هكذا نحبهم".. تحت هذا العنوان كتبت صحافية اسرائيلية قاصدت به القادة السياسيين للدولة العبرية ، قائلة: نحن لا نحب حكامنا الا وهم يتحركون تحضيرا لعدوان عسكري ، الا وهم يستدعون الاحتياط ، الا وهم يجعلوننا نرى دباباتنا ترفع وتخفض مدافعها في حركة لا تهدأ ، لا نحبهم الا وهم يرفعون الاصبع مهددين الشعوب العربية بالدمار ، لا نحبهم الا عندما نرى اشلاء الاخرين على شاشاتنا.
ولعل في هذه العبارات افضل تعبير عن سيكولوجية الاسرائيلي التي لا تحركها فقط قناعات ايديولوجية توراتية تلمودية تقول بان هذه الارض اعطيت له من الله ، وان العرب رجس عليها ، وانما تحركها اكثر حالة قائمة في عمق الوعي واللاوعي الجمعي ، هي حالة كل من يشعر انه استولى على شيء ليس له ، وارتكب جرائم لا تغتفر بحق المالك الاصلي. ذاك انه ما من شيء يجعل الانسان مجرما اكثر من الوقوع في الاجرام نفسه. فاسرائيل بما جمعته من مهاجرين جعلت منهم شعبا وبما قام على قيادتها من مسؤولين وبما وراءها من صهاينة العالم ، تعرف ان العالم العربي بكله لا يشكل عليها خطرا في وضعه الحالي ، وتعرف انه قد يكون اكثر رغبة في عملية تهدئة طويلة الامد يداري بها عجزه. لكنها تعرف بالتالي انها مدانة بجرم لا يمكن ان تغتفره الاجيال اللاحقة ، ولذلك فهي تحاول ان تمنع هذه الاجيال ولمئات سنين قادمة من الثار لجرم او من المطالبة بحق.
ومن ناحية ثانية ، فان جهابذة الصهيونية الذين اهتدوا الى فكرة التهويد الاقتصادي والثقافي بدلا من الاحتلال العسكري ، توفيرا لكلفة هذا الاحتلال يدركون امرا ثانيا ، لا يقل اهمية ، وهو ان نجاح هذا التهويد لا يمكن ان يكون مضمونا الا بشرط التفاوت الكبير على صعيدين: الفقر والجهل. اذ لا يمكن لاسرائيل وللحركة اليهودية العالمية التي تساندها من اجتياح العالم العربي اقتصاديا وثقافيا الا اذا كانت غالبيته متخلفة على الصعيدين ، وذاك ما ينطبق ايضا على الطبقات الحاكمة مع استبدال الفقر بالفساد. علما بان الفقر هنا لا يعني فقط الفقر الفردي والطبقي وانما فقر الاقتصاد القومي ، اي اقتصاد البلد ككل.
في هذه المسألة تلتقي مصلحة اسرائيل في البقاء والتوسع ، مع مصلحة الدول الغربية الطامعة فينا على كل الصعد وعلى رأسها الاقتصاد.
لذا فاننا اذا ما نظرنا بعمق الى الاثار البعيدة لجميع الحروب التي شهدتها المنطقة منذ قيام دولة اسرائيل ، فاننا نجد ان هذه الاثار قد تركزت على تدمير عملية التنمية المستدامة ، التي تؤدي الى حالة نهضة شاملة. تدمير يمتد من حرب السويس الى حروب العراق ومن ثم احتلاله مرورا بحرب ال67 ، حرب لبنان الاهلية واجتياح 82 وحرب تموز 2006 ، وما حول هذه الحروب الكبرى من صراعات اخرى تمتد فيها اليد الصهيونية بشكل غير مباشر ، على مدى الرقعة الممتدة من الجزائر الى السودان. كما اننا نفهم لماذا وقف الغرب دائما مع المعتدي الصهيوني في الخندق نفسه ، سواء بمده بالسلاح والمال او بالتدخل سياسيا وديبلوماسيا لتوجيه الصراعات وانهائها في كل مرة وفق خططهما المشتركة.
غير ان الصراعات العسكرية هذه لا تصل الى اهدافها بالكامل الا بتحقيق عمليات تكبيل مختلفة الانواع: من التكبيل العسكري المربوط بالمعاهدات والاتفاقيات والقرارات الدولية وقوى المراقبين ، الى التكبيل الاقتصادي ، خاصة عبر المساعدات والقروض وهيمنة المؤسسات والشركات الاجنبية.
هي ترجمة الخطوة ، خطوة الكيسنجرية ، وهي سياسة لم تكن ممكنة لولا الفرقة الكيانية داخل الامة ، والتخلف السياسي الذي يجعل الخلافات تتحول الى عداوات يقف فيها طرف في صف العدو ضد الطرف الاخر ، والفساد المالي والسياسي الذي يجعل البعض يشعرون بانهم بين خيارين: اما الكرسي واما السجن ، فيتحول دفاعهم عن الاولى الى جنون محموم قادر على ان يقودهم الى ابشع المؤامرات والقرارات.
في كل هذا ، يبرز دور الوعي ، ودور الاخلاق ، وتقفز دماء الاف الابرياء والمناضلين لتحاسب الاهل قبل ان تحاسب العدو ، ولتقول للنخب ان لا وقت للراحة بين معركة واخرى ، لان هذا الزمن الفاصل هو الاهم.
|