إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

لفهم النظام المصري: قراءة في رأس فارغة

حمزة عمر-شبكة فلسطين للحوار

نسخة للطباعة 2009-05-12

إبليس محل للمثل في المكر والدهاء والخديعة منذ انبعاث أول البشر، لكن هل كان إبليس ذكياً بالفعل؟ لو كان ذكياً لحفظ مآله يوم يبعثون وهو في يقين تام وقد كان بين الملائكة مطلعاً على قدر من ملك الرحمن ومحاوراً لربه -جل وعلا-، لكنه ذكي إذا تعلق الأمر بالمغفلين والضعاف: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿*﴾ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ).

وفرعون الذي كان مستغرقاً في الطغيان، مرتفعاً بالجبروت والثروات واستضعاف الخلق، تيقن من صدق دعوة موسى -عليه السلام-: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)، لكنه كان كأستاذه الأول إبليس تعميه مركبات الجنون من حسد وغرور زائف ليجعل مآله أشد العذاب: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).

النظام المصري الحالي تلميذ شرير لإبليس وفرعون على غباء فيه ورعونة، لكنه مخلص وأمين لكليهما ، ولعله يدرك أنه بمؤامراته المرضية يشق لنفسه طريقاً سالكاً صوب الهاوية، وهو على أية حال صاحب دماغ خامل في عقد خيوط المؤامرات إذ أنه امتداد طبيعي رزء الله به مصر منذ فرعون الذي قصدنا غباءه قبل قليل، فما نظرية الأمن القومي المصري بشكلها الحالي التي تخلط بين أمن النظام الفاسد المستعبد لخلق الله وأمن البلد وأهله من المسحوقين، وما خلطة الوطنية المصرية الأغرب بين البشر التي تمنح المصريين حقاً يصادرونه من غيرهم ممن هم مثلهم إلا صنيعة فرعونية مغرقة في القدم، وبقيت تجري في مصر ابتلاء من الله (ولعل المرء يبتلى على قدر دينه) كما يجري فيها النيل، أو كما يجري الدم في العروق، أو كما يجري الشيطان الأستاذ الأول في ابن آدم خاصة من الحمقى الكبار (المستكبرين) أو الحمقى الصغار (المستضعفين التابعين): (وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)، ولا أدري مدى الأمل في شفاء مصر من هذا الداء الذي يجري فيها جريان النيل، فهو قديم قدم حضارتهم التي يحبون نسبة أنفسهم إليها، إلا أنه (ما أنزل الله من داء إلا وقد أنزل معه شفاء علمه من علمه وجهله من جهله).

النظرية الاستعبادية لامتداد فرعون العتيق المسماة بـ (الأمن المصري القومي)، و(مصر غير)، و(إلا مصر)، و(مصر خط أحمر)، و (دي مصر يا معلم إنت فاكر إيه) هي نظرية فرعون الأشهر من بين الفراعنة والذي أوتي ما لم يؤت مبارك وبطانته من أفراخ هامان وقارون، فموسى وهارون عليهما السلام خطر على الأمن القومي المصري الفرعوني: (قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ)! فهذا فرعون يحرض المصريين على الأنبياء! وهذا نظام مبارك يحرض المصريين على المقاومين الشرفاء وعلى إخوانهم العرب والمسلمين

وإذا كنا قد جعلنا مبارك امتداداً لفرعون مع فارق إذ لا نعلم فيما عرفنا عن فرعون أنه تبع أحداً من البشر بخلاف نظام مبارك الملحق في آخر العربات الخلفية لأمريكا والكيان الصهيوني، فإننا لا نجعل قوى المقاومة التي يعاديها فرعون الصغير مثيلاً لموسى وهارون عليهما السلام، وإنما هو الشيء بالشيء يذكر، فما يوجه لقوى المقاومة بمشاربها المختلفة (سنية فلسطينية: حماس)، و (شيعية لبنانية: حزب الله)، هو نفسه ما وجّه لموسى من سيد مبارك القديم: تهديد الأمن القومي (يخرجاكم من أرضكم)، وتغيير الملة الساداتية المباركية (ويذهبا بطريقتكم المثلى)!

سر الوطنية المصرية!

أما الخلط العجيب الذي يجعل من انتقاد النظام مسّاً لمصر وإساءة لشعبها و(تزويق) ذلك بالوطنية المصرية (إلي مفيش زيها) و (الي العرب مبيفهموهاش) هي إنتاج فرعوني قديم بعمر آلاف السنين التي يحب بعض إخواننا المصريين نسبة أنفسهم إليها: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)! فهذه الوطنية بشكلها في سماتها الجوهرية انتهاك لإنسانية المواطن المصري وإلغاء لمواطنته وحريته واستعباد مقنن له، إذ كيف تختزل البلد وأهلها وتاريخها في شخص رجل شديد البؤس والفساد؟!

وقد أفلح تعاقب الفراعنة الكبار والصغار على مصر في تعزيز هذا اللون المشوه من ألوان الوطنية فما أفلحت حتى فترات الصعود والازدهار وظهور الدين والشعور بالوحدة الإسلامية واجتماع المسلمين على قضايا مشتركة كحرب الصليبيين أو تحرير بيت المقدس في ظل حكم غير المصريين كصلاح الدين في علاج هذا التشوه الإنساني، فالاستعباد الفاطمي للمصريين -مثلاً- في جنوحه المنفلت نحو المبالغة في أبعاده السياسية أو العقدية أو الاجتماعية بقي تاركاً جذوره في النفس حتى بعد مجيء صلاح الدين -رحمه الله- وعمله على تخليص الإنسان المصري من الفهم المشوه لمعنى الوطنية، فهذا ابن سناء الملك يمدح صلاح الدين قائلاً:


فما يبرم المقدار ما كنت ناقضاً وما ينقض المقدار ما كنت مبرماً


ولعمري هذا لسان حال الصحافة القومية المصرية وإعلامهم الفضائي الرسمي والبديل في إضفاء القداسة على سياسات النظام المصري خاصة في القضايا القومية الكبرى كالقضية الفلسطينية والصراع مع العدو الصهيوني، وفي المبالغة في تقدير إمكانات هذا النظام البائس وأجهزته البوليسية بنمط تهريجي عريق القدم في التاريخ، ومن أبرز نماذجه اليوم المهرج عادل إمام.

والأمر حتماً لا يحتاج تأكيداً منا على نفي المقارنة أو التشبيه بين صلاح الدين وحسني مبارك!

ومع أن تفضيل أرض الوطن على غيرها من البلاد مشروع، إلا أن المبالغة في ذلك والدفع لتكريس هذه المبالغة من شأنه أن يشوه معاني الالتقاء الجمعي للأمة والروابط البينية فيها من دين وعروبة وقيم مشتركة وغير ذلك، وفي الحالة المصرية فإن هذه المبالغات في الانتماء للوطن على حساب حرية وكرامة العرب والمسلمين على وجه التحديد -لأن التحريض الرسمي للشعب المصري يقتصر على تحريض الشعب على إخوانهم العرب وحسب- من شأنها أن تخلق فجوة بين المصريين وبقية إخوانهم. ومن طرائف هذه المبالغات قول ابن سناء الملك:


فوالله ما أشري الشآم وملكه وغوطته الخضرا بشبرين من شبرا

هذا والمعارك دائرة في الشام لتحرير بيت المقدس، ومع أن ممدوحه وسيده صلاح الدين شامي النشأة والقيادة والجيش

ومن عجائب هذه النزعة في الشعر المعاصر قول أحمد شوقي:


أين الفراعنة الأول استذري بهم عيسى ويوسف والكليم المصعق

الموردون الناس منهل حكمة أفضى إليه الأنبياء ليستقوا

الرافعون إلى الضحى آباءهم فالشمس أصلهم الوضيء المعرق


والحقيقة وإن كنا ننتقد هذه النزعة بشكلها المشوه وما تنطوي عليه من مبالغات فجة انطلاقاً من مرجعيتنا الإسلامية التي تجعلنا أمة واحدة، فإننا كذلك ننتقدها لآثارها المدمرة علينا كأمة وكفلسطينيين على وجه التحديد.


فتوقيع السادات لاتفاقية كامب ديفد يرد فيما يرد إليه إلى هذه الوطنية المصرية الغرائبية، حيث أن العرب -بحسب النخب الإعلامية المصرية خاصة تلك الملحقة بالحزب الحاكم- لم تتبلور فيهم الهوية الوطنية كما تبلورت في المواطن المصري الذي لم يتحمل احتلال أرضه فلم يجد بداً من تحريرها بأية وسيلة ولو كانت هذه الوسيلة هي اتفاق كامب ديفد

وإذا كان ما في هذا الاتفاق من إذلال وإضعاف وتهميش للدور المصري وحضوره في القضايا العربية شأن مصري خالص، فما الذي يعطي هذه الوطنية الحق في أن تسترد أرضها على حساب أرض غيرها، إذ لم يسترد المصريون سيناء إلا بعد أن اعترفوا بشرعية دولة الكيان الصهيوني على أرضنا

والاستطراد في ضرب الأمثلة على خطورة هذا الفهم للوطنية سيستغرقنا طويلاً لو مضينا فيه، لكن يمكن باختصار لأي متابع أن يرى حجم هذا التناقض الكفيل بخلق الكراهية بسبب سياسات النظام والطريقة التي يعالج فيها خلافته السياسية مع العرب.


فبينما يسخّر النظام المصري إعلامه الرسمي وصحافته القومية ويستفيد كذلك من الإعلام البديل في تحريض الشعب المصري على العرب بكل إسفاف وبذاءة واستخفاف وتهور، لا يقبل أن ينتقده أحد من العرب، بل لا يطيق وجود فضائية عربية تعرض رأياً مخالفاً إلى جانب رأيه! فما الذي يعطي هذا الإعلام الحق في شتم وانتقاد وانتقاص وتعيير العرب، بينما لا يقبل مجرد نقد مؤدب أو مخالفة لسياسات النظام القائم؟!


أليس من شأن هذه النظرية الفرعونية التي ابتدعها فرعون الأشهر ويستخدمها أفراخه اليوم أن تخلق الكراهية وتعزل مصر عن محيطها العربي؟


لا شك أن المقام لا يحتمل استعراض أوجه السياسات المصرية التي تصرف شعبها عن إخوانه العرب والمسلمين كلما انكشف النظام ومضى قدماً في التعاون مع أمريكا والعدو الصهيوني ليجد نفسه مضطراً لخلق عدو بديل عن "إسرائيل" يلهي به شعبه ويصرفه عن العداء الأصلي مع العدو ومعارضة النظام الفاسد الذي لم يبق لمصر كرامة ولا سيادة وقد استبدل بهما هذا النمط الزائف من الوطنية والذي لا يزيد على إشعار المصريين بالاستعلاء على إخوانهم العرب والمسلمين واختلافهم عنهم، بينما تنهب السيادة والكرامة الوطنية لمصر من كل طارق أجنبي، وينغمس نظامها السياسي في تجريد مصر من كل مقومات الأمن القومي الحقيقي والتأثير الإقليمي ويتفرغ لتنفيذ الإملاءات الأمريكية للحفاظ على أمنه كنظام لا كوطن.

لماذا يصاب النظام المصري بالهستيريا؟

لكن لا بد من وقفات قصيرة في تفسير المواقف المصرية من بعد انتهاء الحرب على غزة، وهذا التفسير يتسق مع ما سبق من كشف لحقيقة امتداد النظام المصري القائم لفرعون الأشهر!

- النظام المصري مصاب بغيرة سياسية قاتلة لا تطيق أن ترى مشروعاً أو رؤية عربية مخالفة تحقق إنجازاً حقيقياً بخلاف الرؤية المصرية منذ كامب ديفد، حتى لو كان أصحاب المشروع المخالف لم يعادوا أو يسيؤوا لمصر الدولة والنظام، وفي هذا السياق يمكن فهم العداء المصري الغريب لقطر ومقاطعة القمة العربية فيها على الرغم من كون مصر الدولة المقر للجامعة العربية مما يشير إلى عمق الأزمة الخلقية التي يختنق بها هذا النظام، وكذلك عدائه لحماس وحزب الله.


- النظام المصري مفترَس بالحسد الذي يدفع صاحبه للتهور والجنون وافتقاد الاتزان، وقد تفاقم هذا المرض المرير من بعد انكشاف موقفه المعيب في الحرب على غزة، وما تلقاه من صفعات من حليفه الإقليمي (العدو الصهيوني) ورئيسه في الحلف (أمريكا)، فبدلاً من رد الصفعة والانسجام مع الشعور الغريزي بالكرامة وما يزعم من وطنية مصرية فريدة وخطوط مصرية حمر لا تشهر إلا في وجه العرب، اشتعلت حمأة النظام ليثبت لأمريكا وحليفه في الإقليم أنه لم يزل قادراً على التأثير والإمساك بخيوط اللعبة في المنطقة، ولذلك افتعل المؤامرة التي تستهدف حزب الله ومن خلفه فصائل المقاومة والقوى التي تدعمها.


- وهذا نجده تماماً لدى فرعون الذي حينما جن قال لهامان: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿٣٦﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ).

وختاماً كما البداية، فإن خواتيم الفراعنة وفراخهم وغبار إبليس ما هي إلا في تباب.

وقفة مع إسلاميين ناصروا فرعون الصغير!


بعض من ناصر النظام في مؤامرته على حزب الله، زعم كاذباً أن موقفه لا ينطلق من نصرة النظام وإنما من الحرص على الأمن القومي المصري!


بعض هؤلاء آزر حماس في حربها الأخيرة مع العدو الصهيوني في قطاع غزة، ودعم حق حماس في إدخال السلاح بأية وسيلة، ولا شك أن تعبير (أية وسيلة) يندرج فيه إدخال السلاح من سيناء، فلماذا يعتبر الآن إدخال السلاح من سيناء عن طريق حزب الله مساً بالأمن القومي المصري؟


إن هذه الأحداث تكشف عن مزيد من أوجه الخلل الذي يصيب المبادئ في حالتنا العربية والإسلامية، لكن الخطير أن بعض تلك الأوجه من الخلل فيها قدر من النفاق، فلو كان المعيار صادقاً لما تغير حينما تعلق الأمر بحزب الله، مما يعني أن دوافع هذا الموقف طائفية ولا علاقة لها بمزاعم الأمن القومي المصري، وهو ما يعني أيضاً أن نخباً حركية وفكرية إسلامية تشكل عبئاً حقيقياً على الأمة حينما تبعثر لها أولوياتها وتلبس عليها معركتها الحقيقية.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017