إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

بعد سقوط الشيوعية وإنهيار الرأسمالية، العالم إلى أين؟

فؤاد شريدي- سدني

نسخة للطباعة 2008-11-25

لقد كان إنهيار النظام الشيوعي بقيادة روسيا في العقد الأخير من القرن العشرين الحدث الأبرز في تاريخ العالم الحديث.. بعد الإنهيار المآساوي للأمبراطورية العثمانية بقيادة تركيا وهزيمتها في الحرب العالمية الأولى على يد جيوش الغرب بقيادة الحلفاء ـ بريطانية ـ فرنسا ـ معظم دول أوروبا الغربية ولاحقاً الولايات المتحدة الأميركية.

إذا كان القرن العشرين قد شهد إنهيار النظام الشيوعي وإفلاس النظرية الشيوعية الإشتراكية في العقد الأخير من القرن العشرين، فهل يشهد العالم إنهيار النظام الرأسمالي في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين بقيادة الولايات المتحدة الأميركية؟؟؟. وهو يترنح تحت وطأة الإنهيارات المالية التي أحدثت العديد من الكوارث الإنسانية والإجتماعية، والمثال الأول ولن يكون الأخير إقدام رجل أميركي طاله الإفلاس على قتل جميع أفراد أسرتهُ قبل أن يدير فوهة المسدس على رأسه ويقتل نفسهُ.

بنوك تنهار وتعلن إفلاسها وأسر تنهار وتخسر كل شيء، مؤسسات مالية عملاقة تنهار.. إنها كارثة عالمية تغرس أنيابها في جسد العالم.

الشيوعية لم تفِ بوعدها ولم تُلبِ مطالب العمال ولم تحقق لهم أحلامهم الوردية... لقد خدعت الشيوعية عمال العالم عندما أطلق مؤسسها كارل ماركس نداءَه الشهير "يا عمال العالم إتحدوا"، فماذا كانت النتيجة؟ العمال ظلوا على فقرهم وبؤسهم ولم يتقاسموا الغنى بل تقاسموا الفقر.. تقاسموا الجوع ولم يتقاسموا الشبع.

النظام الرأسمالي بدوره لم يرحم عمال العالم بل سحقهم وحوّلهم إلى وقود لمصانعه العملاقة لزيادة إنتاجه ومضاعفة ثرواته.

لذا نحن الآن أمام نظامين عالميين.. النظام الشيوعي الذي إنهار والنظام الرأسمالي الذي هو في طريقه إلى الإنهيار.

أمام هذا الواقع المأساوي للبشرية يتساءل البعض.. إذا كان النظامان الرأسمالي والشيوعي قد أخفقا وفشلا في إنقاذ العالم من مشاكله و همومه، فما هو النظام الأفضل والأنجح لأنقاذ أمم الأرض وشعوبها من الويل الذي يتهددها؟

قد يتساءل البعض أليس النظام الديني هو خشبة الخلاص والبديل عن النظامين الشيوعي والرأسمالي؟؟؟ ..

لقد نشأت في التاريخ العديد من الدول الدينية وجميعها إنتهت نهايات مأساوية أيضاً، ففي الغرب مثلاً إستبدت الكنيسة بإسم المسيحية ومارست الهيمنة والتسلط وقد وصل إستبدادها إلى حالة لا تطاق وحصل ما يشبه الثورة للتحرر من تسلطها وإستبدادها.. لقد شهد التاريخ دولاً إسلامية محمًّدية أسسها بشر وأفُل نجمها مع أُفول مؤسسيها.. الفاطميون أسسوا دولة بإسم الإسلام والأمويون أسسوا دولة بإسم الإسلام والعباسيون أسسوا دولة بإسم الأسلام والأتراك أسسوا دولة بإسم الإسلام...

جميع هذه الدول زالت ولم يبق لها أثر إلا في كتب التاريخ. لقد تراجع تسلط الكنيسة في الغرب وبقيت المسيحية... زالت الدولة الإسلامية وبقي الإسلام...

هذا الكلام ليس تجديفاً ولا يجب أن يفهم أنه مساس بالدين لا سمح الله أو محاولة تبشير بالكفر والإلحاد.. ذلك لأن هذا العالم ليس شعباً واحداً ولا هو قبيلة واحدة.. ذلك لأن الدين هو لجميع البشر والشعوب فهل يمكن جمع جميع شعوب العالم بدولة دينية واحدة؟

والله يقول في كتابه العزيز في سورة الحجرات: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن إكرمكم عند الله أتقاكم وإن الله عليمٌ خبير".

إن قيام الدولة القومية التي تحمل خصائص وثقافة وحضارة ولغة شعبها هي الدولة القادرة على تقديم نفسها للعالم.. ولتساهم في وضع مداميك الحضارة الإنسانية.. الدولة القومية التي تصون العقائد الدينية تصبح إلى الله أقرب من دولة تستغل الدين لشؤون الدنيا.. ومن دولة رأسمالية تستغل وتستبد أو دولة شيوعية تستغل جوع العمال والفلاحين لأقامة إمبراطورية يتحول قادتها إلى طبقة من البرجوازية الثورية.

إنها نظرة وقراءة تاريخية لأنظمة لم تفلح في إنقاذ العالم ولم تتمكن من تجنيبه كوارث وحروب كلفت البشرية ملايين الضحايا..

السيد المسيح عليه السلام أكد للبشرية قائلاً: "مملكتي ليست من هذا العالم". والرسول محمد صلى الله عليه وسلم لم يأتِ إلى هذا العالم ليقيم مملكة أو جمهوريةً أو دولة للعرب لأن الإسلام لم يأتِ للعرب دون سواهم بل للبشرية جمعاء.

الدولة القومية المؤمنة الحاضنة للرسالات السماوية والتي في كنفها يمارس أبناؤها إيمانهم ومعتقدهم الديني بحرية هي الدولة... الدولة التي تسودها قيم العدل الحق الخير والجمال. الإيمان الديني يقرِّب الشعوب من بعضها، والطائفية توقع الفتن والبغضاء والحروب الأهلية التي تأكل الأخضر واليابس.. الذين يتصارعون على السماء يفقدون الأرض والسماء معاً.

لقد كان أنطون سعادة صادقاً عندما خاطب شعبه قائلاً: "لا يمكننا أن نربح الأرض ونحن نقتتل على السماء, فلكي نربح الأرض يجب أن نقاتل صفوفاًً موحدة في سبيل الأرض وبربحنا الأرض نربح الجنة".

الدولة القومية العادلة المؤمنة هي خلاص العالم من الإنهيار. ويبقى السؤال بعد سقوط الشيوعية وإنهيار النظام الرأسمالي: العالم إلى أين؟


* نشرت في جريدة "التلغراف" الصادرة في سدني.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026