(1)
التسارع الذي تشهده الأحداث على الساحة الفلسطينية وفي مجمل المنطقة يستهلك القدرة على المتابعة ويتعب الراغب في التفكير العميق؛فالساحة تشهد تغيرات وتطورات دراماتيكية خطيرة وهامة في نفس الوقت،لقد وضع اتفاق مكة حدّا للصراع المسلح بين حركتي فتح وحماس اللتان تتقاسمان معظم الشارع الفلسطيني ،ولو أن هناك أحداثا متفرقة هنا وهناك إلا أنها تبقى في نطاق السيطرة ،أو قل الحد الذي يستوعبه الشارع الفلسطيني ،وأسس الاتفاق لأول مشروع شراكة سياسية ووظيفية بين الفصيلين الرئيسيين في فلسطين مع بعض القوى الأخرى،ورغم أن الشراكة تحتاج إلى خطوات تراكمية تقويها وتمنهجها ،ورغم عدم البدء فعليا بإجراءات لإعادة بناء وهيكلة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الكيان السياسي والإداري الممثل للشعب الفلسطيني،ونحن بانتظار نتائد اجتماع مشعل مع عباس،ولم يشرع حتى اللحظة في بناء المؤسسة الأمنية على أسس وطنية لا حزبية حتى كتابة هذه السطور،ورغم أن حكومة الوحدة الوطنية التي شكلت مؤخرا تشهد عثرات وتجاذبات هنا وهناك ،رغم كل ذلك فإن هناك اختراقات واضحة في المفاهيم قد أنجزت ،فمفهوم الفصيل الأوحد القائد المقرر والمشرع والحكم والممتلك لكل شيء قد انتهى أو أصبح غير مستوعب ،فالحكومة الفلسطينية يرأسها قائد من حماس ووزراؤها قادة في فتح يضاف إليهم بقية الشركاء،أما المجلس التشريعي فحاله ليس كما يرغب الناس فهو بحاجة إلى تفعيل،الاحتلال جزء أساسي من المشكلة بسبب اعتقال عدد كبير من النواب غالبيتهم من كتلة التغيير والإصلاح وإصراره على قطع التواصل مع قطاع غزة ،لكن هذا لا يعفي المجلس من مسئولياته الكبرى،وأنا أستغرب لماذا لا تحل مشكلة النواب الأسرى بأن تصوت عنهم كتلهم أو من يفوضونه من زملائهم؟!
قبل أيام قليلة قدم وزير الداخلية هاني القواسمي استقالته وتم رفضها من رئيس الوزراء ،فالوزير كما يبدو شعر بالخلل الكبير وأنه وزير بلا صلاحيات والخطة الأمنية لم يشرع في تنفيذها،وليس سرا أن عددا من عناصر أو قادة أجهزة الأمن الفلسطينية يساهمون في حالة الفوضى والفلتان سواء مساهمة مباشرة أو بعجزهم عن اتخاذ مواقف حازمة.
مؤخرا أعلنت كتائب القسام الذراع العسكري لحركة حماس عن عدم وجود تهدئة مع إسرائيل وأطلقت عشرات الصواريخ والقذائف ضد مواقع إسرائيلية مختلفة،فسارعت إسرائيل لاتهام حماس بأنها كانت تنوي خطف جندي إسرائيلي ،وهددت بعملية عسكرية واسعة خاصة في شمال القطاع والمسألة لا زالت تتفاعل حتى لحظة كتابة هذه السطور…
(2)
أما الرئيس محمود عباس (أبو مازن) فهو يعيش مرحلة الاحتضار السياسي بلا شك،فلو نظرنا لكونه رئيسا للسلطة الفلسطينية ولمنظمة التحرير ،فهو لم يحقق أو ينجز ما تعهد به من الأمن والتنمية ،وكلاهما مرتبطان بالملف السياسي والعلاقة مع الكيان العبري وإجراءاته على الأرض؛لقد نجح عباس في انتزاع تهدئة من الفصائل الفلسطينية الرئيسية ،ولكن إسرائيل لم توقف عدوانها ولم تطلق سراح أسير واحد ولو من باب تحسين صورة عباس ،والجدار أكل ويأكل الأرض،والاستيطان في تواصل مخيف،وعدد البيوت التي تشهد مآتم الشهداء الذين يقتلهم جيش الاحتلال في ازدياد،والحواجز الإذلالية على حالها،وحالة ما بات يعرف بالفلتان الأمني تتسارع بشكل مخيف،والوضع الاقتصادي مزر للغاية،ولم يعد أسلوب إلقاء المسئولية على حماس وحدها مقنعا كما كان لفترة ووجد سوقه لدى البعض.
أما فيما يتعلق بقيادة عباس لحركة فتح فمن البديهي القول أنه لا يسيطر عليها مثل الزعيم الراحل ياسر عرفات ،لقد كان عرفات حتى في أشد حالات حصاره ممسكا بخيوط "فتح" ولاعبا ماهرا بتناقضاتها وتجاذباتها وأستاذا ومرجعا لمدارسها المختلفة ،أما عباس فهو يتنصل من الجناح المقاوم داخل فتح ،ولا يعمل على استنهاض التنظيم بطريقة توحي بالصحوة،فقط نقرأ ونسمع عن الصحوة والاستنهاض وإعادة البناء في وسائل الإعلام،والهجوم والنقد ضد التنظيم المنافس ،وكأن هذا ينقذ الموقف،أما فعليا فالحال ليس كما يُشتهى.
في ذات الوقت وبالتوازي مع الحالة الصعبة فلسطينيا وفتحاويا يستمر عباس في الإصرار على خيار التفاوض ولو من أجل التفاوض،ويعلن مرارا وتكرارا عن استعداده للدخول في مفاوضات الحل النهائي تارة ،وينتقد المقاومة نقدا لاذعا بوصف عملياتها بالعبثية وبما هو أشد وأقسى تارة اخرى،وفي حقيقة الأمر أن رئيس وزراء الكيان العبري إيهود أولمرت أعجز من أن يقدم شيئا لعباس ،هذا على فرض أنه شخصيا على استعداد لذلك وهو ما أستبعده،أما اللقاءات الدورية أو غير الدورية بين عباس وأولمرت فهي ذر للرماد في العيون ،فلم ولن يرفع أولمرت حاجزا مذلا ومهينا ،اللهم إلا لفترة وجيزة مع استبداله بحواجز أخرى،وهو ما ينطبق على سياسة العدوان المتواصل،فلا فائدة ترجى سواءا كان اللقاء كل أسبوعين أو حتى كل يومين!
أما ما يقال ويشاع هنا وهناك حول إعداد وتجهيز عباس لخليفته ممثلا بمحمد دحلان ،فلا أستطيع نفيه أو تأكيده الآن،والذين يتبنون هذه الفرضية يستندون إلى تقريب عباس لدحلان ودفاعه المتواصل عنه ،وأخيرا تعيينه وبعد اتفاق مكة مستشارا لشئون الأمن القومي ،رغم تحفظات حماس على ذلك ،وكون دحلان من جيل الشباب المؤثر داخل فتح.
سأفترض صحة ذلك،ولكن دحلان ليس القاسم المشترك داخل فتح على الأقل على مستوى الضفة الغربية،رغم أن له بعض المجموعات المؤيدة فيها،وحتى على مستوى القطاع هو لا يترأس كل مجموعات فتح،ويجب أن لا نغفل أن عتاولة اللجنة المركزية ليسوا نائمين،وهم بالتأكيد لن يسمحوا لدحلان بقيادة فتح،ولهم من الأساليب والطرق والعلاقات الداخلية والخارجية ما يمكنهم من ذلك.
مؤخرا بدأ صوت أحمد حلس (أبو ماهر) يرتفع وهو شخص له محبته وقبوله في الشارع ،فإضافة إلى خطابه في مركز رشاد الشوا حول وضع فتح فقد نشرت صحيفة الحياة في عددها يوم 13/4/2007م أن حلس أعرب عن خوفه من سرقة فتح أو تشكيل حركة جديدة ولأهمية ما جاء على لسان حلس أورد النص الكامل لجيهان الحسيني الذي نشرته "الحياة":-
اعتبر عضو قيادة ساحة فلسطين في حركة «فتح» في غزة احمد حِلس أن المؤتمر الذي عقد في غزة لكوادر الحركة كان يهدف الى مواجهة القرارات غير الشرعية التي صدرت أخيراً باسم الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، واعرب عن مخاوفه من «سرقة» الحركة او تشكيل حركة جديدة.
وقال حلس لـ «الحياة» إن عباس هو «الرئيس الشرعي المنتخب للشعب الفلسطيني وعلى رأس قيادة «فتح»، لكننا لا نعبد أشخاصاً ولا نرهن مصير حركتنا لأشخاص مهما كانت حيثيتهم»، مضيفا أن لحركة «فتح» قياداتها الحريصة عليها في اللجنة المركزية وفي المجلس الثوري للحركة. وقال: «نثق في الأخ أبو مازن ونأمل منه في أن ينحاز إلى الحركة ومصالحها وليس لمصالح شخصيات بعينها لا تعمل إلا وفق أجندات خاصة بها».
وشدد على أن الحركة بكل كوادرها بدأت في مواجهة أي إعوجاج أو خطوات غير شرعية تعيق العمل التنظيمي الصحيح، وقال: «بدأنا ولن نتوقف لأننا نعرف تماماً متطلبات فتح، ونسعى إلى مؤتمر تحت عنوان العودة إلى الحركة».
وفي شأن الخطوات التي سيتخذونها، أجاب: «الذي يحدد الخطوات هو المجموع الفتحاوي وأطر الحركة القيادية»، مشيراً إلى أن أحمد قريع (أبو العلاء) الذي عين أخيراً مفوضاً للتعبئة والتنظيم يعمل على مواجهة القرارات غير الشرعية التي صدرت قبل تعيينه والتي تعيق عمله في إعادة البناء التنظيمي للحركة. وأكد أن قيادات حركة «فتح» بكوادرها مصممة ألا يكون هناك برنامج آخر غير البرامج التي تجمع عليها، وترفض تماماً البرامج والإجراءات التي تملي على الحركة أو تفرض عليها من شخصيات تملك النفوذ والمال والعلاقات الدولية.
وعن ماهية الإجراءات والقرارات غير الشرعية التي ترفضها كوادر الحركة، قال: «هناك لجان سميت بعيداً عن إطار اللجنة المركزية»، موضحاً أن القائد العام بقراراته غير الشرعية التي اتخذها بعيداً عن الإطار القيادي، يعمل على إلغاء المؤسسة، و «هو يحاول فرض من لا يملكون الكفاءة على المؤسسة الأمنية ويمنحهم الصلاحيات التي تخرب العمل التنظيمي الجاد وتعيقه وتكبله بمجموعة من الإجراءات والمحاذير التي تصب في صالح شخصيات محددة».
واعتبر حلس أن من حق قيادات الحركة وكوادرها رفع صوتها أمام من لم يستجب لمخاوف أبناء الحركة: «لن نكتفي بالمراقبة وتسجيل الملاحظات، بل سنواجه ما نراه اعوجاجاً بكل الأدوات»، معرباً عن مخاوفه من تشكيل حركة جديدة أو سرقة «فتح»، مشدداً على حرص أبناء الحركة على مواجهة كل المخاطر التي تعيق تحقيق حركة قوية، لافتاً إلى أن الحركة محصنة بأبنائها ودماء شهدائها وهي حريصة على وحدتها.
وأعرب عن دهشته لتشكيل لجان ما يسمى بـ «الساحة» لإعاقة عمل لجان الإشراف التي شكلها أعضاء من المجلس الثوري، وقال: «إن هذه اللجان كانت أنجزت 80 في المئة من مهامها التي تهدف إلى إعادة تنظيم الحركة والتحضير لعقد المؤتمرات، لكن القرار الرئاسي بتشكيل لجان الساحة قيد عمل لجان الاشراف الشرعية». وأشار حلس إلى أن هناك تنسيقاً في العمل بين قيادات «فتح» في الضفة وغزة والذين يعملون معاً من أجل إعادة حركة «فتح» قوية ومؤثرة في الساحة الفلسطينية باعتبار أن قيادة الشعب الفلسطيني وتحقيق أهدافه الوطنية، وعلى رأسها الدولة الفلسطينية المستقلة، قدر حركة «فتح» التي ستظل دائماً تعمل على تحقيقه من خلال التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية والشرعية الفلسطينية.(انتهى)
وإذا تمت صفقة تبادل الأسرى وأطلق سراح مروان البرغوثي ،فإن القيادات الفتحاوية في الضفة لن تهضم إطلاقا فكرة زعامة دحلان لها،ثم أن نجم دحلان قد سطع في الفضاء الفتحاوي بسبب المناكفات مع حماس ولو لم تقم الأخيرة بحملة إعلامية ضده لما كان له هذا الحظ من الزعامة والنجومية،فهي زعامة بحكم التنافس مع الفصيل الموازي بالدرجة الأولى ،لدرجة أن البعض لاموا حماس بأنها تسببت من خلال حملاتها الإعلامية بزيادة شعبية دحلان وتقوية مكانته.
أبو مازن لن يحصل على شيء من إيهود أولمرت ولو تفاوض معه عشر سنين ،علما أن أبا مازن تجاوز السبعين عاما من عمره وأعلن أنه لن يرشح نفسه مرة أخرى في انتخابات الرئاسة،وعلما بأن أولمرت في طريقه السريع نحو السقوط والفشل التام.
أضف إلى ذلك إحاطة أبو مازن نفسه بثلة من الشخصيات المثيرة للجدل؛فقد عين ياسر عبد ربه أمينا لسر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير،وهو شخص ينظر له بازدراء واحتقار في الشارع الفلسطيني،وعين شخصا آخر وسلمه ميزانيات كان قد فشل في انتخابات دائرة جنين،وهو مثير للجدل أيضا شعبيا وفتحاويا ومعروف عنه الفجور وشرب الخمور والتطاول على ذات الله والرسول!ومعظم المحيطين بعباس غير معنيين باستنهاض الحالة الفتحاوية عوضا عن الفلسطينية كما يبدو.
أود أيضا الإشارة أن ملف المحافظات والسفراء لم يبحث بشكل جدي بعد،فهؤلاء من لون سياسي واحد وبعضهم شبه أمي وتسبب في نقمة الناس على فتح!
(3)
الشارع الفلسطيني يعيش حالة من الفوضى التي لم يعتدها حتى في أيام الاحتلال؛هناك أخذ للقانون باليد،وهناك مؤسسات لا تستجيب للمطالب العادلة أو الظالمة إلا بالقوة والعنف،وهناك عائلات تتقاتل،وضحايا الفوضى يتكاثرون،وهناك جرائم وانتهاكات خطرة مثل الاتجار بالمخدرات وتعاطيها وحالات النصب والاحتيال التي تفرغ ما في جيوب الناس من أموال،وكان آخرها قصة "البزاري" والتي ما زالت تداعياتها تتفاعل،وهناك غش في البضائع والسلع،وعدم اتباع المعايير السليمة عند بناء أو تأسيس كثير من المنشآت مثل محطات الوقود ورياض الأطفال والمخابز،وهناك هدر في المال العام ،وميزانيات مخصصة لأمور ليست من أولويات شعب مثل الشعب الفلسطيني،مثل السفريات والسيارات وغيرها...باختصار نحن نعيش حالة من الفوضى الأمنية والاجتماعية؛ولكن أصابع الاحتلال تبدو واضحة أو مخفية في كثير مما يجري ،فالمخابرات الإسرائيلية عبر عملائها أو المتحالفين معها يعملون على تقويض البيت الفلسطيني من داخله،وأنوه هنا أن بعض الأحداث من صنع أيدينا ولا شأن لإسرائيل بها ولكن الأحداث الكبيرة هي من تدبير الشين بيت وعملائه والمتواطئين معه.
في المقابل تشهد المقاومة الفلسطينية بمختلف أذرعها تطويرا في وسائلها وهناك تصاعد ملحوظ في تنفيذ العمليات وإطلاق الصواريخ من قطاع غزة ،وقبل فترة كانت دوريات الجيش الإسرائيلي تتحرك بحرية في مدن الضفة،الآن هناك مقاومة واشتباكات وكمائن ،وما أن يعتقل الجيش الإسرائيلي أو يقتل أفراد خلية أو مجموعة حتى تظهر أخرى ،وقد ظهر جيل جديد كبر وترعرع في أجواء الانتفاضة التي انطلقت عام 2000م ونحن الآن في عام 2007م أي أن من كانت أعمارهم تتراوح مابين 10-15 عاما أصبحوا اليوم شبانا أعمارهم مابين 17-22 عاما وهؤلاء عادة لا يقيمون وزنا إلا للفعل على الأرض ولا يفتحون آذانهم للكلام عن التعقل والتهدئة وغير ذلك من المصطلحات.
(4)
في أيار عام 2000م انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بلا شرط أو اتفاقيات وانهار جيش العملاء الذي أسسه،وبعد أشهر قليلة وتحديدا في أواخر أيلول 2000م تفجرت انتفاضة الأقصى،فقد أدرك الفلسطينيون أنهم لن يحصلوا على شيء بالتفاوض ،لا سيما بعد فشل قمة كامب ديفيد،وإسرائيل تخوفت من استنساخ التجربة اللبنانية،فسعت إلى ما أسمته "كي الوعي" الفلسطيني فقتلت ودمرت وشلت الحياة وأعادت الفلسطينيين إلى عصر التنقل على ظهور الدواب بدل السيارات وشرعت في بناء الجدار
الذي التهم الأراضي ،واحتلت بالتوازي مناطق "أ" التي لم تكن تدخلها طوال فترة أوسلو،وحاصرت الرئيس عرفات وتسببت في مقتله،وكأنها تريد أن تقول للشعب الفلسطيني:أيا كان الحال بالتفاوض والهدوء فهو أفضل لكم من اللجوء للسلاح في مواجهتنا،فنحن أقوى ومعنا أمريكا والدول العربية ضدكم أو عاجزة عن نصرتكم،فارفعوا الرايات البيضاء!
لكن الفلسطينيين لم يرفعوا الراية البيضاء،وشارون الذي قال أن نيتساريم كتل أبيب خرج من قطاع غزة،ولم يتمكن من إنشاء ميليشيا لحدية فيه رغم كل المحاولات في هذا الاتجاه،وكان مصير شارون مصحة لا يموت فيها ولا يحيا بعد كل جرائمه ومجازره الفظيعة بحق الفلسطينيين،وأصبح منسيا ولا يجرءون على إظهاره في وسائل الإعلام مخافة أن نرى انتقام جبار السماوات والأرض منه،ومع غياب شارون انتهى عصر الزعماء والجيل الطليعي للمشروع الصهيوني في فلسطين.
أما أولمرت وحزب كاديما فقد جاءوا في وقت كان كاهلنا قد أنهك فيه-رغم أننا لم نستسلم- ولكن حالهم لا يختلف عنا بالنظر إلى ما لديهم من قوة ودعم مطلق من أكبر قوة في العالم،الولايات المتحدة ومعها أوروبا وبعض العرب،فكان لا بد للزعيم المصطنع الجديد من نصر يقنع به جمهوره.
ثلاثة وثلاثون يوما تمكن فيها بضع مئات من مقاتلي حزب الله من تمريغ أنف أولمرت بالتراب،لا شك في هذا إلا عند الأغبياء أو...،رغم أن لبنان قد دمر نصفه إلا أن النصر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.
ارتفعت معنويات الشعب الفلسطيني ومعه كل مقهور من الهيمنة الأمريكية ،ولم يكن حال أمريكا بأفضل بسبب الوضع في العراق وتصاعد المقاومة هناك،المعادلات تغيرت والتبعات تتوالى وسقوط أولمرت بات أقرب مما يتصور أي مثقف "مارينزي" ،فالمشروع الصهيو-أمريكي إلى زوال بإذن الله.
ولا يجب هنا أن نغفل دور إيران في الأمر ،فبعيدا عن التشنجات القومية والمذهبية بالحديث المقرف عن العرب والفرس والسنة والشيعة ،فإيران لعبت دورا هاما في صمود قوى الممانعة،وأنا هنا لا أروّج أو أقوم بعمل دعاية لأناس آخر من يحتاجونه هو عبد فقير مثلي،ولكن هذه هي الحقيقة،وقطار إيران يسير ولن يوقفه نباح بوش أو بلير أو أولمرت وأتباعهم ممن استهوتهم الشياطين من أبناء جلدتنا.
إيران وأصدقاؤها ومن اتخذوا الممانعة والمقاومة وعدم الإيمان بأمريكا كرب يعبد من دون الله في الأرض سيربحون المعركة القادمة ،وأيضا سيكسبون الحرب برمتها وإن كان بينهم خلافات مذهبية أو قومية،وهنا قد يقفز إلى الذهن دور إيران على الساحة العراقية وما يقال حول هذا الدور؛ولكن النظرة يجب أن تكون أوسع ،فنحن لا نستطيع الحكم على النشاط الإيراني بمجمله على الساحة العراقية لا دفاعا ولا هجوما،ولكن تأييد المقاومة العراقية المسلحة ضد الوجود الأمريكي أمر ثابت ولا يجب أن يكون فيه مواربة،أما أعمال القتل والمفخخات وغيرها من الفظائع فليس ثمة عربي أو مسلم أو إنسان سوي من أي ملة لا يشجبها ولا تشمئز نفسه منها،وستثبت الأيام دور أمريكا في هذه المجازر البشعة،وفي نفس الوقت نحن نرفع صوتنا ضد ما جرى ويجري للاجئين الفلسطينيين في العراق ،وبديهة نرفض مخططات تقسيم العراق.
إن عدونا ليس سهلا ويتمتع بإمكانيات هائلة وعليه فنحن نحتاج إلى جهد كل فصيل فلسطيني مع المستقلين ومؤسسات المجتمع المدني ،ونحتاج إلى دعم ومساندة إيران ومساعدة السعودية ومصر وسوريا واليمن والسودان وكل العرب ،سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي،وأنا طبعا أدرك الحالة المزرية للنظام الرسمي العربي وحالة الهيمنة الأمريكية عليه والتهديدات بالعدوان على بعض دوله ،ولكن رغم كل ذلك يستطيع العرب –رسميا- تقديم مساعدات لنا،وليثق هؤلاء أنهم لو وقفوا مع الشعب الفلسطيني فإن كثيرا من مشاكلهم –إن لم يكن جميعها- ستحل تلقائيا،فلفلسطين سحر خاص ،ليجربوا ويروا ويحكموا...!!
|