إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

منطق اللامنطق

حياة الحويك عطية

نسخة للطباعة 2008-08-09

إقرأ ايضاً


قد يمكن للمرء ان يفهم تشكل ردات الفعل لدى من يعتبر انه قد اهين او هدد ، خاصة اذا كان هذا التهديد من اخ . ولكن ان يصل به الامر حد سيطرة ردة الفعل هذه على كل حس او منطق وطني وانساني ، فانه لامر يدعو الى التساؤل عما اذا كان هذان العنصران غائبين اصلا.

ملاحظة تشكلت من متابعة برنامج الاتجاه المعاكس في حلقة حول تهديد عروبة الخليج . حيث استضاف الزميل فيصل القاسم شخصيتين خليجيتين معروفتين هما الدكتور محمد المسفر والصحافي سامي النصف . لكن التوازن كان غائبا تماما بين خطاب مثله الدكتور محمد المسفر واخر يتشبث محموما بامثلة تنقض في جوهرها منطقه ، ولا يحرك دماغه فيها الا حقد مدفون على شيء ظل يدور ويحور حوله طوال الساعة ، ولا يرى في افق رؤيته سواه : شيء اسمه صدام حسين والكويت وفلسطينييها.

اية غرابة سوريالية هذه، غرابة لا تقتصر على اسلوب توظيف التراث ، واسلوب التعاطي مع سلم قيم يشكل جوهر الشخصية العربية منذ الاف السنين ، وبالتحديد مع قيمتي : الكرم والكرامة ، لاستبدالهما بقيمتين اخريين ، اما في السياق الاقتصادي فهي تجسيد لعقلية البحث عمن يخدم كسولا مترهلا.

وهكذا لم يجد الرجل غضاضة في ان يفصح عن موقف عنصري بغيض ، يعيشه بعض المرضى من الخليجيين ، ولا بد ان يستشعره الوافد الاسيوي او الافريقي ، وان يولد في وعيه او لا وعيه مشاعر منطقية ، لن تجد وسيلتها للتعبير العملي عن نفسها حاليا ولكنها لا بد ان تجده يوما ، وتنسي الكويتي الغزو العراقي.

المحرك المضمر الثاني الذي حار ودار حوله الرجل الى ان افصح عنه هو استبعاد العمالة العربية لانها عمالة مسيسة - كما قال . وما المقصود بمسيسة؟ وهل قرر الاخ اخراج الخليجيين جميعا من دائرة الاهتمام بالقضايا العامة وتبني موقف معين من قضايا امتهم وبلادهم ؟ ام انه يعول على ان عدد المواطنين الخليجيين قليل نسبيا ، بحيث ان اية نسبة من تيارات او مواقف فيه لا تستطيع ان تشكل خطر تغيير على احد؟

اما اذا كان الجواب هو الثاني ، فان ما يضاف الى الرد السابق هو اننا نبيح له حق التخلي لو ان هذه المشاكل لا تستهدف الخليج العربي نفسه قبل سواه من دول المنطقة. والاهم: هل ينظر الرجل الى ابعد من عمره الفردي؟ هل يعتقد ان للخليج مصالح تتعدى خمسين او مئة عام؟ وبنظرة الى هذا البعد يطرح احتمالان نفسيهما: ان تبقى اهمية الثروة النفطية ، وعندها ، هل يمكن للهندي او للباكستاني او للبنغالي او حتى للافريقي الذي امضى سنينه هنا ان يقبل بالبقاء خارج اطار محاصصة المواطن ، خاصة وانه ليس من العدالة له ان يبقى؟ وعندها من يضمن الا يتعلم الرغبة باستخدام الغير ويتحول احفادنا الى خدمته؟ واذا كانت القوى الغربية هي التي تحمل سيف حقوق الانسان ، فمن يضمن له الا تستل هذا السيف يوما في وجه دول الخليج اذا ما تبدلت علاقات المصلحة ، او اذا ارادت ابتزازا من نوع ما؟ اما الاحتمال الثاني ، وهو تضاؤل الاهمية النفطية ، فانه يفضي الى حتمية اقتصادية وهي العودة الى الاعتماد على اقتصاد الانتاج وقيمة العمل ، جهدا وخبرة ، وهنا هل سيكون لابنائنا المدللين قدرة على المنافسة؟ اما في الجانب الثقافي ، فقد كان من المضحك فعلا اصرار الاخ على المقارنة بمصر بداية القرن ، فمصر اولا هي محيط الخمسين مليونا الذي دخله بضعة الاف من الاجانب ، وهي محيط الثقافة العربية المستقرة المتبلورة خطا ومؤسسات ومدا شعبيا والتي طعمت ببعض التنوع ، علما بانه تنوع لم يتجاوز مدينيتن: القاهرة والاسكندرية . ومصر هي التي فتحت ابوابها بدون اي تحفظ لهجرة العرب من كل بقاع الوطن ، خاصة عرب الشام ليبلوروا فيها ومعها نهضة قومية واعية ، وموقفا منيعا في وجه الامبراطورية العثمانية التي كانت تشكل الاستعمار الاجنبي لبلاد العرب ، ومشروع التتريك للعروبة . وهكذا بنوا فيها اهم صروحها الثقافية من دار الاهرام الى دار الهلال الى روز اليوسف ومن السينما الى المسرح ، ومن الاغنية الى الموسيقى ، ومن الشعراء الى الروائيين الى المفكرين واخيرا من الصناعيين الى التجار.. والاهم ، للثوار والمصلحين.

اما استشهاده بدول اوروبا والهجرات فيها ، فمنطق يبدو منه ان الرجل لم يزر هذه العواصم الا سائحا.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026