكل يسر وسهولة، ضد خصوم القوى الدولية التي وضعت تفاصيل هذا التنظيم. ونتبين ذلك مما يلي:

.1 إن عدداً من مواد نظام المحكمة ذات الطابع الدولي تحمل ملامح التقاضي أمام القضاء الإنجلو أمريكي. ووفقاً للقواعد الإجرائية في التقاضي أمام هذا القضاء, فإن أي شاهد توجه له المحكمة إستدعاءً بالحضور (ويسمى ذلك عندهم (subpoena) ، ولم يحضر في الزمان والمكان المحددين من دون عذر قهري تقبل به المحكمة, فإنه يكون تلقائياً قد اقترف جريمة إجرائية بحكم القانون عقوبتها الحبس، وعليه تنفيذ العقوبة. والسؤال هنا, إذا كانت المادة (28) من نظام المحكمة تعطي لهذه المحكمة السلطة المطلقة في وضع القواعد الإجرائية التي تحكم سير المحاكمة وحضور الشهود, فهل سيكون من بين هذه القواعد، قاعدة الـ (Subpoena) المذكورة؟

.2 يتجاهل عدد آخر من مواد نظام المحكمة، دستور الدولة اللبنانية وسيادة الدولة اللبنانية، ويتعامل مع موضوع المحاكمة تماماً وكأن النظام السياسي اللبناني الذي كان قائماً قبل إنشاء المحكمة قد انتهى، وحل مكانه نظام سياسي آخر بدستور جديد ينص على عدم الاعتراف بما أصدرته السلطة القضائية أو السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية التي كانت موجودة في الماضي، وكأن نظام المحكمة قد جاء منسجماً مع الدستور الجديد للنظام الجديد. وبما أن ذلك لم يحدث، فليس هناك من تفسير لما ورد في نظام المحكمة سوى القول، أنه تم أخذه من أنظمة المحاكم الدولية التي ينشئها مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، في أعقاب الحروب وانهيار النظم السياسية ودساتيرها، وحلول نظم ودساتير جديدة مكانها، مما يتيح لتلك المحاكم الدولية محاكمة العهد السابق بجرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية!!!. ومن العار أن تقبل الدولة اللبنانية وهي مصدر إشعاع علمي وقانوني وثقافي وحضاري لأمة بأكملها مثل هذا الترتيب المهين.

.3 إن الصلاحية المعطاة للمحكمة بموجب نظامها لتحديد ما إذا كانت أية أفعال تعتبر جرائم، تمنح قضاة المحكمة الذين يمكن أن يكونوا صهاينة مكشوفين أو مستورين السلطة الكاملة لتوظيف المحكمة لغايات سياسية دولية تخدم غاياتهم وغايات الدول الأجنبية. ومثل هذا الأمر لا يوجد ما يمنع من حدوثه، إذا بقي نظام المحكمة بصيغته الحالية التي وافقت عليها الحكومة اللبنانية. وعليه، فإنه يتوجب على القوى السياسية الحريصة على المصالح اللبنانية والسيادة اللبنانية معالجة هذا الأمر قبل فوات الأوان.

.4 أنه يمكن استدعاء أي شخص لبناني أو سوري ... للمثول أمام المحكمة, سواء أكان فرداً عادياً أو مسؤولاً أو رئيساً, وسواء أكان الرئيس هو رئيس دولة أو رئيس مجلس نواب أو رئيس أي حزب أو تنظيم أو تجمع سياسي أو حتى رئيس تحرير جريدة كما أسلفنا، إن جرى اتهام أي واحد من أتباعهم بجريمة من الجرائم التي تنظر المحكمة فيها. إنني أخشى ما أخشى في هذه الظروف القائمة أو القاتمة،

إيراد أسماء لرموز وطنية وسياسية أمام المحكمة من أجل استدعائهم للمثول أمامها والإساءة إليهم.

.5 ويمكن أن يتحول المطلوب حضوره كشاهد ممن سبق ذكرهم، الى متهم، وأن يصدر القرار بحبسه خلال المحاكمة، بانتظار صدور قرار نهائي من المحكمة بشأنه.

.6 ستبقى الشخصيات العربية أو المسلمة التي عليها المثول أمام المحكمة عند طلبها، مكشوفة أمام الأعين والأيدي التي تتربص بها من أجهزة استخبارية وقوى دولية، ولن تكفي نصوص النظام المتعلقة بمراعاة الإعتبارات الأمنية وتوفير الحماية الأمنية من قبل مسجل المحكمة (المادة 12/4 من النظام) لتوفير الأمن التام لهم. ولذلك ستكون تصفية هذه الشخصيات سهلة وميسورة من قِبَل تلك القوى والأجهزة. وسوف يظل الجناة مجهولين، كما حدث في اغتيالات وقعت أمام أنظار الناس وفي وضح النهار في لبنان، وحتى في أمريكا يوم اغتيال جون كينيدي رئيس الدولة الأمريكية.

.7 وسوف تؤدي المفارقات والمخاطر السابقة التي لا أعتقد أنها جاءت عفواً بحسن نية، الى فتح القنوات السرية بين أمريكا تحديداً وبين جهات عربية ومسلمة بهدف الابتزاز: إما الاستجابة للطلبات الأمريكية وإما أن تواجه سيف المحكمة البتّار الجاهز لضرب الأعناق.

وأخيراً:

إن كل عربي ومسلم يتطلع صادقاً الى معرفة الجناة الذين اقترفوا جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، واغتيال شخصيات أخرى مثل جبران التويني وبيير الجميّل وغيرهم من أبناء لبنان، والى إنزال العقاب على أولئك الجناة. إنني أحذر من استخدام أمريكا وإسرائيل للدم العربي لتحقيق مصالحهما في لبنان والمنطقة، مما يوجب على جميع القوى العروبية والإسلامية الإنتباه.

ومن واقع حبي للبنان وشعب لبنان، وانتمائي الى أمة لا تستحق هذا الهوان، فإنني أوجه نداءً الى كل القيادات وأصحاب الرأي والسلطة في لبنان، لتتدارك المفارقات والتجاوزات الخطيرة الواردة في نظام المحكمة ذات الطابع الدولي، وبخاصة أن هذا النظام إذا بقي على حاله واستقر سيصبح سابقة يمكن تطبيقها على أية دولة عربية أخرى، عن طريق اغتيال القيادات والشخصيات الكبيرة فيها، من قبل أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية والدولية، وتوظيف ذلك لمزيد من الإبتزاز والتمزيق.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017