إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

السيادة والنيابة بين الطائفية والمحيط القومي للبنان

هيثم أبو كحلة رضوان

نسخة للطباعة 2009-06-21

إقرأ ايضاً


كثيرا ما تحدثت بعض القوى السياسية اللبنانية، داخل لبنان وخارجه، عن انجازات وانتصارات عديدة تحققت في السنوات القليلة الماضية. واليوم، وبعد انتصار بعضها في الانتخابات النيابية، أخذت هذه الأحاديث شكلا جديدا، اشد سذاجة، وهو ان هذه القوى حققت انجازات اسمى وأهم وهي الحرية والسيادة والاستقلال. ولكن هذه الانجازات تبقى مجرد انتصارات كلامية وتأويلات بعيدة جدا عن المدلول الحقيقي لهذه القيم يقصد من خلالها انكار الحقيقية وخلق تعاريف جديدة لهذة المثل تهدف الى ابعاد المواطن اللبناني عن محيطه الطبيعي ومنع وحدته الاجتماعية من خلال نشر ثقافة الأقليات.

وهذا بدوره يطرح أسئلة عديدة أهمها، كيف لنا ان نفهم ماهية الحرية الحقيقية والسيادة الحقيقية والاستقلال الحقيقي؟ كيف لهذه الشعارات والمثل العليا ان تنتصر في مجتمع طائفي تسيطر على قراره مؤسسات تقليدية؟ هل الشعور الحقيقي بالسيادة والاستقلال هو فوز مرشح ما في دائرة ما، أم أن الشعور الحقيقي بالسيادة يعني انتصارنا على القيود الطائفية والمذهبية وتحررنا من سلطة زعماء الطوائف ورجال الدين. هل لبنان حقا سيد حر ومستقل، وهل قراره ملكا له أو ما زال ملكا لقوى خارجية؟ هل الانتخابات النيابية كفيلة وكافية لتحقيق النصر لهذه الشعارات بعيدا عن المحيط القومي الطبيعي للبنان؟

ان اي مراجعة تحليلية سريعة ووجدانية لسياسة بعض هذه القوى والاحزاب، قبل الانتخابات النيابية وبعدها، يكشف بوضوح هشاشة العمل الوطني الحقيقي في ادائها، ليس فيما يتعلق بالداخل وحسب، بل على مستوى المنطقة بأكملها.

ففي الداخل تعمل بعض هذه القوى على تعزيز الانقسامات الطائفية والمذهبية من خلال تشبثها التقليدي والوراثي بمراجعها الدينية المتشبثة أصلا بمبدأ الحق الالهي في تسيير امور الدولة متجاهلة خطورة هذا الامر الذي لا يؤدي الا الى استعباد الشعب وشل حركة تفكيره مما يجعله خاضعا خضوعا تاما لسلطة ما يسمى بعلماء الدين ومؤسساتهم الروحية من جهة وسلطة زعماء الارث الطائفي ومؤسساتهم المذهبية من جهة ثانية. فان الفوز بالانتخابات النيابية والحصول على العدد الاكبر من المقاعد لا يحقق انتصارا حقيقيا لمبادئ الحرية والسيادة والاستقلال ولا يمكن وصفه بأنه عملا وطنيا من أجل التقدم الى الأمام في مجتمع تسيطر عليه المؤسسات الدينية وتكثر بين طوائفه ومذاهبه حواجز وتقاليد متنافرة تمنع وحدته وتضعه بعيدا عن الاحساس المتساو بالمسؤولية. لذلك كان اقبال اللبنانيون على التصويت بكثافة هي الاعلى منذ نهاية الحرب الاهلية مقتصرا على دعم فريق ضد فريق وطائفة ضد طائفة وزعيم عشيرة ضد زعيم عشيرة اخرى دون ان يستشعروا الخطر الحقيقي الذي ينتظر وطنهم وهذا بدوره يعكس غياب الشعور الوطني الحقيقي والاحساس المتساو بالمسؤولية. ان الاحساس الحقيقي بالمسؤولية لا يمكن أن ينتصر في ظل احتكار تلك المؤسسات لسيادة الدولة لذلك فان الخطوة الأولى لانتصارالحرية والسيادة والاستقلال تبدأ بالتحرر التام من سلطة تلك المؤسسات ومن الولاء الأعمى لخطاب علمائها وزعمائها. ان استمرارية الولاء الأعمى لتلك المؤسسات وسيطرة الثقافة الطاثفية والمذهبية على تفكير عامة الشعب دون تحديد ماهية الحرية والسيادة والاستقلال في أسمى صورها يعمل على تغذية الفكر الانعزالي وتدمير المثل العليا للحياة الكريمة ويشتت الشعور الوطني الحقيقيي ويبعد المواطن عن محيطه القومي الطبيعي وهذا بدوره لا يمكن أن يشكل انتصارا حقيقيا لمنطق الدولة والعيش المشترك وبذلك لا يمكن وصفه بأنه انتصارا للحرية والسيادة والاستقلال.

اما فيما يتعلق بمحيطها الخارجي، فهذه القوى لطالما تحدثت عن وطنيتها، ارتكبت وترتكب أفضع الجرائم في حق لبنان وذلك في محاولاتها المستمرة لابعاده عن محيطه القومي الذي تزدهر به الدولة الحقيقية وتتساوى الحقوق.

لماذا؟ هل هذه حقيقية سجلها التاريخ؟ أم أننا نستخدم الخوارق والمعجزات ونبالغ لادانة تلك القوى وسياساتها؟

فان اي مراجعة تاريخية سريعة لسياسات تلك القوى أثناء الحرب الأهلية وبعدها ومقارنتها بشعاراتها وخطاباتها وسياساتها الحالية يكشف بوضوح حقيقية تلك القوى وهشاشة عملها الوطني ويوصل الى عدد من الاستنتاجات:

1- لا قيم حقيقية لسياسة تلك القوى تعلو فوق مصالحهم الشخصية والوراثية لذلك فان الحرية والسيادة والاستقلال تبقى مجرد مبادىء نظرية يتغنوا بها ويستعملونها في كل مرة يستشعرون خطرا ما يهدد مصالحهم الشخصية منها والموروثة.

2- لا قيم حقيقية لقوى سياسية ووراثية اعتادت سياسة رفض الاخر ومارست كل أنواع الجرائم بحق الوطن والمواطن تحت ذريعة حماية الوجود.

3- لا مبادىء حقيقية لقوى سياسية تخضع لشروط قوى خارجية لا تعرف الا منطق القتل والارهاب المبرمج باسم الحق والعدل والديمقراطية.

4- والان، كيف لهذه المبادىء أن تتحقق على أيدي قوى مارست كل أنواع الظلم في حق الوطن كان ابرزها، الابتعاد المقصود عن المحيط الطبيعي للبنان؟

بالتأكيد، فالابتعاد عن المحيط القومي الطبيعي يفرض على الدولة اللجوء الى ممارسة سياسات سطحية لن تؤدي الا الى مزيدا من الضياع والتجزئة والضعف والتبعية لصهاينة الداخل والخارج. وخير مثال قريب على ذلك، كان انصياع تلك القوى لاملاءات نائب الرئيس الأمريكي عندما زار لبنان قبيل الانتخابات النيابية حيث رضخت تلك القوى لشروطه وتدخله السافر في الشؤون الداخلية للبنان ودون ان ترى في ذلك حرجا أو انتهاكا لسيادته أو حتى لمبادىء الديمقراطية الحرة. لذلك فان انتصار بعض هذه القوى في الانتخابات النيابية يبقى حقيقة نظرية لا تشكل انتصارا حقيقيا لمبادئ الحرية الحقيقية والسيادة الحقيقية والاستقلال الحقيقي وبالتالي لا يمكن وصفها بانها انتصارا لمنطق الدولة والعيش المشترك.

أن انتصار هذا المنطق يتطلب شعورا حقيقيا بالسيادة الحقيقية التي تتمثل في شعور المواطن بكيانه الحقيقي على نفسه ووطنه. وغياب هذا الشعور لا يشكل عملا وطنيا حقيقيا ويبقي اي تحرك باسم الوطن حقيقة غير واقعية تعمل على اضاعة المجهود الوطني وتقضي على الوجدان الحي للمواطن ويضعه في شخصية جديدة تختلف في مثلها وأهدافها عن شخصيته ونفسيته الطبيعية.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026