الشيخ صبحي حنون هو إمام مسجد الشيخ زايد،وهو المسجد الكبير في مخيم جنين،الشيخ صبحي ضرير ،ولكن الله جل في علاه وهبه البصيرة ومحبة الناس،في الجمعة الماضية؛الثالثة من شهر رمضان الفضيل،تطرق في خطبته إلى حال فلسطين ،وقال ما معناه أن قلوبنا كانت معلقة بأمل التصالح بين غزة والضفة –حسب تعبيره- وأن يصلح الله شأن الشعب الواحد في شهر رمضان المبارك،لكن شيخنا الفاضل عبر عن أسفه وحزنه لأن هذا لم يحصل حتى اللحظة....ليس الشيخ صبحي(أبو عدي) وحده الحزين على عدم وجود بوادر مصالحة وطنية بين إخوة الوطن والشعب الواحد في شهر رمضان الذي دخلنا العشر الأواخر منه بل الكل حزين...أو هكذا كنت أعتقد!
اعتقادي شككني فيه صاحبي الصحفي “فلان الفلاني” حين قال لي:بأن الناس لا يريدون مصالحة وحوارا بين فتح وحماس،وأن القدس والأقصى لم تعد تهمهم كثيرا،يا إلهي هذا كلام خطير،إذن ما الذي يهم الناس؛جماهير الضفة وغزة،شرح صاحبي وجهة نظره باقتضاب:الناس يريدون استمرار دفع الرواتب...اتفاق حماس وفتح يعني عودة الحصار،وهذا ما لا يريده أحد،الرواتب الآن تدفع في غزة والضفة من الحكومتين!
رباه سلّم سلّم وارحمنا برحمتك؛كيف لي أن أكذّب صاحبي وقد رأينا فتورا ولا مبالاة عندما افتتح كنيس يهودي تحت المسجد الأقصى في ذكرى انتفاضة الأقصى التي سببها المباشر محاولة تدنيس القاتل شارون لحرمه قبل سبع سنوات؟!....كلا مستحيل ،شعبنا أكبر وأعظم من كل دولارات العالم ،وصاحبي على خطأ،أجل إنه على خطأ كبير،فشعب فجّر و خاض انتفاضتين خلال ثلاثة عشر عاما لا يمكن أن يخذل أمته،وقبل ذلك لا يمكن أن يتخلى عن عقيدته وأن يتحول من العربية إلى العبرية،ومن القرآن إلى التلمود،ولكنها حالة طارئة ستزول قريبا...قريبا جدا!
لكن غصة في القلب كانت طوال الوقت ،خاصة وشهر رمضان يوشك على الرحيل ،من عدم وجود حل للأزمة الداخلية،وعدم وجود أصوات تتميز بالجرأة والعقلانية واستحضار الوطن لا الحزب والتنظيم في الخطاب...فأطل علينا الأخ الدكتور غازي حمد بمقال جريء وعقلاني ،يبحث فيه عن نقاط الالتقاء ويحذر فيه من الإعلام التحريضي المتبادل،وهو رجل إعلامي أساسا.
معرفتي بغازي حمد هي معرفة القارئ بالكاتب ،فلم ألتقه يوما ،فهو من القطاع وأنا من الضفة،ولكني كنت على الدوام أميل لتقبل معظم آرائه المنشورة في صحيفة الرسالة،وبعد أن أصبح ناطقا باسم الحكومة العاشرة برئاسة الأستاذ إسماعيل هنية أطل على الصفحات المطبوعة والإلكترونية بمقال جري “ارحموا غزة” لكن المقال دخل سوق المزايدات الحزبية ،لا ساحة البناء والتفاهمات الوطنية،ومضت الأيام وجرى ما جرى،ليطل علينا الدكتور غازي حمد من جديد اليوم بمقال تحت عنوان “هذا زمن العقلاء!!” ،ولي رجاء موجه لفتح وموجه لحماس وأسألهم بعظمة شهر رمضان المبارك أن يبعدوا المقال وصاحبه عن التوظيف في السجال أو قل التناحر الإعلامي بين الطرفين...
أرجو من حركة فتح وخاصة إعلامها بشتى أشكاله ألا تصنف المقال تحت بند “وشهد شاهد من أهلها” ،وأنه يعبر عن وجود تيارات متناحرة داخل حماس ،وأنه محاولة للخروج من الأزمة التي تعيشها حماس،وأنه يندرج في الصراع بين تيار فلان وتيار فلان،أو أنه مجرد تكتيك و“تقية”،أرجوكم لا تنظروا لكلمات عاقل رصين كالدكتور غازي حمد من هذا المنظور،وانظروا إليها بمنظار وطنكم وأفقه الواسع لا تنظيمكم الذي مهما كبر يبقى أقل حجما وأهمية من هذا الوطن المكلوم!
كما أرجو من أعضاء وكوادر حركة حماس ألا يستنفروا ويعتبروا أن المقال وجهة نظر شخصية تمثل صاحبها فقط،وأن كلام الدكتور غازي حمل أكثر أو اقل مما يحتمل،وأن لا يدخلونا في جدال حول شخص الدكتور وطبيعة وطريقة اتخاذ القرار في حركة حماس،وأن ينظروا هم أيضا لواقع ومستقبل وطنهم الجريح الأكبر من تنظيمهم ومن التنظيم المنافس أيضا!
فتح وحماس وجدتا من أجل فلسطين،وفلسطين أكبر من فتح وأكبر من حماس،وفلسطين أعظم من فتح وحماس،لكن فتح وحماس هما الجناحان الذين لا يمكن لطائر حرية وتحرير الشعب والأرض أن يطير إلا بهما سويا مهما كان حجم الخلاف،والمسجد الأقصى أقدس وأطهر ،وفي سبيل إزالة الدنس عن رحابه سالت دماء طاهرة وجاهد رجال من فتح ومن حماس نقف إكبارا لهم وتفيض أعيننا بالدمع على حالنا بعدهم!
كما قال الدكتور غازي حمد في مقالته :يمكننا أن نتفق هنا في وطننا بعيدا عن المدن والعواصم التي سئمت ترددنا عليها لنتفق فيها ثم نقتتل من جديد.
مقال د.غازي حمد ليس من أجل فتح ولا من أجل حماس بل من أجل فلسطين،ويا حبذا لو اعتبرت الحركتان كلماته مرجعية لهما ونقطة تلاق بينهما،فهذا سيكون أمرا يسعدنا ويقربنا إلى الحرية من الاحتلال المتشفي بنا الطامع بتنازلات من قادتنا،المتأمل بل الطامع بحراسة حمساوية لحدوده في غزة،وأخرى فتحاوية لمستوطناته وجنوده في الضفة،وسنخرج من كابوس الوصاية الذي بات يهددنا من دول شقيقة أو صديقة أو غير ذلك...هيا نحاول الخروج من حالة الاتهام المتبادل،والشك القاتل والصراع المؤدي إلى ضياع مؤكد،أكرر دعوة الدكتور غازي بأن يكون عيد الفطر الذي نقترب منه عيدا حقيقيا!
وفي هذا الشهر المبارك الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ،يكون الدكتور غازي حمد قد أقام الحجة على الجميع ،وعسى أن يلقى الله وقد غفر له ،وعسى أن ننتفع بنصيحته،وعسى أن يراعي كل كاتب رقابة الله له أولا ثم مصلحة وطنه ثانيا وليتذكر قول القائل:-
وما من كاتب إلا سيبلى ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بخطك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه
فتحية رمضانية عطرة للدكتور غازي حمد ،ولمن لم يقرأ مقاله،أتشرف بعرضه هنا،عسى الله أن ينفعنا به:-
هذا زمن العقلاء !!
د.غازي حمد
هناك اجماع على ان الحالة الفلسطينية جريحة ,حزينة, منقسمة .لا احد فينا يشعر بالراحة وطمأنينة النفس و"هداوة" البال ...بل على العكس, الكل قلق على مستقبله, خائف مما هو آت .اينما تذهب يفجئك الناس بالسؤال البديهي "وين رايحة ؟".بالتأكيد لا تملك جوابا صريحا وواضحا في ظل هذه الغيوم التي تلبد بها سماء الوطن ,وفي ظل هذه الاصوات الصاخبة الحادة التي أرهقت اذاننا بتعابير خارجة عن الادب الوطني , ومن ثم تجيب "الله يسترها ويجيب العواقب سليمة". !!جواب لا ينم الا عن عجز ووهن وضيق حال.
آلمني و آلم كل انسان هذه الحرب المفتوحة الضارية بين اخوة الوطن (من حاربوا سويا في خنادق المقاومة وتعلقوا باستار الكعبة وجمعتهم حكومة واحدة وبرلمان واحد) ..حرب على الارض و حرب في الاعلام ,حرب لا نعرف نهايتها والى اين ستصل وعن ماذا ستتمخض.
انظروا الى ما وصلنا اليه اليوم: انقسام وتفسخ غير مسبوق بين الضفة وغزة .. حدة الكراهية زادت بين حماس وفتح الى درجة مرعبة حتى اطفال الشوارع باتوا يتلاسنون بالفاظ نابية اكبر من اعمارهم.. الازمة الامنية انتقلت برمتها الى الضفة حيث جرت كثير من الموبقات والممارسات المرفوضة ... عانت غزة من حصار واخطاء وعثرات.. برزت ازمة الرواتب و محنة المعابر..طفت مشاكل الوزارات بين غزة ورام الله ..اصبحنا حيرى في وطننا , مشتتين ممزقين قلقين على مستقبلنا و مصيرنا ..اصبحنا في كل لحظة تحت سيف الاستنزاف والتوتر والحرب الباردة بين غزة ورام الله ...اصبحت الصحف تصدر عناوينها بمعركة "عض الاصابع " بين ابناء الوطن الواحد ..قرار هنا واجراء هناك ,فصل هنا وتعيين هناك .. اتهام هنا و تخوين هناك ...يالله !! الى اين وصلنا و اي طريق يقودنا؟؟واي كارثة تنتظرنا ؟!!
ما الذي سنصل اليه في النهاية بعد الحسم والمناكفة والمعاندة والمكابرة؟ حوار مرة اخرى ؟!! حوار للمرة الرابعة والخامسة والعاشرة ...هل سنعود الى مكة ام نلتقي في القاهرة او صنعاء او دمشق؟..ام سنبحث عن عاصمة اخرى تلملم جراحاتنا وتداوي وجعنا ؟ هل من ضمانة اكيدة انه بعد الحل ستعود الحياة صافية غير مكدرة(التي فقدناها منذ زمن وامد بعيد) ام انه تحت الرماد ما تحته؟
انا متأكد بانه بالامكان والميسور ان نحل كل قضايانا هنا ..نعم هنا ,في ازقة غزة او نابلس او رام الله دون الحاجة للانتظار على بوابات العواصم التي ملت من كثرة تردادنا !!و دون الحاجة للبحث عن وسطاء ذوي البشرة الشرقية او الاعجمية!!
نعم يمكن ان ننجح , وبامتياز, لو تجرد الجميع للصالح الوطني وتخلي عن كل الحسابات الضيقة ...لسنا بحاجة الى السفر بعيدا ..لسنا بحاجة الى "طاولات" مستديرة او مربعة بل بحاجة الى قلوب صافية وعقول واعية ...كما في حماس حريصون غيورون على الوطن هناك في فتح ايضا وفي الجبهتين والجهاد وكل القوى ..وبامكان كل هذه الايادي ان تتشابك وتخرجنا من دوائر التعاسة والنكد .اقول لكم ان شعبنا مل من الاحتراب ومل من الحوارات و مل من تعدد الحكومات والسلطات ومل من الانتظار المجهول ..مل من افق مسدود وامل مفقود...لا تعذبوه اكثر من ذلك وارأفوا به ..ارأفوا بشيبه وشبابه الذي لا يجد عملا ولا متنفسا ..ارأفوا بطلابه الممنوعين من السفر وتجاره الذين افلسوا ..كونوا لهذا الشعب يدا حانيا بدلا من سوط يلهب ظهره ...كونوا لهم بسمة امل بدل هذه التعابير العابسة التي تطل من حين لاخر تهدد وتتوعد!!
لكل طرف ان يقول ما يقول ,ويدعي ما يدعي , لكن صوت الوطن(الانقى والاصفى) هو الذي يجب ان يسمع الان . يجب ان يصمت الجميع ليصغوا الى صوت الوطن الجريح المكدود الذي يقول باننا نسير في الاتجاه الخاطيء المعاكس لمسيرة تحررنا واستقلالنا ..مسيرة توحدنا وكرامتنا ..يقول الوطن "لا لاتجاه الحرب والقطيعة ..لا لاتجاه الكراهية".صوت الوطن يقول بان غزة ليست لحماس والضفة ليست لفتح ,بل الوطن واحد و الشعب واحد . صوت الوطن الذي يملي على الاطراف ان تقدم تنازلا لاجله ولاجل وحدته و كرامته.. صوت الوطن الذي يقول بان المكابرة والمعاندة تقود الى الهلاك والدمار وضياع البلاد والعباد .
صوت الوطن الذي يقول بان الوقت هو وقت العقلاء ,وليس وقت المراهقة والعاطفة المشبوبة .. ليس وقت المناكفة والمعاندة وعض الاصابع لانها معارك محكوم عليها بالفشل(الجرح في الكف)...
هذا هو وقت العقلاء الذين هم ملح الارض الذين اذا حار الناس وضاقت عليهم السبل كانوا لهم شفاء و دواء وبلسما ..وقت العقلاء الذين لا تجرفهم الاهواء ولا تحرفهم لحظة غضب عن قول الحق ..العقلاء الذين لا تتلبسهم الحزبية بثوبها الضيق بل يتسربلون بثوب الوطن الارحم والاوسع والارحب ...العقلاء الذين يدركون بان التنازل من اجل الوطن والشعب ليس عيبا بل فخر وشرف .
ايها العقلاء نحن احوج الناس اليكم ..نحن غرقى في بحر لا قعر له, واذا لم تمدوا ايديكم الى هذه السفينة فستغرق ونغرق جميعا !! تذكروا بان فريضة اصلاح ذات البين اوجب من الصلاة والصيام لان فساد ذات البين هو الحالقة !! اي و الله !!الحالقة التي حلقت افئدتنا و اخوتنا ..الحالقة التي افسدت بين المرء وزوجه ,وجعلت الاخ يكره اخاه لمجرد الخلاف في الانتماء السياسي!!
هذا ليس وقت الاعلام المعبأ والمحرض على الكراهية والقطيعة وتفسيخ الصف الوطني ,بل اعلام وطني صادق يجمع شتات القلوب ويقرب وجهات النظر ..اعلام لا يكذب ولا يفبرك ...اعلام لا يقوم على الاتهام والتشويه والتجريح. للاسف اعلامنا وصل الى مرحلة غير مسبوقة من الاسفاف وتبادل التهم واقتناص العثرات و فضح المستور وتكبير الصغائر و"فتح الدفاتر القديمة" . اتمنى على كل الناطقين الاعلاميين ان يقفوا لحظة صدق ومراجعة ..ان يصوموا يوما عن الكلام غير المباح , ثم يتبعونه بيوم "عيد" يبثون للناس فيه كلاما طيبا حلوا بدل المر والعلقم الذي نتجرعه كل يوم ..اتمنى عليهم الا يفتحوا قواميس التعابير القاسية النكدة, فقاموس الوطن مليء بالكلمات الجميلة الرائعة .
** حل للازمة
ليس من شك اننا جميعا في ازمة !! ولا احد يستطيع ان يدعي غير ذلك .ماذا على المريض ان يفعل حين يلم به المرض سوى ان يسارع الى الطبيب ولا ينتظر حتى يستشري المرض فيصبح عضالا عصيا على الشفاء....المريض الذي لايشعر بعلته يموت موتا بطيئا .
حين نتكلم عن حل للازمة يجب الا نضع امامها الف عقبة وعقبة ,بل يجب ان نمد الجسور و نهيئ الاجواء ونفتح الافاق ..يجب الا نعقد الامور كثيرا, فاليسر والتسهيل مطلوب لصالح هذا الوطن ..ليس الوقت وقت مبارزة من يسجل نقطة ضد الاخر ,فكل الاهداف هي في شباك الوطن !!
من يبدأ بالخطوة الاولى؟ في شرعنا وديننا "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" ..اليوم نتكلم عن سلام الوطن وليس سلاما بين شخصين او حزبين ..من يبدأ هذه الخطوة الشجاعة فهو صاحب السبق والفضل ,وستسجل في سجله الوطني كعلامة تفوق وليس كرسوب او تراجع . ليس من العيب التراجع لصالح الوطن بل هو التقدم بعينه ..
من اخطأ فلا عيب ان يتراجع عن خطأه ,ومن تجاوز فلا ضير ان يعود ,ومن عاند او كابر فلا نقيصة في التوقف عند الحق, فهذا من شيم الكرام.
اليوم قضية وحدة الوطن اكبر من اي قضية فرعية اخرى .يجب الا تشغلنا الفرعيات الصغيرة عن القضايا الكبرى .يجب الا ننسى في زحمة المناكفة والمعاندة ان عدونا تغمره سعادة كبيرة لما الت اليه الامور .. سعيد بهذا الانقسام و التفسخ, فيما محبونا من العرب و المسلمين واصدقائنا في العالم حزينون متألمون.
لننفض عنا هذا التردد وهذه الهواجس الكثيرة ..لننفض عن عيوننا وعقولنا استحالة الحل دعونا من التعلق باوهام المؤتمرات الخريفية والشتوية (ليكن تصالحنا مؤتمرا ربيعيا) ... هناك اسس باتت واضحة لا يجادل فيها احد : حكومة بتوافق وطني ,مؤسسة امنية مهنية ,اصلاح المنظمة ,ما عدا ذلك فهي اجراءات وشكليات تصغر امام الاهداف الكبرى ..
ياقادة الشعب أروا الله وشعبكم من انفسكم خيرا ...نحن على ابواب عيد ..اجعلوا عيدنا فرحة حقيقية .
|