جدتي رحمها الله تعالى هي وكبار السن رووا لي ولغيري عن بطولات الجيش العراقي عام 1948م على أرض جنين،وكيف أنهم لم يتمكنوا من مواصلة القتال لأسباب خارجة عن إرادتهم عبروا عنها بلهجتهم الشجية:-
ماكو أوامر...
ماكو عتاد...
اليهود أخذوا البلاد !
وأحد الشعراء جعل هذا في بيت شعر يلوم فيه قائد الكتيبة العراقية بالقول:-
شلون ماكو أوامر يا صالح زكي *** وبنات العرب عند الهاجانا تشتكي ؟
هذه العبارات تفسر باختصار الوضع آنذاك ؛فالجيوش كأفراد وكثير من الضباط يتحلون بالشجاعة والإقدام وهم على استعداد أن يلقوا الله شهداء،ولكن العلة في القرار السياسي الذي يؤدي إلى الهزيمة العسكرية،مع إحباط وتشتت للفرق العسكرية أفرادا وضباطا.
وقد تناول الروائي الراحل د.عبد الرحمن منيف في كتابه «سيرة مدينة» الذي يتحدث عن جوانب من تاريخ مدينة عمّان في أربعينيات القرن العشرين حيث كان منيف يعيش،وضع القوات العراقية التي عبرت الأراضي الأردنية نحو فلسطين ،وقد تحدث عن أقارب له من ضمن تلك القوات-والدة منيف عراقية- وعن شعورهم بالإحباط،وانتظارهم الطويل للأوامر التي لم تأت،والأخطاء العسكرية في انتشار قطاعات الجيش العراقي على الحدود والتشتت والضياع والإحباط الذي كان ركنا وسببا أساسيا في سقوط الجزء الأكبر من فلسطين بيد العصابات الصهيونية،أو ما يعرف بالنكبة الأولى.
وقد شهدت جنين بطولات الجيش العراقي،والتي لطالما تحدث عنها من شهدوها،وخلدها المرحوم اللواء الركن والكاتب والمفكر الإسلامي العراقي «محمود شيت خطاب» الذي نال شرف الجهاد والرباط في جنين بأبيات شعر تلخص الحالة:-
هَذِي قُبُورُ الْخَالِدِينَ وَقَدْ قَضَوا شُهَداءَ حَتَّى يُنْقِذُوا الأَوْطَانَا
قَدْ صَاوَلُوا الْعُدْوَانَ حَتَّى اسْتُشْهِدُوا مَاتُوا بِسَاحَاتِ الْوَغَى شُجْعَانَا
أَجِنِينُ يَا بَلَدَ الْكِرَامِ تَجَلَّدِي مَا ضَاعَ حَقٌّ ضَرَّجَتْهُ دِمَانَا
إِنِّي لأَشْهَدُ أَنَّ أَهْلَكِ قَاوَمُوا غَزْوَ الْيَهُودِ وَصَاوَلُوا الْعُدْوانَا
المُخْلِصُونَ تَسَرْبَلُوا بِقُبُورِهِم وَالْخَائِنُونَ تَسَنَّمُوا الْبُنْيَانَا
لاَ تَعْذِلُوا جَيْشَ الْعِرَاقِ وَأَهْلَهُ بَلْوَاكُمُ لَيْسَتْ سِوىَ بَلْوَانَا
فالجيش العراقي لم يتوان عن مجاهدة الأعداء ،وتقدم من جنين إلى تخوم حيفا وأهل جنين لم يخذلوا إخوانهم العراقيين،ووقفوا معهم،وبقيت مقبرة شهداء الجيش العراقي قرب مدخل جنين الجنوبي شاهدة على رجولة وتضحية الشهداء الذين مضوا ،ولكن الساسة لم يكونوا بنفس الروح!
ونحن على أبواب الذكرى الستين لتلك الأحداث المفصلية في تاريخ أمتنا وشعبنا وقضيتنا؛يجب أن نستحضرها ،ونقف طويلا عندها،ونرسخ في أذهاننا أن الساسة كثيرا ما خذلوا الجنود والضباط الذي حملوا أرواحهم على أكفهم.
هذه ليست مجرد مقدمة واستحضارا لذكريات،بل قاعدة أساسية لفهم مجريات التاريخ ،كي يمكن تلافي الأخطاء في المستقبل ،والأخطاء هنا قاتلة ،تضيع بها الأوطان وتتشرد الشعوب،ويعربد الأعداء،وتدنس المقدسات،ويصبح أعزة القوم أذلة!
*****
قوات الأمن الفلسطينية دخلت إلى الضفة الغربية وقطاع غزة حسب اتفاقية أوسلو وملحقاتها،هناك آلاف العناصر الذين دخلوا من المعابر ،وهم أفراد من جيش التحرير الفلسطيني ،وأعداد من مقاتلي حركة فتح،ناهيك عن ألوف آخرين تم تفريغهم على أجهزة الأمن الفلسطينية المختلفة.
ورغم رأيي الرافض لأوسلو ،وعلمي بأن رابين ومن خلفوه لم يكونوا ليسمحوا بوجود قوات أمن ترفع العلم الفلسطيني إلا بهدف نشر الفتنة ،وأن يجعلوا من تلك القوات حارسا لأمن جنودهم ومستوطنيهم،إلا أن هناك حقيقة ثابتة وهي أن هؤلاء الرجال عموما من أبناء الشعب الفلسطيني والكثير منهم ذاق هو وأفراد أسرته ويلات الاحتلال،فما يجذبهم بقوة نحو شعبهم أقوى مما يخطط لهم!
ومن غير المنطقي رمي قوات الأمن الفلسطينية عن قوس واحدة؛فهناك من يقول بصراحة أن البطالة والحاجة هي سبب بقائه في وظيفته الأمنية،ولو وجد فرصة عمل أخرى فلن يتردد في خلع لباسه العسكري،وهناك من يرى أنه يخدم مجتمعه وأمن وطنه،وهناك الصالح وهناك الطالح.
ولا يخفى على أحد ممارسات العديد من قادة وعناصر أجهزة الأمن الفلسطينية المخالفة لشرع الله وكل الأعراف الأخلاقية والوطنية والمجافية للشرف والمروءة،هذا حديث شغل الشارع الفلسطيني طويلا ،وما زال قائما،لكن التعميم مرفوض قطعا.
مما لا شك فيه أن قوات الأمن الفلسطينية وتحديدا تلك العائدة من الخارج تتمتع بخبرة عسكرية وأمنية لا بأس بها،وبعض كبار السن منهم قاتلوا في معارك الكرامة ولبنان،وفيهم مدربون على القنص وتصنيع العبوات ومختلف أنواع الأسلحة الخفيفة؛أما أفراد الأمن من الداخل أي الذين ولدوا وتربوا هنا ،فكثير منهم يتمتع بالجرأة والشجاعة،ومعرفة طبيعة المناطق والسكان.
كانت انتفاضة النفق صيف عام 1996م بداية الصدام بين بعض عناصر الأمن الفلسطيني وقوات الاحتلال،وقد برهنت تلك الانتفاضة أن في هؤلاء الرجال من ينحاز لخيار شعبه ويسعى للدفاع عن كرامة وطنه،ولا يأبه بما تريده منه واشنطن وتل أبيب.
*****
فور اندلاع انتفاضة الأقصى امتشق العديد من رجال الأمن الفلسطيني بنادقهم وردوا على النار بالنار،وشرع باراك ومن بعده شارون في استهداف مقرات أجهزة الأمن بالتدمير والقصف في خطة مبرمجة تصاعدية.
وكان العديد من رجال الأمن يزرعون العبوات لمواجهة التوغلات ،ويكمنون ويتصدون،وهم جنبا إلى جنب مع أشقائهم في كتائب شهداء الأقصى التي التحق العديد من أفراد الأمن الفلسطيني بها،وكتائب القسام وسرايا القدس.
الاحتلال ينتهك ما وقع عليه،وشارون يعلن موت أوسلو،ومناطق «أ» التي يفترض ألا تدخلها قوات الاحتلال تتعرض للقصف وتجتاحها آليات الاحتلال،وهنا فإن من خرق اتفاق أوسلو هو الاحتلال ،فمن الطبيعي أن تتصدى لهم قوات الأمن الفلسطيني بما تيسر لها من وسائل متواضعة أمام آلة الحرب الصهيونية الضخمة.
قرار أريئيل شارون المستند إلى ضوء أخضر أمريكي باجتياح مناطق الضفة الغربية ،وإنهاء الحصانة النسبية لمدنها ،وهي الحملة التي أسماها جيش الاحتلال بعملية«السور الواقي» وهدم معظم بنايات المجمع الرئاسي(المقاطعة) في مدينة رام الله وحصار الرئيس عرفات،شكلت تحديا حتى لوجود السلطة وأجهزتها الأمنية،وقد لوحظ أثناء تلك العملية الإجرامية ،كيف أن قوات الاحتلال في بعض المناطق كانت تقوم بتجميع الذكور من فترات عمرية محددة وتفرزهم بحيث تنقل من يعملون في أجهزة الأمن إلى معسكرات اعتقال مؤقتة وتتعمد إذلالهم والتنكيل بهم وتحويل بعضهم إلى محاكمات تقضي بسجنهم حسب التهم المنسوبة إليهم،واعتقال آخرين إداريا،عدا عن قيام جيش الاحتلال بجريمة بشعة في مدينة رام الله تمثلت بقتل مجموعة من أفراد الأمن الفلسطيني ممن يعملون في فرقة الموسيقى العسكرية في إحدى البنايات بدم بارد.
في مواجهة كل ذلك لم يكن رجال الأمن الفلسطيني على قلب رجل واحد وبعضهم فقط واجه وقاتل ،وسقطت المدن الفلسطينية دون مقاومة تذكر.
لقد كان الاستثناء هو مخيم جنين حيث قاتل عشرات من أفراد الأمن الفلسطيني إلى جانب إخوتهم في فصائل المقاومة الأخرى،وقد كان للشهيد يوسف قبها(أبو جندل) باع طويل في معركة مخيم جنين،وهو من ضباط الأمن الوطني وعائد من الخارج،وهناك الشهيدين زياد العامر و نضال النوباني(أمن وقائي) والشهيد محمد النورسي(مخابرات) والشهيد وليد السيريسي(استخبارات عسكرية) وغيرهم من المفرغين على أجهزة الأمن ممن قاتلوا على أرض مخيم جنين.
ولكن لم كانت هذه فئة محدودة وفي منطقة معينة؟هناك تبريرات وتحليلات عدة منها أن لا أوامر بالتصدي وأن كل فرد حرّ في خياره بالمقاومة أو الاختباء أو الاستسلام،مما يعني أن حال وضع قطاعات الجيش العراقي عام 1948م تكرر عام 2002م وأن «ماكو أوامر» باللهجة العراقية استبدلت بـ «فش أوامر» باللهجة الفلسطينية.
الأمر الآخر يتعلق بالعتاد ،فالجندي الفلسطيني الذي يحمل أربعة أمشاط من الرصاص (120 طلقة) ورشاش كلاشنكوف لا يستطيع مواجهة الدبابات والطائرات،كما أن قوات الاحتلال لديها أوامر وسياسة واضحة بتصفية كل من يحمل السلاح بلا تردد.
*****
مرت الأيام واستبدل الاحتلال الدبابات والمجنزرات بالجيبات العسكرية،وبنشر أفراد المشاة،ولكن قوات الأمن الفلسطيني التي لم يسمح لها بالانتشار إلا منذ شهور انكمشت ،وتوقفت عن مواجهة التوغلات،يمكن القول أن تاريخ آخر مجابهة بين قوى الأمن الفلسطينية وقوات الاحتلال في الضفة الغربية كانت في نيسان/أبريل عام 2002م،علما بأن الأمن الفلسطيني خاض مواجهات مع قوات أكبر حجما وعتادا حتى ذاك التاريخ،وهناك إمكانية ولو متواضعة لمجابهة الاجتياحات...لو وجدت الإرادة والقرار!
وبمرور الوقت ومع تغير الأوضاع المتسارع فلسطينيا وإقليميا،كثر الحديث عن إعادة بناء أجهزة الأمن وتدريب عناصرها و«إصلاح» الأجهزة،وكأن من يطرح هذه الفكرة وهم الأمريكان والإسرائيليون ومن شايعهم من الشرق والغرب حريصون على الإصلاح وعلى سلامة هذه الأجهزة،وقد باتت رواتب العسكر بعد حصار الرئيس عرفات تدفع عن طريق البنوك ضمن ميزانية وزارة المالية لعموم موظفي السلطة،علما بأن المالية العسكرية في كل بلاد العالم لها وضعها الخاص المختلف عن نظيرتها المدنية.
*****
رغم سماح الاحتلال لقوى الأمن الفلسطينية بالانتشار فجيشه لا يتردد في ممارسة الإهانة والتنكيل بها متى سنحت له الفرصة،وخاصة عند طلبه بإخلاء الشوارع بحجة القيام بما يسميه «نشاطا أمنيا» في منطقة ما،وهذا يعني أنه سيقوم بعملية اغتيال أو مداهمة واعتقال،أو حتى تسيير استفزازي لدورياته،وكل عسكري فلسطيني من قوى الأمن معرض للقتل أو الاعتقال إذا خالف،وبالتأكيد فإن كل قطعة سلاح تضبط تصادر حتى لو كانت لقوات الأمن الفلسطينية ولا تعاد بل يعتبرونها «غنيمة حرب».
ورغم توقف قوى الأمن الفلسطينية عن مواجهة القوات المتوغلة فإن الاعتقالات تشمل العديد من عناصرها وضباطها من مختلف الأجهزة،بسبب انخراطهم في قوى المقاومة خاصة تلك التابعة لحركة فتح،مما يعني أن الخير في أفراد هذه القوات موجود ولكنها تعمل في سياق غير طبيعي،وكل فرد فيها لقمة عيشه هو وأسرته مرتبطة براتب آخر الشهر!
*****
مؤخرا جرى الحديث عن إجراءات تقضي بتسريع تقاعد العسكريين الفلسطينيين،ويلاحظ أن من سيحالون على التقاعد هم أهل الخبرة العسكرية الطويلة نسبيا،وهم عموما من عناصر وضباط حركة فتح أو المحسوبين عليها،على كل الأيام والأسابيع القادمة ستوضح المزيد حول هذا الأمر.
ولكن هناك سؤال هام جدا؛ما الذي يريده الاحتلال من قوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية ؟هل يريدون إعادة الوضع إلى ما كان عليه الحال على ما قبل انتفاضة الأقصى وجعل أمن مدن الضفة من مسئوليات السلطة الفلسطينية؟الجواب قطعا «لا» حيث أن تصريحات قادة الاحتلال،ناهيك عن تصرفاتهم على الأرض توحي بأنهم لن يعودوا إلى ما كان سائدا في تلك الفترة ؛وهم يقدمون تبريرات وتفسيرات مختلفة اللهجة موحدة المضمون بأنهم هم من يحمي السلطة في الضفة من سيطرة حماس عليها،حسنا،هل يريد الاحتلال إبقاء الوضع على ما هو عليه أي أن تنتشر قوات الأمن الفلسطينية طوال النهار وفي ساعات محددة طوال الليل؟أيضا لا بدليل استفزازاتهم وحملاتهم المتكررة والتي لوحظ أنها تزايدت بنسبة تفوق 200% منذ إيجاد هذه الصيغة!
حقيقة ما يريده الاحتلال هو أن تكون قوات الأمن الفلسطينية مرافقة له في حملاته على المدن شأنها شأن قوى الجيش والأمن العراقية حاليا؛بل إنه حتى لو وافقت السلطة على ذلك يريد من أفراد وضباط الأمن الفلسطيني أن يرافقوه مثلا في عملية اعتقال ناشط في المقاومة من بيته دون أن يلبسوا أقنعة على وجوههم وبملابسهم وسياراتهم التي تكشف من هم...هذا ما يسعى له أولمرت وباراك،ولن يرضوا له بديلا ...إلا إذا...وحتى اللحظة فإن السلطة ترفض هذا الأمر لاعتبارات معروفة!
الامتحان صعب والخيار واضح،وبات كل فرد وضابط من قوى الأمن الفلسطيني أمام طريقين واضحين لا ثالث لهما،ولا داعي لأن أعيد ذكرهما،وقد أصبح من العار ومما يقدح في الرجولة والشرف العسكري أن يتوارى هؤلاء في مقراتهم ويخلوا الشوارع،ليدخل الاحتلال ويعيث فسادا ،ولا أقول بأن الهدف فقط أبناء شعبهم ،بل قد يكون عنصر أو ضابط من هؤلاء هو هدف اجتياح من الاجتياحات والتوغلات والمداهمات الليلية التي لا تتوقف.
أنا هنا لا أمارس «التحريض»،رغم أن هذا لا يعيبني، بل أشخص الحالة ،وقد انتهى عهد التهرب من الحقيقة ومحاولات التبرم من الاستحقاقات،والحقيقة أن أبناء قوى الأمن الفلسطينية هم من أبناء الشعب الفلسطيني،بغض النظر عن رأينا في بعض أو كثير من ممارساتهم أو الظروف التي أوجدت تشكيلاتهم،وهم قادرون على وضع النقاط على الحروف قبل فوات الأوان!
وبعد ستين عاما على إطلاق العبارة المؤلمة «ماكو أوامر» من العراقيين،فلا نريد أن نقول عن قوات أمننا الفلسطينية كلاما مشابها لأولادنا الآن أو في المستقبل،ومما لاشك فيه أن هيبة وقوة واحترام قوات أمننا الفلسطينية تتناسب طرديا مع وقوفها إلى جانب مقاومة شعبها،وليس العكس الذي يريد الأمريكيون وغيرهم فرضه عليها...لننتظر ونرى عساه خيرا!
|