إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

المقاومة الشعبية خيار أم شعار؟!

سري سمور

نسخة للطباعة 2008-03-24

إقرأ ايضاً


منذ اندلاع انتفاضة الأقصى ونحن نسمع عبارات:«الحفاظ على الطابع الشعبي للانتفاضة» و«ضرورة اقتصار المقاومة على الجانب الشعبي» و«إنهاء عسكرة الانتفاضة والعودة إلى خيار المقاومة أو الانتفاضة الشعبية» وغيرها من الأطروحات والشعارات أو قل الاقتراحات التي نسمعها بين الحين والآخر من أطراف مختلفة.

في حالة شعب محتل من قبل قوة كبيرة وإجرامية ومدعومة مثل شعبنا،فكل الوسائل ضرورية وليس من الحكمة الاستغناء عن وسيلة بحجة وجود وسيلة أخرى ،بل إن الوسائل يجب أن تكون تكاملية من أجل الهدف وهو الحرية للإنسان والأرض؛فالمقاومة الشعبية -وهم يقصدون بها هنا عدم استخدام السلاح- لها أهميتها ومطلوب تقويتها،ولكن الاكتفاء بهذا النوع من المقاومة بالتأكيد لن يقود إلى نتيجة مرضية.

وسأكتفي بتناول ملف أو موضوع المقاومة الشعبية من زاويتين أظنهما في غاية الأهمية وتلامسان لباب المسألة،الأولى:حجم الدعم والإجراءات العملية والرسمية للمقاومة الشعبية،والثانية:حسنات أو إيجابيات المقاومة الشعبية وكيف يمكن أن تحقق أهدافا.

«عميرة هس» تنكأ الجرح!

مع بالغ الأسف فإن مقالا في صحيفة هآرتس الصهيونية يوم 13 آذار/مارس الجاري للكاتبة «عميرة هس» قد نكأ جرحا عميقا في نفسي،لأن قلما صهيونيا قال أو لخص بعضا مما صرخت به أمهاتنا وآباؤنا وطلبتنا ومرضانا مرارا وتكرارا ؛فتحت عنوان:-

سلطة طفيلية عاجزة عن النضال

أساليب غاندي ستضم اسرائيليين إلى القافلة الفلسطينية

قالت هس: «...التنديدات كانت ستظهر بصورة مغايره تماماً لو بادر المنددون إلى مجموعة محسوبة ومنظمة من عمليات العصيان المدني ضد تكتيكات الإلحاق والضم الإسرائيلي. العناوين أكثر من أن تحصي. ان كان هناك بضع مئات من الحواجز الإسمنتية والترابية عند منافذ القرى؟ من الممكن في هذه الحالة إرسال جرافة في كل يوم بتمويل السلطة لإزالة واحد منها. كبار المسؤولين في السلطة يرافقون الجرافة: من مكتب محمود عباس بمن في ذلك هو نفسه ومن رؤساء اللجنة الأمنية وأعضاء اللجنة المركزية لـ م.ت.ف وكبار المسؤولين في فتح ووزراء حكومة ومدراء عامون.

ان كانت هناك شوارع محظورة علي الفلسطينيين؟ يخرج كل هؤلاء المسؤولين والقادة وسكان الضفة في قافلة طويلة من السيارات ويسافرون عبرها. عدد كبير من الإسرائيليين سيسعدهم ان ينضموا لمثل هذه القافلة. من المحظور البناء والتطوير في المنطقة (C)؟ وزارة التخطيط الفلسطينية تأمر الوزارات الفلسطينية ذات العلاقة بمد خطوط كهرباء وإعداد بنية تحتية لربط القرى بشبكة المياه وحفر آبار لجمع مياه الأمطار وبناء مدارس وعيادات ومنازل وربما حتى حفر آبار. كل ما تحظر سلطات الاحتلال فعله في 60 بالمئة من الضفة يدخل ضمن هذه الفعاليات. هنا أيضا سيكون عددٌ غير قليل من الإسرائيليين المعارضين للاحتلال موافقاً على الانضمام.

الإدارة المدنية آتية لهدم المنازل؟ يعود الفلسطينيون للبلاد. وان اعتقل كبار المسؤولين المرافقون لهذه الفعاليات؟ فهذا جيد. هل يستحق سكان بلعين وحدهم الدخول إلى السجن بسبب معارضتهم غير المسلحة للاحتلال؟...»

من البديهي القول أنني لست مع كل ما جاء في مقال عميرة هس ولا حتى مع الشطر الثاني من عنوان مقالها وحتى بعض ما ورد ضمن المقتطفات السابقة ،فأنا لست مغرما ولا متلهفا لانضمام «إسرائيليين» لفعاليات فلسطينية ضد الاحتلال ،فهؤلاء بمختلف مشاربهم محتلون لأرضنا وسبب بلوانا ويمكن أن يساعدونا بطريقة واحدة:أن يرحلوا عن بلادنا ويتركونا وشأننا فقط!

على كل فإن ما جاء في مقال «هس» لطالما تحدث عنه من يعانون منذ أن فرض الحصار وكن لا حياة لمن تنادي...قدر لي أن أشاهد الحصار وأقع في كمائن جيش الاحتلال في الوديان والطرق الوعرة تارة وأنجو منها تارة أخرى وكثيرا ما تبادلت مع شركاء المعاناة أفكارا واقتراحات وتساؤلات من مثل:-

1) يتحدثون عن انتشار البطالة والبطالة المقنعة،لم لا يكون هناك فرق تتواجد باستمرار مدربة على الإسعافات الأولية وتحمل مياه الشرب وبعض الأدوية ،ولم لا يكون هناك رجال معهم فؤوس ومجارف لإزالة الأتربة يتلقون رواتبهم من برامج البطالة أو أن يفرز من رجال الأمن مثل هؤلاء ويتم تغييرهم باستمرار كي لا يشعروا بالملل وكي يشارك الجميع في التصدي للحصار؟

2) لماذا لا توجد رقابة على الذين ينقلون الناس والأمتعة باستخدام الدواب،فهم يستغلون الحصار ويطلبون مبالغ كبيرة،فمثلا طلب أحد هؤلاء مبلغا لنقل بعض الأمتعة والحقائب مسافة بضع مئات من الأمتار يضاهي ما يتقاضاه سائق سيارة أجرة عشرات الكيلومترات،هذا استغلال ،كان يجب الوقوف بوجه من يمارسه.

3) بعض الحواجز تجري في كواليسها محاولات ابتزاز لشبان صغار وطلبة من أجل ربطهم بأجهزة المخابرات التابعة للاحتلال،فأين حملات التوعية،وأين الرقابة التي كانت ولازالت ممكنة.

4) لم لا نشاهد المسئولين ولو مرة في يوم قائظ أو صباح زمهرير يستطلعون أحوال أبناء شعبهم ويحيون معاناتهم،فهذا كفيل برفع المعنويات.

5) بعض القرى والمناطق كانت تبدي تعاونا ومساعدة لمن يضطرون للمرور منها أو بقربها،وقرى أخرى ليست بالمستوى المطلوب، فلم لم تقدم السلطة مساعدات عينية للسكان أو نقدية للهيئات المحلية لهذه المناطق التي مدت يدها لمن يتجرعون مرارة التنقل في ظل ظروف الحصار؟ولماذا اقتصر الحديث عن الصمود والصبر والأمل دون تقديم شيء مادي ملموس يعزز هذه المعاني؟!

6) لأن شعبنا يبدع كما نعلم،ولأن الحاجة أم الاختراع ،فقد كان السائقون الذين يتنقلون عبر الطرق الوعرة التي لا تسلم من وجود كمائن من جنود الاحتلال وآلياته يستعينون بفتية معهم هواتف نقالة يخبروهم بتحركات جنود الاحتلال ويرسمون للسائقين «خريطة الطريق» وأتذكر أن أحد هؤلاء الفتية كان يحمل لقب «طم طم» المستوحى من شخصية للرسوم المتحركة،وقد تعرض هذا الفتى بسبب مهمته هذه للضرب المبرح من قبل بعض الجنود الذين ضبطوه «متلبسا» ،رأينا السائق يناوله عشرة شواقل بعد أن اتصل به ووصل حيث يقف ووجهه للطريق السليم فقلنا بصوت واحد –راكبي السيارة- للسائق:لم لا يخصص له معاش شهري من السلطة ويوفر له ثمن بطاقات هاتفه النقال،فرد السائق علينا بغضب ويأس:«مزبوط والله يا إخوان حكينا وبنحكي..آآآه شو الفايدة جماعتنا مش سائلين عن الشعب!».

ملاحظاتنا وغضبنا واقتراحاتنا التي كانت قابلة للتطبيق بدليل أن الناس قاموا بها أو ما يستطيعون منها عفويا ومن تلقاء أنفسهم بحكم روح المروءة والشهامة والقدرة والرغبة الكامنة بتحدي الحصار وعدم رفع الراية البيضاء...لقد سبقنا «عميرة هس» بسنوات لأنها تتحدث بشكل نظري ونحن لمسنا الواقع وعانينا منه...لكن لا أنكر أن مقال هس نكأ الجرح فقد كنت أتمنى ألا نصل لمرحلة ينشر لنا نصائح ومقترحات في صحيفة صهيونية لأننا اعتدنا على الشجب والاستنكار كما تقول الكاتبة ولأن السلطة حسب وصفها في آخر المقال «... تخلط بين مصالح شعبها وبين مكانتها التنفيذية المريحة نسبياً التي أعطيت لها مقابل استعدادها للمشاركة في المسرحية التي تمليها أمريكا وأوروبا لصالح اسرائيل.».

وأحب هنا أن أستذكر ما كتبه عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني الأستاذ خالد منصور (من مخيم الفارعة) تحت عنوان «عفوا ..معالي الوزير» في عام 2005م حيث صدف أن كان بين المحتجزين على حاجز لقوات الاحتلال على طريق «المعرجات» بين رام الله وأريحا وكما نقلت مقتطفات من مقال من صحافة العدو لا بد من نقل مقتطفات مقال ابن الوطن الشاهد على مأساتنا:-

«...مرّت ساعتان دون أن يسمح الجنود بمرور أي سيارة ، وبدا الظلام يدب والبرد يشتد ، والناس في سياراتهم عيونهم تحدق في الفضاء ، علّ الأمور تتحرك حتى ولو ببطيء ، وإذا بسيارة من نوع جيب بيضاء اللون حديثة الصنع ( ذات دفع رباعي ) تصل إلى الحاجز ، وتتوقف على جانب طابور السيارات ، وينزل السائق وبيده بعض الوثائق ، تقدم مسرعا نحو جنود الحاجز بثقة زائدة … لكن الجنود نهروه بصوت عال ، وطلبوا منه العودة إلى سيارته ، فلم يستجب ، واستمر بالتقدم رافعا صوته بالقول (V I P V I P معي وزير معي وزير ) ، وعندها سمح له الجنود بالتقدم ، واطّلعوا على الوثائق التي يحملها ، واجازوا له المرور بعد برهة قصيرة … فعاد إلى سيارة الجيب متبخترا ، وكأنه حقق انتصارا مذهلا في إحدى المعارك ، وقاد سيارته ومر من أمام جمهور الغلابى المنتظرين … كانت السيارة فاخرة جدا وزجاجها مغلق ، فبدأ الناس بالتحديق لمعرفة من هو ذلك الوزير العظيم ،الذي تفتح له الحواجز ، البعض من الناس خدع نفسه ، وظنّ أن الوزير قد يتوقف عندهم كنوع من التضامن ، ليطرح السلام عليهم أو ليسألهم عن معاناتهم ، أو يحاول مساعدتهم لدى الجنود ، بصفته مسئولا رفيعا… لكن ظنونهم قد خابت ، ومرت سيارة الوزير مسرعة ، وشوهد ذلك الوزير مطرقا رأسه الضخم حتى لا يعرفه الناس ، أو حتى لا يتكدر مزاجه قبيل حفلة خاصة من المؤكد انه قد دعي إليها … وعاد الناس إلى أحاديثهم السابقة ، عن العذاب والمعاناة التي يواجهونها كل يوم على الحواجز ، بعض النساء نطقن بصوت خافت حزين – حرام لو أخذنا الوزير معه بسيارته – بعض الشباب صرخ ولعّن على الوزير وأمثاله ، ممن يحملون بطاقات ألVIP ، وأطلقوا العنان لشتى الاتهامات ، وتحدث شيخ طاعن بالسن موجها كلامه للشباب ، - انتم مجانين هل كنتم تتوقعون أن ينزل الوزير بعظمته وجلاله ليتحدث معكم والتعرف على همومكم ، أو حتى أن يقف مثلكم على الحاجز ، كان الشيخ يائس محبط فدعا الناس إلى تسليم أمرهم إلى الله وعدم انتظار الفرج على أيدي هذا الوزير وأمثاله...!»

لا حول ولا قوة إلا بالله ...حسبنا الله ونعم الوكيل...وإلى الداعين سابقا وحاليا وربما مستقبلا للمقاومة الشعبية:هل تعتقدون أن الدعوات الكلامية عبر الصحافة أو ورشات العمل الممولة أوروبيا أو في الديوانيات والجلسات يكفي في ظل هذا الوضع؟ألا يحتاج الشعب الذي سيقوم بهذه المقاومة إلى دعم ومساندة وأن يشعر أن له ظهرا؟أرجو أن أجد عندكم إجابة مقنعة؟

ميزات ونتائج «محتملة»!

الداعون إلى تعزيز فكرة المقاومة الشعبية ،وضرورة اكتفاء الشعب الفلسطيني بها وسيلة للتحرر يقدمون المبررات التالية لتسويق فكرتهم:-

1) هذا النوع من المقاومة يقلل حجم الخسائر البشرية في صفوفنا،ويحيد القوة العسكرية الضخمة للاحتلال ،حيث أن الاحتلال لن يقصف المسيرات الشعبية السلمية بالصواريخ،وهذا سيجعل «الرأي العام الدولي» يشفق لحال الشعب الفلسطيني ويضغط على الاحتلال لإعطائنا حقوقنا!

2) هذا النوع من المقاومة يضمن مشاركة كافة قطاعات الشعب وفئاته العمرية المختلفة.

3) يمكن للسلطة تبني هذا النوع من المقاومة دون أن يدمغها أحد بـ «الإرهاب» ودون أن تجد السلطة نفسها محاصرة بل ستكون السلطة في موقع قوة.

بخصوص النقطة الأولى فإن الاحتلال قبل أن تطلق أي طلقة من أي فلسطيني ارتكبوا المجازر البشعة بحق أبناء شعبنا،ثم إنهم سيجدون «باروخ غولدشتاين» جديد لتنفيذ مجازرهم،أما بخصوص ما يسمى بالرأي العام الدولي فهم يقصدون بشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ،لا يقصدون الصين والهند مثلا(حوالي ملياري إنسان) ،وفكرة جلب التعاطف فكرة ثبت فشلها ،فهذا عالم لا يؤمن إلا بالقوة وتحركه المصالح ،أي رأي عام يتعاطف معنا وهو الرأي العام الذي سمح بإقامة الكيان العبري فوق أرضنا بعد قتل وتشريد شعبنا،أي رأي عام هذا الذي ننتظر أن يتعاطف معنا وهو الذي يزود جيش الاحتلال بأحدث أنواع الأسلحة،أي رأي عام يسمح بقتل الأطفال والنساء،ونحن نعيش ذكرى اغتيال الشيخ أحمد ياسين،رحمه الله،فأي رأي عام وأي عالم ؟بل نفاق تجسد حينما غضوا الطرف عن قتل شيخ مقعد مصاب بأمراض مزمنة بصواريخ طائرات أمريكية الصنع،وفي المقابل «فلقونا» بالحديث عن يهودي مقعد قامت مجموعة فلسطينية بقتله على متن السفينة «أكيلي لاورو» قبل حوالي عقدين من الزمن ،هل دم ذاك اليهودي المقعد من لون خاص؟فليكف المؤمنون بخرافة الرأي العام العالمي ،لأن هذا الرأي العام لم ولن يتحرك إلا حينما نكون أقوياء ونؤثر على مصالحه،فهم يؤمنون بالقوة وفقط بالقوة!

بخصوص النقطة الثانية لا خلاف حولها عموما ،وهذا يضمن بقاء فكرة التناقض الوجداني مع الاحتلال بين كافة قطاع شعبنا.

أما بخصوص النقطة الثالثة(مشاركة السلطة) فأكتفي فقط بما نقلته من مقتطفات عميرة هس ،فالسلطة لا تشارك ولا تدعم خيار المقاومة العسكرية أو الكفاح المسلح خوفا من الحصار والبطش الإسرائيلي،ولا تشارك بالمقاومة الشعبية ذات الطابع السلمي نسبيا لأسباب حتى لو سألت طفلا فلسطينيا لقال لك ما هي...الخوف على الامتيازات والعيش في عزلة تامة عن هموم الشعب وآلامه....وعليه فإنه مع بالغ الأسف فإن المقاومة الشعبية –عموما- هي شعار لا خيار...حسبنا الله ونعم الوكيل.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026