إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

خيبة الرهان .. على ســلام مستحيل . . !!

محمد ح. الحاج

نسخة للطباعة 2009-05-08

إقرأ ايضاً


لم تتغير الوجوه ، وحده الخطاب تبدل قليلاً ، بدأت الكلمات الدبلوماسية تنساب متتالية في غزل نوعه قديم – متجدد ، ومن خلف لبوس يعتقد البعض أنه أصبح طي النسيان ، لكننا نتذكره جيداً ، تنخفض حدة الأوامر والتهديدات المبطنة ، ويحل محلها حديث جديد عن التعاون ، والمقدرة على الوصول بالمنطقة إلى حلول تضمن السلام ، ولكن .!.

هل يكفي أن تتغير لهجة الخطاب ، وتُستبدل الكلمات ، وتنخفض الحدة إلى مستوى أقل .؟. وهل حقيقة أن تغييراً ما حصل في نفسيات الأشخاص إياهم ، هل تغيرت القناعات والمبادئ ، أم أنها المناورة وضرورات الخداع في عملية حرب جديدة أو متجددة على قاعدة الرهان بأن بعض العرب يرغبون في نسيان ما كان قبل سنوات ، عقد وبعض عقد . . التسعينيات كانت كفيلة كأمثولة للحفظ والبناء عليها كي نصل إلى قناعة بأن ما يسمونه البحث عن السلام لم يكن يوماً في أولوياتهم ، ولا حتى في حساباتهم ، استطراداً ، هم ليسوا من أهل السلام ولا البحث عنه ، وأيضاً هم قتلة كل بوادر السلام ، ليس في الزمن التاريخي الحالي ، وإنما منذ كان البدء ، منذ كانت الكلمة ، هم لا يعقدون سلاماً مع أهل الشمال .!.

من الثابت أن تبادلاً غير معلن للأدوار لا بد يقوم بين واشنطون وتل أبيب ، فإن اتجهت بوصلة الإدارة الأمريكية نحو خطاب يعتمد الحوار وطرح مقولات السلام ( وهي – ربما - سمة السياسة المحببة للديمقراطيين ، وإن كان بوش الأب قد مارسها لغرض في نفس يعقوب ) فإنه لا بد من توجه القيادة في تل أبيب نحو التشدد ، بما يوفر إقامة شبه حوار ساخن بين العاصمتين يأخذ بعقول البعض في عالمنا ، لينسوا ، أو بعضهم ، أن الخلاف بالأساس ليس بين هاتين الإدارتين وإنما هنا وفي العمق ، وبينما ينتظر البعض هنا بادرة تحسن ، أو اتفاق على طريقة استلابنا ، أو هضم أجزاء منا ، أو خطة نقبل على أثرها ما اتفق عليه الطرفان ضمناً تحت شعارات مستحدثة ، تمر السنوات الأربع من عمر ولاية كل منهما ليعود الدولاب سيرته الأولى على نفس المحور ، ولكن ليتم التبادل تارة أخرى فيأخذ هذا جانب البحث عن قنوات للحوار ، وينتهج الآخر أسلوباً مصحوباً بالعصا التي تهتز كأنها القضاء والقدر على أنه لا بد من فتح قنوات لصراعات مستحدثة تبعد بعضاً من أصحاب القرار عن جوهر الصراع ليتركز على هوامش لم تكن بالحسبان ، . . الخطر قادم من طهران ، وليس من ليتسيون ريشون أو ديمونه ، أو عنابر الخزن في أعالي هضبة الجولان . !!

العودة إلى الوراء أكثر من ألف عام أمر في ضمير القبول ، يمكن أن يعود إلى الحياة فوراً ، أغلبنا ماضويون ، نجتّر ما كان قبل عشرة قرون أو أكثر ، ونعيده إلى الحياة ، حقيقة نحن أسرى الماضي ، وغير القادرين على دخول المستقبل ، أما الحاضر فإن دهاليزه الكثيرة كفيلة بأن تبعث بنا إلى الضياع وحين يجد الآخر طريقه ويتجه إلى هدفه نكون في استراحة نعود بعدها للبحث عن الطريق ، هنا نختلف على الوجهة ، كلٌ ، وببالغ الإصرار يختار زاروباً من زواريب المتاهة ، الزواريب التي لا يفضي أي منها إلى الطريق الخارج نحو الحقيقة . . الضياع شبه قدر ، أو هو مصنوع من أجلنا نحن ، صنعه الآخر ، ودخله بعضنا بإرادة وعن سابق تصور وتصميم ، وحتى لو اكتشف خطأ خياره بعد حين فإنه يستمر بإصرار المكابر . . لا يجب أن يعترف بالخطأ .

ما تكشف بعد مائة يوم للعالم من جديد سياسة أوباما لا يبشر بخير ، رغم الخطاب المختلف – الهادئ الموصوف بالرزانة والحكمة ، ورغم بوادر الحوار مع دمشق وكيل المديح لسياستها ( هي لم تتغير في الواقع ، وحده الخطاب الأمريكي . . تغير ) ، السفير الأمريكي سيعود ، كثيرون يعتقدون أن سحب السفيرة السابقة ، كان لإغلاق باب الحوار واستهلاك الزمن ، كان بادرة تمهيد لضرب دمشق وإخضاعها لو استقر الحال في بغداد ، الأصح لو تمكن الصهاينة في إدارة بوش من توريط أمريكا بشكل أوسع – ثلاث جبهات مفتوحة أمر في غاية الاستحالة ولو شاركت دول تدور في الفلك الأمريكي – اليوم يصبح الخروج من حمأة هذه الورطة في العراق مطلباً ملحاً ، ولا بد للتغطية من موقف سوري يضمن ما يمكن تسميته أمن الخروج . . الخطاب – الحوار ، وحده يضمن هذا الأمر ، عودة السفير قد يكون عامل طمأنة - الحوار عاد من باب مفتوح على مصراعيه – لاحظوا ، أن أغلب شخصيات الإدارة الأمريكية هم أنفسهم ، وحده الخطاب تغير – فيلتمان في دمشق – بالأمس من بيروت كان يشن الحملات ويحرض الجميع على الشام ، اليوم ، هو متفائل ، يكيل المديح . . تساءل بعضنا ، لماذا هو مقبول في دمشق ، وما هو المغزى الذي رمت إليه إدارة أوباما من إرساله إلينا . . دمشق بالغة التهذيب في استقباله ، مقابل وقاحة بالغة في الإصرار على تكليفه بحوار مع دمشق . . هل حقاً لا يوجد عداء دائم في السياسة .؟. أمر بديهي بين الدول ، لكن ، بعيداً عن الشخصيات . . هل ننتظر في وقت ما أن يصل جورج ووكر بوش إلى دمشق . . مبعوث سلام ، وأي مفهوم للسلام يمكن أن يحمله مثل هكذا شخص .؟. .

دمشق باحثة عن السلام على طريقتها ، جادة وصادقة ، بعض أركان الإدارة – الواجهة في أمريكا ، يريدون أن يتحقق السلام بطريقة ما . . ! الكيان الصهيوني ، وحده ، يريد الاستسلام ، هو بمفهوم قادة الكيان : السلام مقابل السلام . . ! من يستطيع أن يوفر لهم هذا السلام الموهوم طالما تم طرحه بمثل هذه العجرفة وهذا الصلف والغطرسة ، حتى السادات لم يقبل السلام دون اشتراط أن يشمل الحقوق الفلسطينية ، قالوا ، نعم . . سيتم بحث الحقوق الفلسطينية ، والتفاهم مع الفلسطينيين ، والسوريين أيضاً ، واستطراداً اللبنانيين والأردنيين ، وإدارة أمريكا وعدت بضمان تحقيق ذلك . . ! كان المطلوب بإلحاح توقيع معاهدة إخراج مصر من الصراع ، ثم، تم استكمال الاتفاق ، باتفاقية وادي عربة مقابل ضمانة أطول حدود في المنطقة ، وبعائد بسيط ، ولكن بثمن أكبر هو استعمار وليس استثمار وادي عربة .

لا شيء بالمجان ، يدرك نتن ياهو أن رؤيته لما يسميه " سلام " لا تتفق مع أبسط الحقوق لشعب المنطقة - هو بالتأكيد من خارجها – هو مجرد مستوطن ، ومؤقت بنظرنا كأمثاله تماماً من غالبية المستوطنين ، بما في ذلك من ولدوا على هذه الأرض ، الإدارة الأمريكية ذاتها رفضت شروط رئيس وزراء الكيان العدو ، على الأقل ، ليكن أقل غطرسة ، أو أقل وقاحة في مطالبه . . ! هناك على الجانب الآخر من ينتظر انتصار الرفض الأمريكي ، إذا على نتن ياهو أن يتزحزح قليلاً ، هاهو يدعو إلى مقاربة جديدة للمبادرة العربية . . كيف ، ولماذا .؟. من الصدف أن يحاول أبو الغيط تذكير الإرهابي ليبرمان بحرب السادس من تشرين ( أكتوبر ) . قد يكون نسيها ، أو تناساها .!.

أن يجتمع وزراء الخارجية العرب في أي مكان تحت سقيفة الجامعة ، أو بعيداً عنها في الفضاء المكشوف ، أمر قابل للتحقيق ، أن يتفقوا حول موضوع المبادرة ، أمر في غاية الصعوبة ، بل هو المستحيل . . المبادرة باقية قيد التداول . . المبادرة يجب أن تجمد . !. أو أن يتم سحبها ، وبالتصويت تسقط كل الاحتمالات ، وتبقى بكامل تفاصيلها مسفوحة على أعتاب الصهاينة دون لون في ماء وجهها ، أصبحت من عالم الأموات ، لكن . . ممنوع دفنها أو مواراة سوءتها . كل مبادرة وأنتم . . مختلفون يا . . عرب .

بعضهم يقول في صلواته : وآخر دعوانا . . . ، نحن نقول أن آخر رؤانا هو السلام المستحيل ، لن يدركه مع الصهاينة أحد ، من هنا رؤية أن الصراع حتى تحقيق النصر هو الحتمية التاريخية ، الواقعية ، النقيض هو الحتمية الواقعية ، مع الصهاينة ، من منطلق رؤاهم المتداولة – المليئة بالمطبات والمناورات ، السلام مستحيل ضمن المدى المنظور ولمائة عام فيما لو استمرت المفاوضات وانتظار اقتناع هؤلاء الذين لم يتبدل فيهم شيء حتى الخطاب المتحجر ، أما نحن فإننا لن نتبدل أيضاً ، لن تتبدل قناعتنا بأن الصراع حتمي ، وحده هو الحل لبلوغ النصر ، وإلا فإن الخيبة هي الحصاد الأكثر مرارة من العلقم .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026