إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

نتنياهو عاد من زيارته لامريكا مختلفا. فقد مر بصدمة نفسية هناك ووجد امامه امريكا مغايرة

يديعوت

نسخة للطباعة 2009-05-29

إقرأ ايضاً


لا حاجة لاذن حساسة لاستشعار ما يمر به رئيس الوزراء. هذا الشخص عاد من زيارته لواشنطن مختلفا. ليس شخصا آخر – مثل هذا التغيير يتطلب تدخل الآلهة وليس نائبه – ولكن ما من شك ان اللقاء مع اوباما قد هز رئيس الوزراء الاسرائيلي هزة عميقة.

مثلما يحدث احيانا هذا التغير انعكس اولا في مواجهة البيت الداخلي في كتلة الليكود من خلال لقائهم الاسبوعي في الكنيست. قبل ست سنوات في ايار (2003) حدث ذلك مع شارون عندما تلفظ بكلمة "احتلال" مباشرة وصراحة امام رفاقه في الكتلة البرلمانية. الارض لم تهتز والسماء لم تسقط الا ان الجميع ادركوا ان خطا احمر قد تم تجاوزه وان الامور لن تكون كما كانت عليه من الان فصاعدا.

الاب الروحي للمستوطنات والمسؤول الرئيسي عن الاستيطان في يهودا والسامرة يطلق على هذا العمل كلمة "احتلال" ولاول مرة يعترف بأن هذا الوضع الذي تسيطر فيه اسرائيل على (ثلاثة ونصف) مليون فلسطيني هو وضع سيء.

حينها وفي هذا الاسبوع كذلك كان هذا الاطار الحزبي معاديا وحماسيا. حينها كانت جيلا جمليئيل ويوفال شتاينتس اما الان فداني دنون وتسيبي حوطوببلي وياريف ليفين، بعضهم اشخاص ايديولوجيون والآخرون حائرون مما دفع رئيس الوزراء لقول ما قاله. ومن اصغى لما قاله لم يكن بمقدوره ان لا يصل للاستنتاج المجرد بأن بنيامين نتنياهو ينعطف يسارا.

هذا ليس مضمون الامور فقط. هذا تراكم لها. في جلسة واحدة ومن خلال عدة كلمات قلب نتنياهو الصيغة التي خرج معها الى واشنطن قبل اسبوع ومفادها ان من الواجب اولا معالجة المسألة الايرانية اما القضية الفلسطينية فأزيحت للوراء. نتنياهو قدم الى اجتماع كتلته الحزبية البرلمانية متيقظا: ليس هو الذي يقرر سلم الاولويات والطريق الى الحل الايراني يمر عبر غرف نوم المستوطنين في يهودا والسامرة.

اعضاء الكنيست من الليكود صرخوا ضد نهج وزير الدفاع القاسي بصدد المستوطنات. رؤساء مجالس من يهودا والسامرة شاركوا في تلك الجلسة علقوا مشاكلهم على قضية البناء في مستوطنات مثل معاليه ادوميم واريئيل وغوش عتصيون. من الممكن فهمهم. هم انتظروا سنوات لتتبدل الحكومة حتى يتمكنوا من البناء. الان حتى من يريد ان يتوصل الى تفاهمات واتفاقيات حول هذه البؤر الاستيطانية او تلك، يكتشف انه لا يستطيع ان يفعل شيئا. ولا حتى اقامة نقطة للاسعاف الاولي. ولا بناء قن دجاج. هناك ضغط كبير من الميدان يحرك اطرافا سياسية. وهناك ايضا كتلة ليكودية برلمانية اكثر يمينية مما كانت عليه في عهد شارون: في ذلك الحين كانت كتلة الليكود مكونة من اعضاء كاديما الاقرب الى الوسطية السياسية.

الامر السهل بالنسبة لنتنياهو كان ابداء التعاطف والتفهم. قول عدة كلمات يحب اعضاء كتلته وسكان يهودا والسامرة سماعها. ولكن ذلك لم يحدث. نتنياهو عازم على تقديم الدعم والمساندة الكاملة لوزير دفاعه. ليس بسبب الرغبة في الابقاء على التعاون ولا بسبب الحرص على سلامة الائتلاف وانما لسبب بسيط: ليست الجبهة قبالة يهود باراك هي التي تخيفه وانما الجبهة القائمة في مواجهة براك اوباما والادارة الامريكية. نتنياهو يعرف اليوم ان الامور التي يرونها من هنا ليست كما يرونها من هناك وان الامور قد تغيرت تماما. هو وجد امامه امريكا مختلفة ورئيسا لم تشهد اسرائيل له مثيلا من قبل. رئيس يحظى بشعبية كبيرة وقوة كبيرة ومحبوب جدا من قبل الجمهور اليهودي. هو قابل ادارة لا تنطوي عليها الحيل المعروفة. امريكيون كثيرون جدا تجولوا هنا في الميدان. ازالة بؤرة استيطانية بيد واصدار تراخيص لالف وحدة في مستوطنة اخرى باليد الثانية – هذه الحيلة لم تمر بعد الان.

نتنياهو ادرك ان العالم قد تغير. ربما اعتقد انه سينجح في اقناع الجميع. هو وعوزي اراد. اراد هو شخص مع ثقة ذاتية كبيرة. ليست لديه شكوك: كل شيء بالاسود والابيض. هذا اعطى لنتنياهو الكثير من الثقة قبل السفر. وهناك من يقول ان مساعدوه لم يصفوا له الوضع على حقيقته قبل سفره. الامر هو ان نتنياهو اكتشف في زيارته ان امريكا ليست امريكا الماضية وان الكونغرس ليس نفس الكونغرس وانه لا يمتلك اية فرصة في مواجهة اوباما وليست لديه اية ذريعة. ان كان بامكان شارون واولمرت ان يقولوا للرئيس بوش ان حكومته ستسقط ان فعلوا هذه الخطوة او تلك وبوش بدوره كان يتأثر كثيرا – فالوضع ليس كذلك الان. اوباما لن يذرف دمعة ان قال له نتنياهو ان حكومته ستسقط ان اخلى البؤر الاستيطانية. هو لن يقول له: لا قدر الله المهم ان لا تذهب. الامر الاكثر سوءا الذي يمكن ان يحدث هو وصول لفني الى رئاسة الوزراء – ليست مسألة مقلقة بالنسبة لاوباما.

قبل الانتخابات في الولايات المتحدة قال اوباما بانه ليس من الواجب ان يكون الشخص ليكوديا حتى يكون صديقا لاسرائيل. واليوم يستطيع ان يقول ان لا حاجة لان تكون رئيسا للوزراء من قبل الليكود حتى تعمل مع الامريكيين. ان ادعى نتنياهو امام الادارة الامريكية ان لديه مشكلة سياسية في تمرير ايقاف البناء واخلاء البؤر الاستيطانية فالرد في احسن الاحوال سيكون: اذهب الى الجحيم.

من هو وما هو

نتنياهو عاد مع هذه الحكم الاستخلاصية من واشنطن. هو فهم ايضا ان اوباما حازم عازم. وانه يستطيع ان يفعل معنا نفس الشيء الذي يفعله مع الاصلاحات المذهلة في جرأتها التي يوقعها في كل اسبوع. نتنياهو يدرك انه ان اثار عصبية اوباما فان هذا الاخير سيفرض الحل هنا. اذا لا غرابة ان نتنياهو يشعر بالقلق الشديد. هو يدرك الان عظم الشرك الذي يتواجد فيه.

اولا ربما هو اول رئيس وزراء يتحمل دفعة واحدة كل هذا القدر من الملفات الثقيلة. رؤساء الوزراء واجهوا العمليات الاستشهادية والباصات المتفجرة ولكن أيا من هذه المهمات لا يقترب من جزء حتى من فداحة التهديد الايراني. في مناوبة نتنياهو هناك ضرورة لاتخاذ قرار بصدد هذا التهديد. هذا قرار اصعب من ان يمكن تحمله. وفي مناوبته الرئاسية هذه سيضطر لمعالجة الازمة الاقتصادية العالمية والداخلية. وفي فترته يجب ان يتبلور حلا سياسيا ما. وهذا من دون ان نبدأ في الحديث عن سوريا وحماس وحزب الله واطلاق سراح جلعاد شليت. كل هذا في مواجهة رئيس امريكي ليس واضحا كم تعني اسرائيل له ولاول مرة في تاريخ اسرائيل، رئيسا لا يتعامل معنا بالضرورة كذخر استراتيجي. رئيسا لا يؤثر عليه الانجليكان واللوبي اليهودي وايباك. رئيسا يريد فتح صفحة جديدة مع العرب ويأتي لزيارة مصر ولا يفكر حتى بزيارتنا.

من الناحية الاخرى: ادراك رئيس الوزراء بأننا لا نستطيع التمترس والاعتماد على انفسنا فقط. هذه ليست ايام شامير، حيث كان من الممكن ابداء الاستهتار بالمساعدة الامريكية. نحن في ملعب مغاير تماما اليوم.. ليس من الممكن ان نقول للامريكيين اذهبوا الى الجحيم لانهم قد يذهبون فعلا وما الذي سنفعله حينئذ؟

وهناك العقبة السياسية: ائتلاف نتنياهو اليميني الذي لا توجد احتمالية بأن يسارع في اسقاطه الا انه سينغص حياته. واعضاء الليكود في الكنيست الذين لن يقبلوا التغيرات التي يمر بها وسيمر بها رئيس حزبهم.

عليك ان تقرر من انت رئيس الليكود ام رئيس الدولة. رؤوفين ادلر كان يقول ذلك لشارون عندما كانت هناك على المحك قرارات دراماتيكية مثيرة للجلبة في اللجنة المركزية لليكود.

يبدو ان هذا ما يجب ان يفعله نتنياهو اليوم: اتخاذ قرار هام جدا بينه وبين نفسه: من انا وما الذي اريد ان اكونه. لا يمكن للقطعة المعدنية ان تسقط في هذه الحالة وان تعلق في منتصف الطريق. الحسم لديه يجب ان يتم بصورة كاملة. بطريقة يمكنها ان تؤدي ربما الى تغيير التركيبة الائتلافية لحكومته. ان كان رفض نتنياهو الاعتراف برفض حل الدولتين للشعبين هو احد اسباب وجود كاديما خارج الائتلاف، فنتنياهو يعرف اليوم ان عدم الاعتراف بهذه الصيغة يعني ان تكون الاكثر نبذا في العالم. ليس بامكان احد لا الادارة الامريكية ولا وسائل الاعلام الامريكية ان يتفهم لماذا ليس لديه استعداد لقول كلمة نعم للدولة الفلسطينية، ايضا هناك الذين يتحدثون عن ان لاسرائيل احتياجاتها الخاصة وان امريكا ملتزمة بها، يقولون في نفس السياق ان من الواجب اخلاء المستوطنات. بامكان نتنياهو ان يكون واثقا انه لا يوجد هناك احد لا يميز بين اريئيل وبين البؤرة الاستيطانية معوز استير. 90 الف نسمة هي بلدة صغيرة جدا بمقاييس الولايات المتحدة.

اذا ما الذي يحدث لنتنياهو. الامر تجسد من خلال جلسة كتلته البرلمانية. 90 في المائة من النقاش دار حول البؤر الاستيطانية. ولكن المسألة الاكثر اهمية المطروحة على المحك هي القضية الايرانية. يتوجب بذل جهود عليا من اجل منع عزل اسرائيل سياسيا قال نتنياهو. ان لم نبلور موقفا فسيبلورونه لنا. وأكد انه قبل الانتخابات ايضا قد قرر بأن الامر الحساس بالنسبة للبؤر الاستيطانية هو القانون. وانه ليس شريكا لوجهة النظر الشمولية، وان ما هو ماثل امام عيني هو الاعتبارات الامنية والوجودية. او بكلمات اخرى: ان معارضتهم للدولة الفلسطينية ليست ايديولوجية وانما نابعة من اعتبارات أمنية ومفادها ان دولة كهذه من دون قيود تشكل خطرا على دولة اسرائيل.

عندما يقول نتنياهو هذه الكلمات المكثفة امام كتلته البرلمانية الليكودية فهذا يعني شيئا ما. وربما اكثر من ذلك. ربما ستعتبر هذه الجلسة في وقت لاحق مناظرة لجلسة شارون مع كتلته في ايار 2003 وتكون علامة فارقة لليوم الذي انحرف فيه نتنياهو عن نهجه وانعطف يسارا.

نتنياهو يدرك انه لم تكن لديه الولايات المتحدة، يقول احد كبار المسؤولين في حزبه، فليس لديه اي شيء. صحيح ان لديه خطوطا حمراء مثل القدس التي يفصلها عن كل شيء. ولكن القدرة في التوصل مع الادارة الامريكية الى تفاهمات في المسألة الايرانية تحديدا، هي الامر الاهم من وجهة نظره. لانه من الممكن قول امور كثيرة على الجانب المثالي لدى نتنياهو وعن التركة التي يحملها من بيت اسرته الذي ترعرع فيه. وعن تأثير زوجته واولاده عليه الذين يحملون ايديولوجيا يمينية ايضا. عن مجموعة المستشارين ذوي القبعات المطرزة من المستوطنين الذين بلورهم حوله في ديوانه. وعن السجن الايديولوجي الذي يصعب عليه الخلاص منه ولكن خلاصة القول هي ان في وجهة نظره وتصوراته عاملا واقعيا قويا. هذه رؤية تضع الاعتبار الامني على رأس اولوياتها. وانه ليس هناك شك في امر واحد: نتنياهو يشعر شعورا عميقا بانه قد انتخب لانقاذ دولة اسرائيل من الذرة الايرانية، وهذا شعور اصيل تماما وهو الذي يفرض سلم اولوياته. هو يعتقد فعلا وصدقا ان الشعب اليهودي يواجه خطر الابادة والزوال وان وظيفته في ولايته الحالية هي احباط هذه النوايا.

فلتنظري من الذي ارسله الى لندن، قال نفس المسؤول البارز في هذا الاسبوع. لقد ارسل دان مريدور الشخص الذي يعتبر الاقل تعبيرا عن موقف اعضاء الليكود.

فولاذ للمحتل

اعضاء حزب الله فتحوا في هذا الاسبوع مسودة القانون الجديدة لحزبهم وعندما شاهدوها اوشكوا على السقوط عن كراسيهم. تقريبا – لان سقوط بوغي وبريفرمان وسمحون واخرون عن كراسيهم يستوجب حدوث هزة ارضية حقيقية. ورغم ذلك اشارت النتائج الى واقع رديء ومترد ان لم نقل مثيرا للقلق رسمه امامهم رئيس حزبهم.

تلخيص هذه الوثيقة باختصار يقود الى القول ان باراك قد قرر السيطرة على حزب العمل بصورة لا يمكن فيها الا للموت لا سمح الله ان يفصل بينه وبين مقعده وانه لن يكون له خليفة حينئذ ايضا.

ما من شك ان الصلاحيات التي اعطاها باراك لنفسه شمولية وفردية ان لم نقل مطلقة. هذه آلية تتيح له مع ولايته الان ان يبقى على رأس حزبه لـ 6 سنوات اخرى. وهذه آلية لا تتيح لاي احد خوض المواجهة ضده لان هرقل الذي سيتحداه سيحتاج الى 25 شهر فترة اعداد وتأهيل. اي انه ان ظهر احد ما سيرغب رغم ذلك في ترأس حزب العمل مهما كانت نجوميته فسيضطر بقضاء عامين كاملين من حياته وتكريسهما لتأهيل نفسه لهذا المنصب، وربما قد تكون هذه الفترة المطلوبة منه لفهم هذا الدستور الغريب العجيب. وبالمناسبة الشخص الوحيد الذي يستطيع ان يحصل على اعفاء من هذه الدورة التأهيلية – فلتخمنوا من يكون؟ - هو باراك نفسه.

كما ان الرئيس باراك يستطيع ان يطرح في كل لحظة وفي كل ساعة اي اقتراح يريده من دون ان يقدم لجدول الاعمال. بامكانه ان يقرر تطيير احد ما من الحزب والغاء الانتخابات التمهيدية واغلاق الابواب. حزب العمل في ظل النظام الداخلي الجديد يتحول الى سجن لا يمكن الدخول اليه وانما يمكن فقط الخروج منه.

الا ان كل هذا اقل اهمية بالمقارنة مع الاثار المترتبة على ذلك على الحكومة. هناك سبب لاثارة قلق نتنياهو بالتأكيد. اليوم لديه اربعة اعضاء كنيست من حزب العمل لا يصوتون ضد حكومته وانما يخرجون من القاع عند الاعتراض. من بين المتمردين الخمسة يحيموفيتش وحدها هي التي تصوت اليوم. نظام حزب العمل الجديد قد يدفعهم الى التصويت ضد الاقتراحات في هذه الحالة. 5 اعضاء من الائتلاف فقط كما نعلم يصوتون بصورة دائمة ضد الميزانية وهذا يمكن ان يكون اللبنة الاولى في تفكيك الائتلاف. اصداء هذه التصرفات ستؤثر على كل الائتلاف.

خطأ باراك في النظام الجديد المقترح هو انه ينجح في اثارة شعور لدى الناس بانهم ليس لديهم ما يخسرونه. فهم لن يخوضوا المنافسة في الانتخابات القادمة اصلا لانه سيلغي الانتخابات التمهيدية. فما الهدف اذا؟ سألت يحيموفيتش في هذا الاسبوع ما الذي تريد ان تفعله ازاء ذلك؟. انا انوي استنفاذ كل الخطوات من اجل الكفاح ضد تحويل حزب العمل الى ثكنة عسكرية. اريد ان اشارك في كل نقاش داخلي وخارجي وان اقوم بكل ما بوسعي لمنع الخطوة التي تحول حزب العمل الى اسرائيل بيتنا.




 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026