![]() |
|
|||||||||||
|
||||||||||||
|
إتصل بنا |
مختارات صحفية | تقارير | اعرف عدوك | ابحاث ودراسات اصدارات |
|
||||||||||
محاضرة للرفيق غسان الياس بدعوة من نقابة الصحفيين العرب الاميركيين | |||
| |||
|
بتاريخ 28 ايار وبدعوة من نقابة الصحفيين العرب الاميركيين في لوس انجلوس القى الرفيق غسان الياس محاضرة بعنوان "الانتخابات اللبنانية 2009 والوضع العام في لبنان". الرفيق غسان استاذ جامعي في حقل الهندسة الصناعية والانتاجية.
هنا نصّ المحاضرة كما وردنا:
بادئ ذي أمرٍ، باسمِ مؤسّسة أنطون سعاده الثقافيّة في لوس انجلوس وعبر الحدود، أتقدّم اليكم جميعاً بأصدق التعازي القلبيّة لفقدان الاستاذ فراس يوسف حدّاد ورحيله المبكر الى جنان الخلود. سيبقى فقيدنا في وجدانكم وحاضركم أبداً، رحمه الله والبقاء للأمّة. مساء الخير، وشكراً لنقابة الصحفيّين العرب الاميركيّين لدعوتكم الكريمة وثقتكم بأن اشارككم آرائي المتواضعة بالنسبة للانتخابات اللبنانيّة المتوقّع حصولها في الاسبوع القادم، وتقييم الوضع اللبنانيّ العام مع التطرّق الى مسألة السلاح والتوطين الفلسطينيّ في لبنان. تقديري الصافي للصديقَيْن، الصحفية والناشرة فاطمة عطيّة والدكتور مسعد عربيد جزيلَيْ الاحترام. "لا انقاذ للأمة من مصير التضعضع والهلاك إلاّ بحركةٍ أصيلةٍ تقيمُ مجتمعاً جديداً واحداً وعقليةً جديدةً وشعوراً واحداً." هذه احدى الحكم التي أطلقها أنطون سعاده في الثلاثينات من القرن الماضي، وصدق بذلك. فمنذ انشاء الكيان اللبنانيّ، والوضع العام فيه على ارتباك دائم والأحوال السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة والمعيشيّة والخدماتيّة تتحوّل من سيئٍ الى أسوإٍ. العشائريّة والعصبيّات القبليّة في تفاقمٍ عميقٍ، الطائفيّة والمذهبيّة تتحكّمان بعقول وقلوب الناس، البطالة والفقر في ازديادٍ رهيبٍ، أبسط الخدمات المدنيّة إمّا معدومة أمّ محصورة للبعض القليل من المتميّزين أو أصحاب الواسطات المُنغرسة عبر تبعيّاتهم أو ولاءاتهم المتنقّلة من زعيمٍ محلّيٍ هنا الى أميرِ حربٍ هناك، الوضع الاجتماعيّ والصحيّ في ارتداد، خيانة الوطن والعمالة للعدوّ الاسرائيلي في ازدهار كما هوالحال في كشف العديد من شبكاتها المنفردة والمتشابكة. لقد واجه الجيش اللبنانيّ ببسالةٍ الحركات السلفية الارهابية وداعميها، وهو الآن في في خضمِّ معركةٍ مع عملاء اسرائيل وبأمسّ الحاجة الى دعم كل شرائح "المجتمع" اللبنانيّ (اذا صحّ استعمال مصطلح "المجتمع") لرأبِ وصدّ كلّ ما يحاك من جانب العدوّ الاسرائيليّ ضدّ مصلحة الوطن. إنّ مستقبل لبنان غير معروف بالتحديد، لا بل هو يواجه منعطفاً تاريخيّاً ومرحلةً مصيريّةً ووجوديّةً بكلّ ما في ذلك من معنى. إننا ومن خلال إيماننا بنهضةٍ قوميّةٍ اجتماعيّةٍ تعيد للأمّة وحدتها وحيويّتها، سنعمل لنجاح المعارضة الوطنيّة في انتخابات 2009 البرلمانيّة آملين باصلاحٍ وتغييرٍ جذريَّيْن للنظام الطائفيّ في لبنان. "إننا نستمد مثلنا العليا من نفسيّتنا، ونعلن أنّ في النفس السوريّة كلّ علمٍ وكلّ فلسفةٍ وكلّ فنٍّ في العالم." أين وضعنا الحاليّ في لبنان والأمّة من هذه الأسس الحضاريّة والقيم الاجتماعيّة كما ارتآها سعاده وكما يسعى اليها كلّ مواطن نزيهٍ وغيورٍ على مصالح الوطن العليا وآمال أبنائه؟ الجواب وللأسف هو واضحٌ جداً ومؤلمٌ للغاية القصوى. فالوضع القائم أكبرُ شاهدٍ وخيرُ دليلٍ على المأساة التي يعانيها الوطن والمواطنين أسوةً. لكنّ اللوم يقع علينا قبل أيّ أحدٍ آخر وقبل توجيه الاتهامات الى جهات اخرى هي معنيّة بطرق مباشرة أمّ غير مباشرة، ويتوجّب علينا تحمّل مسؤولياتنا تجاه الوطن قبل لوم الآخرين. لنتمّم واجباتنا الوطنيّة قبل المطالبة بحقوقنا! أكّد نيوتن في قانونه الثالث: "بأن لكلّ فعلٍ ردِّ فعلٍ مساوياً له في المقدار ومعاكسٍ له في الاتجاه." وانّ تعمّقنا بتقييم الوضع القائم في لبنان وكافة أرجاء الوطن السوريّ لوجدنا بأنّ قانون نيوتن ينطبق عليه كُلّياً. إنّ وضع لبنان مرتبط بمحيطه الطبيعيّ وكل ما يحصل بداخله متعلِّقٌ بأمور حيويّةٍ شتّى ولكنّ محورها الأساسيّ يكمن في مسألتين قوميّيْن بالصميم ألا وهما قضيّة فلسطين المحتلّة والتدخّل الأجنبيّ السافر فى شؤون بناء الدولة وممارسة القضاء القوميَّيْن ليس في لبنان فقط بل في جميع كيانات الأمّة. طبعاً، لا مجال لحصول هذا التضعضع المؤسّساتيّ والانحلال الاداريّ لدى السلطات اللبنانيّة المتتالية تاريخيّاً، لولا التعامل التآمريّ الحاصل من عمق الداخل اللبنانيّ مع الخارج ووفقاً لمصالحٍ طائفيّة اقليميّة بعيدةً كل البعد عن صون الوطن وحماية المواطن وارتقائه لما هو أفضل. إنّ هذه المرارة تنطبق أيضاً على الواقع الفلسطينيّ بالإضافة الى الاحتلال الغاصب. لكنّ شعبنا يأبى ذلّ العيش اليوميّ ويهوى حياة العزّ والعطاء المتواصل، وهو يرفض الاحتلال الأجنبيّ كما يرفض تسلّط حكامه واستعبادهم له! "من أتعس حالات هذه الأمّة إنّها تجهل تاريخها. ولو عرفت تاريخها معرفة جيّدة صحيحة، لاكتشفت فيه نفساً متفوّقة قادرة على التغلّب على كلّ ما يعترض طريقها الى الفلاح." ها هنا سعاده يبلور نظريّة انتاجيّة متقدّمة بكل شفافيّة وقدرة بارعة على قراءة الواقع، فلم ينحصر عمله بكشف المشاكل فقط، بل عالجها وطرح حلول براغماتيكية لاصلاح الخلل في الحكم وازالة الفساد من الادارة المدنيّة واعتماد الاقتصاد المتوازن ودعم حقوق المواطنيّة وواجبات المسلكيّة والتمسّك الفخور والصلب بالهويّة القوميّة. مرة أخرى نتساءل، ما هو الوضع القائم في لبنان وجواره الطبيعيّ؟ يقول الشاعر الراحل محمّد يوسف حمّود، وهو من سنديانات النهضة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة، في إحدى قصائده الوجدانية بعنوان "الجرح": "الجرحُ ينطقُ يا فَمُ ودَمُ الفدا يتكلّمُ فاسكُتْ، فإنك إنّْ تكلّمتِ الجراحُ، لأبكَمُ..."
ولكنّه لا بدّ من الكلام. فيما يلي بعض الملاحظات السريعة لما يجري في لبنان ومحيطه من النواحي العامة والأمنيّة والحياتيّة: المقاومة في كل من لبنان وفلسطين بأمسِّ الحاجة لاستمرار الدعم الماليّ والمعنوي مروراً بسوريا الشام التي لا تزال ممانعة لهيمنة اسرائيل وصامدة في وجهها رغم الحصار العالميّ الذي تديره الولايات المتحدة الاميركية. ان دعم "العالم العربيّ" للمقاومة غير ضروريّ شرط أنّ لا تتعرض المقاومة لمؤامرات وحملات عدائيّة كما هو الحال من مصر والاردن والسعوديّة. أما عن دعم المقاومة من إيران وسوريا، فأمرٌ لا بدّ منه وإن تفاوتَ حجم وفعالية ذلك الدعم، سيّما وأن ثمة أصواتاً وضغوطات أمريكية-إسرائيلية-حريرية-جعجعية-جنبلاطيّة-سلفيّة على المقاومة لنزعها سلاحها كي يتسنّى لتلك الفئات الانتقال إلى دمشق ومن ثم إلى إيران، وكأن لبنان هو خطّ الدفاع الأول، متى سقط تسهّل سقوط الخطوط الأخرى وذلك لقرب لبنان من الدولة الغاصبة جغرافياً ونظراً لموقعه الإستراتيجي ضمن الهلال السوريّ الخصيب. "إن لم تكونوا انتم أحراراً من أمّة حرة، فحرّيات الأمم عار عليكم." ها هنا سعاده يصدق، مرةً أخرى، إذ أنّه من واجب شعبنا مقاومة كل اغتصاب لحقوقه القوميّة واحتلال لأراضيه، مهما طال الزمن وعلت التضحيّات! إنّ خاصرة دمشق، وبالتالي خاصرة إيران إذا شئنا، وخاصة بعد سقوط بغداد وتقاعس أهل وادي عربة والهاشميّين وتلكؤ أهل النيل وعمالة أنظمتهم، هي بالحقيقة لبنان وفلسطين. فالعامل الوحيد الضامن لعدم بسط اسرائيل (عبر أمريكا) كامل سيطرتها السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والنفطيّة على المنطقة، وبالتالي طيّ ملف الرفض لوجود الكيان اليهودي، هو بقاء المقاومة في لبنان وصمود دمشق. انّ كلمة "صمود" هنا لا تعني بالضرورة الصمود العسكريّ فقط، بل أيضاً القدرة على المناورة وكسب الوقت وخلق التحالفات وتوظيف الصراع الدولي والاستفادة منه، خاصة الصراع المختبئ والمستمرّ بين أوروبا والغول الأمريكي، وأمريكا والعملاق الصينيّ، وبين الدب الروسيّ والأمريكان. هذا يدخلنا في محاولة متواضعة للإجابة عن مدى قدرة دمشق وطهران على الاستمرار في التحدّي، وهي أن القدرة على المحافظة على الصمود تعتمد بالدرجة الأولى على النباهة والحنكة الدبلوماسية وكيفية الاستفادة من التناقضات الإقليمية والدولية. في المديَيْن القصير والبعيد، هناك تحفّظ بالغ لاحتكار المقاومة في فلسطين ولبنان عبر تطيّفها او استنادها حصراً الى العامل الدينيّ أو المذهبيّ مما قد ينعكس سلباً على وضع الوحدة الوطنيّة في كلا الكيانَيْن السوريّيّن. فالحقّ يقال انه لو كان أعلن السيّد حسن نصرالله وكل من قاوم الاحتلال أن الهدف من هذه المقاومة هو طرد المحتلّ وإنشاء "دولة إسلاميّة شيعية" في لبنان وجواره الطبيعيّ لصحَّ القول إنّ محرّك المقاومة هو ذات طابع "ديني" محط، ولكنّه لم يفعل ذلك. يتجلّى دور المقاومة في لبنان وفلسطين، وحتّى في العراق، في إبقاء شعلة رفض التسلّط الأجنبيّ والاحتلال متّقدة في نفوس أبناء شعبنا، لأن المقاومة هي التعبير عن إرادة شعبنا في الحياة والحريّة. وهذا ليس كلاماً شاعريّاً، كما قد يبدو للوهلة الأولى، لأن الشعوب التي تتخلّى عن الصراع تتخلّى عن حقّها في الحياة. نعم، هناك عوامل دينيّة مقرونة بعمل المقاومة، ونعم هناك دور بارز "لجمهورية إيران الإسلامية"، بيد أن السيّد حسن نصرالله لم يرفض لغاية الآن التعامل والتنسيق مع فئات وتيارات أخرى لا بل فهو يشجعّها. انفتاح المقاومة وقائدها للعمل الوطنيّ البنّاء مع الآخرين هو الحاصل. إذا صحّ التعبير، فهو حليف النظام العلويّ في الشام، وهو حليف لحماس السنِّية، وللبرتقاليّين وللخضر الموارنة، وللإرسلانيّين الدروز، وللشموليّين القوميّين الاجتماعيّين العلمانيّين، وبعض الشيوعيّين الملحدين، وللمعارضة السنّية في لبنان. إذنّ، لم تحتكر المقاومة عملها ودعمها لمذهبٍ معيّنٍ وبالتحديد الطائفة الشيعيّة. وإذا تعمّقنا قولاً وفعلاً في خطاب المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة حالياً، لرأيناه بعيداً كل البعد عن التفرقة والشرذمة والخطاب الدينيّ المذهبيّ، بالمقارنة الواضحة مع طروحات الظلاميّين الإسلاميّين السلفيّين والمحرّفين لأُصوليّة المحمّدية الشريفة انّ كان هؤلاء في الشمال اللبنانيّ أمّ في بيروت وهم المدعومين من ماكينة سعد الحريري الماليّة والسعوديّة ومصر الذين لا يوفّرون مناسبة دون المجاهرة بنواياهم الطائفيّة في لبنان وحقدهم ليس على المسيحيّين الوطنيّين والشيعة فقط، بل حتّى على جميع العلمانيّين والمنفتحين الكرام من أهل السنّة. وقد تمثّلت كراهيّتهم بارتكاب جريمة نكراء ومجزرة مريعة في بلدة حلبا في أيّار من العام 2008 بحقّ احدى عشر قوميّا اجتماعيّا من أبناء محافظة عكّار الشماليّة، وللذكر فقط، فإنّ عشرة منهم آمنوا مذهبيّاً على سنّة الله ورسوله. "مجزرة لن تُنسى والسما زرقا"، ولا مفرّ لمرتكبيها من إجراء القانون وحكم العدالة! الانتخابات في لبنان، كما يعتقد الكثيرون قدّ لا تأتي بأيّ جديد، لأنّ قانون الانتخاب المُعتمَد حاليّاً وهو الذي أُقِرّ به منذ نصف قرن (في العام 1960) لا يسمح إلاّ بتجديد الطغمة السياسيّة القائمة وعلى أساسٍ طائفيّ محط. الفرقاء السياسيّين في لبنان توافقوا على هذا القانون الاكثريّ لأنّه يؤمِّن استمرارهم في حين كانوا أغلبهم يتكلّم عن القانون النسبيّ. لقد أثبت السابع من أيار 2008 أن فوز الإمريك-إسرائيل-سعود-يّين المرحليّ قبل ذلك التاريخ لم يعني شيئاً بالنسبة للتضييق على حزب الله والمقاومة، فالذي صمد في وجه حرب تمّوز 2006 لن يثنيه مجلس نيابيّ يضمّ مجموعات متناقضة من المنتفعين وأمراء الحرب، كما أن تحالف التيّار الوطنيّ الحرّ وحزب الله له أبعاد استراتيجيّة تتخطّى العقدة الانتخابيّة في لبنان. المهمّ هنا أنّ الانتخابات اللبنانيّة هي مقياس لميزان الضغوطات وتدفّق الأموال الاميركيّة-السعوديّة مقابل القرار اللبنانيّ الوطنيّ الصحيح. يبدو أن المعارضة اللبنانيّة ستربح في الانتخابات القادمة ولو لم تَحكُم بأكثريّة ساحقة، لكنّها ستريح لبنان من فشل وعمالة وارتهان فريق 14 آذار الحاكم وهم الذين لم يتلكؤوا بتاتاً بالمتاجرة بالدمّ وبالكثيرين ممّن اغتيلوا في لبنان موجّهين بسرعة البرق أصابع الاتهام، وبكل غباوة وتفاهة، الى القيادة الشاميّة والمعارضة اللبنانيّة من غير أن يذكروا بتاتاً اسرائيل ولو لمرّة واحدة، ألا وهي المستفيد الاول من أيّ خلل نظاميّ أو أزمةٍ أمنيّة أو محنةٍ اقتصاديّة في لبنان. ليس عليكم الآن إلاّ متابعة الأخبار المحليّة في لبنان، فترون ملء العين عملاء اسرائيل ينبتون في كل زاوية ومن كلّ طيف، ولكنهم يُعْتَقَلون واحداً تلو الآخر ليواجهوا العدالة المنتظرة. نحن، كقوميّين اجتماعيّين، نأمل خيراً ونعمل بأن يحصل تغييراً إيجابيّاً جذريّاً في لبنان كنتيجةٍ راقيةٍ للانتخابات الآتية. نتمنّى ونعمل على الغاء الولاء للأسريّة والتقليديّة والاقطاعيّة ولو كانت فاعلة بدرجات متفاوتة، ونأمل بأن التغيير المتوخّى يعني المجيء بأصحاب اختصاص وأهل مصداقيّة وسجلّ فكريّ معيّن وأخلاقيّ مُميّز ليديروا دفّة الحكم للصواب ولاعمار الوطن كما هو واجبٌ. إن لم يحصل ذلك، سيدخل لبنان في دوّامة جديدة عواقبها وخِيمةٌ. للقوميّين الاجتماعيّين تحفّظات بالغة على قانون الانتخابات الحاليّ في الكيان اللبنانيّ، لكن وبالرغم من هذه الملاحظات المبدئيّة فإنّهم يخوضون الانتخابات مع حلفائهم الوطنيّين تحت هذا القانون. لعلمِكُم، إنّ كتلة النوّاب القوميّين كانت قدّ قدّمت منذ عدّة سنوات مشروع قانون جديد للانتخابات على أساس أنّ يكون لبنان دائرةً انتخابيّةً واحدةً واعتماد مبدأ النسبيّة والخروج عن القيد الطائفيّ الخانق ولكنّه للاسف لم يُقَرُّ به. ونحن نؤكّد أن الديمقراطيّة الحقيقيّة في لبنان لا تتحقّق إلاّ من خلال قانون يُحقّق تمثيلاً صحيحاً لكل الأطياف السياسيّة اللبنانيّة. للأسف الشديد، هناك عشرات لا بل مئات المخالفات التي تحصل في مجرى التحضير للانتخابات النيابيّة، وهناك مالٌ سياسيٌّ وفيرٌ يُسْتَخدَم خلافاً للديمقراطية المثاليّة وللقانون وللضمير الوطنيّ ، وهناك حملاتٍ تحريضيّة تسيء إلى النسيج الوطنيّ اللبنانيّ. لذا نحثّ ونشجِّع المواطنون اللبنانيّون بالتزام ضميرهم الحرّ قبيل وغضون المباراة الانتخابيّة، ونطالب الهيئات الدوليّة المعنيّة حياديّاً بمراقبة الانتخابات اللبنانيّة أن تتبنّى موقفاً صريحاً من عدّة مسائل في غاية الاهتمام والخطورة، تتضمّن وليس حصراً: التدخّل الخارجيّ وخاصّة الاميركيّ والسعوديّ والمصريّ، والترهيب "الاسرائيلي" علناً عبر مناورات وتجاوزات عسكريّة وسرّاً عبر تمويل شبكات العمالة لهم من قبل مواطنين لبنانيّين فقدوا شرفهم وكرامتهم وخانوا وطنهم وأبنائه لقاء حفنات من الشيكل الصهيونيّ من جهة، والمال السياسيّ الداخليّ الذي يُحوّل من والى عدة لوائح انتخابيّة لشراء الناخبين وتجيير أصواتهم لمصالح الزعامات التقليديّة من جهة اخرى. نطالب بذلك كلّه لأن مهام مراقبة الانتخابات هي شموليّة في المبدأ والفعل ولا يصحّ بأنّ تتجزأ بأيّ شكلٍ من الأشكالِ. إنّ الانتخابات البرلمانية استحقاق ديمقراطيّ استفتائيّ يقوم به الناخبون ومن هنا تنبع أهمّيته، إلاّ ان بعض الناخبين يبيعون أصواتهم – أيّ رأيهم وكرامتهم وحريّة اختيارهم – بدليل أنّ الطائرات قد حُجِزت على رحلاتها أعداد كبيرة من المغتربين الذين أُرسِلت اليهم الأموال وعُرضت عليهم الاغراءات من تذاكر السفر، الى مصاريف الاقامة، الى غير ذلك ممّا لا يستطيع فاقد المناعة الوطنيّة أن يجابهها. ومن تلك المحرّضات أيضاً، الولاء المذهبيّ والعشائريّ والشحن الطائفيّ، والتغذية الكيانية ضدّ كل ما هو شاميّ-سوريّ من سياسة واقتصاد وثقافة وتاريخ وجغرافيا. ولعلّ أهميّة الانتخابات في العام 2009 تتمثّل في أنّ الاكثريّة الجديدة ستمسك بقرار لبنان السياسيّ والاقتصاديّ والخدماتيّ والامنيّ والعسكريّ، ومن هنا ضرورة المشاركة الفاعلة فيها في الداخل اللبنانيّ. إنّه من الأسف الشديد بأنّ قانون الانتخاب الحاليّ لا يخوّل المغتربين حقّ الاقتراع عبر الحدود. - التوطين الفلسطينيّ في لبنان أصبح أمراً واقعا. فمجردّ الكلام معه أو ضدّه لا يقدّم أو يؤخّر شيئاً، ولكنّ الأمرَ في غاية الأهمّية ويجب التعامل معه بوعيٍ وبموضوعيةٍ تامّة ودراسة كلّ المعطيات والحيثيّات المتعلّقة به. مع أنّ حقّ العودة لا يمكن أن يُفرَضْ على اسرائيل في ظلّ التوازنات الحالية ولا مجال لاعادة توزيع شعبنا الفلسطينيّ المشرّد في بلدان عربيّة اخرى، فالتوطين هو مشروع أميركيّ-أوروبيّ-إسرائيليّ وقدّ وافق عيه بعض قادة العرب لكنّ لبنان بأغلب فئاته ليس في وارد قبوله. بالرغم من مرور واحد وستّين عاماً من النكبة والتشريد والظلم والاستعباد وسلب الوطن واحتلاله، فإن طريق النضال والمقاومة هي أمل الشعب الفلسطينيّ الوحيد نحو العودة ولا نفع من التراجع عن ذلك وخاصةً بعد مضيّ عقود طويلة من المعاناة المتواصلة فرديّاً وجماعيّاً والناتجة عن هول الجريمة والغبن التاريخيَّيْن بحقّهم. العودة هي حقّ طبيعيّ، وهي ملك الناس وأمل اللاجئ. الهدف الأساسيّ من "التوطين" في حال حصوله هو إعطاء الحجّة الداعمة لإسرائيل وأعوانها بأن مسألة اللاجئين قد حُلّت بموافقة عربيّة–عربيّة، وبالتالي تجريد المقاومة من مضمونها الوجوديّ والدفاعيّ لصون الوطن وحمايته من الغطرسة والتجاوزات الاسرائيلية المتواصلة. لذلك، فإنّ رفض مقولة التوطين يجب أن يأتي من هذا المنطلق ومن هذا المنطلق فقط، وليس تحت ذريعة اختلال الميزان الطائفيّ في لبنان أو السياسيّ أو الاقتصاديّ، فهذه كلها بدعات خيالية وآنية ولا جدوى منها على الاطلاق. على الحكّام والسياسيّين في لبنان والهلال الخصيب أن يتصرّفوا في هذا الإطار ضمن مبدأ حقّ العودة والتعاطي قانونيّاً مع المواطن الفلسطينيّ في لبنان والشام والأردن على أساس أنه مواطن في الدولة القوميّة ويتمتّع بكامل الحقوق والواجبات، ومن ضمنها لا بلّ في أولوياتها ممارسة حقّ المقاومة واصراره على العودة الى دياره الغالية. إنّ الفلسطينيّ المهجّر والمشرّد في بقاع المعمورة ليس بمواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة. هنا نسأل اللبنانيّون كيف يرضون، وهم الذين هجّرتهم الحروب الأهليّة المتتالية وفرّقتهم في الشام والأردن وقبرص ومصر ودول الخليج وأوروبا وأستراليا وأمريكا وكندا، أن يُعامَلوا وكأنّهم "حثالة القوم" في بيئات غير طبيعيّة كتلك الحاصلة في المخيّمات الفلسطينية، فلا يحقّ لهم العمل أو الامتلاك أو التعليم المجانيّ أو حتّى التمتّع ببنياتٍ إجتماعيّةٍ وانسانيّةٍ تحميهم وتمنع عنهم الأمراض. ولا بدّ أيضاً من التشديد أنّه من العارِ أن يكون السلاح الفلسطينيّ موجّهاً في أيّ لحظة إلى صدور الفلسطينيّين نفسَهم. عارٌ أن يكون السلاح الفلسطيني ليُوَجّه إلى صدر الجيش اللبنانيّ حاضن المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة وحامي الوطن. السلاح الفلسطينيّ هو لدعم المقاومة في لبنان وفلسطين، وكما هو الحال في التنسيق الكامل بين المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة والجيش اللبنانيّ، يجب أن يكون الأمر نفسه مع المخيّمات الفلسطينية في لبنان. إن هناك متغيّرات فعليّة على الساحة اللبنانيّة وجوارها عنوانها "المقاومة، قدرةً وسلاحاً وإرادةً وثقافةً." وهذا أمرٌ لمّ يَعُد سرّاً على أنّه مأخوذٌ بالحسبان من قِبَلِ العدوّ الصهيونيّ وحماته وعملائه. بالنسبة لفلسطين، إنّه ليس من المنطق القانونيّ أو الاخلاقيّ أو الانسانيّ أنّ يكون لدى العدوّ الاسرائيليّ الغاصب عشرات الرؤوس النوويّة وأحدث أسلحة الفتك والدمار الشامل، وأنّ لا يكون للفلسطينيّين حقّ الدفاع عن النفس في مخيّماتهم أو في غزّة أو غيرهما من المواقع الفلسطينيّة. وهنا نعود الى قول سعاده "إنّ حقيقة قضيّة فلسطين، هي في عقيدة أمة حيّة وإرادة قوميّة فاعلة تريد الانتصار." فيا ليت شعبنا يهتدي الى حقيقة هويّته القوميّة ويظهر قدراته على تغيير مجرى التاريخ لما هو أفضل للوطن! - مصير العلمانيّة الى تراجع هائل، ولا أمل في مدٍّ جديد إلاّ من خلال أجيالٍ جديدةٍ وتنشئةٍ قوميّةٍ اجتماعيّةٍ فاعلةٍ عبر نهضةٍ يتجلّى محورها على أُسُسِ الاخلاق والانماء والانتاج والمواطنيّة الحقّة. إنّ موضوع العلمانيّة في لبنان وعموم الوطن السوريّ يقع في الدرجة الأولى على عاتق العلمانيّين والمثقّفين لأنّه، كما نعلم، فالأنظمة في مختلف الكيانات السوريّة هي مذهبيّة–دينيّة–طائفيّة–عرقيّة. لذلك، من مهام الأحزاب العقائديّة والمنظّمات الأهليّة والاجتماعيّة أن تلعب دوراً فاعلاً في تحريك دفّة الثقافة العلمانيّة الوطنيّة وأن تصارِع من أجلها بكلّ ما أوتيت به إعلاميّاً وفكريّا. كلّ ذلك ليحصل إنطلاقاً من مبدأ التفاعل المجتمعيّ الضامن للتوحّد المواطنيّ والذي يشكل صمّام الأمان في مواجهة التفسخ الاجتماعيّ القائم بطبيعته على أسس المذهبيّة والطائفيّة والعرقيّة والعشائريّة والعائليّة والمناطقيّة والمحسوبيّة وكل عللِ وصغائر المجتمع. الكثيرون من أرباب السياسة والحكم في لبنان حاليّاً، وهم مُنتفعون من النظام الطائفيّ القائم، يتهافتون الى انتقاد هكذا نظام وراثيٍّ بائسٍ، ولكنّ كلامهم يبقى مجرّد كلامٍ فقط ولا يعدو عنّ كونِه حبراً على ورقٍ. آن الأوان لتبنّي فصل الدين عن الدولة واعتماد العلمانيّة كمِدماكٍ أساسيٍّ لانشاءِ المجتمع المدنيّ المتطوّر، مجتمعٌ يتساوى به المواطنون ويربأ لادارة مؤسّسات الحكم كلّ منّ تخوّله القدرات على الانتاج والابداع بِغَضِّ النظر عن الانتماء الدينيّ أو المذهبيّ أو العرقيّ. فالنظام العلمانيّ المحقّ هو الضامن الصالح والوحيد لحريّة التعبير والإيمان بالمعتقدات السماويّة ومن دون اكراه الآخرين بالدين!
ختاماً، أردّد ما قاله سعاده: "الاستقلال الفكريّ والشعوريّ والنفسيّ لا يعني مطلقاً الانعزال عن العالم أو الانعزال عن التفاعل مع العالم." فالتعامل مع كل محقّ وشريف وعادل مهما يكن وأينما حلّ لهو معبر للنجاح والتقدّم والاستمرارية. لنلتقِ دوماً على دعم ثوابت الوطن الصالح وقِيَم المجتمع العادل المحقّ ولنعمل على تحقيق كلّ ما يصبّ في مصلحة الوطن واعلاء شأن أبنائه حضاريّا وثقافيّاً وانتاجيّاً. أشكركم من الصميم لحضوركم هذه الأمسية ولما لمِسْتُ منكم من احترامٍ ومحبّة.
|
|||
| جميع الحقوق محفوظة © 2026 |