![]() |
|
|||||||||||
|
||||||||||||
|
إتصل بنا |
مختارات صحفية | تقارير | اعرف عدوك | ابحاث ودراسات اصدارات |
|
||||||||||
استقلال غزة عن فلسطين... بالخريطة | ||
| ||
|
خلال العدوان على غزة وبعده برزت في الإعلام خريطة غزة مرسومة رسما مستقلا وليس بحسبانها جزءا من فلسطين. على الصعيد الرسمي، قامت فضائيات عديدة بتسويق هذه الخريطة تسويقا مكثفا. أما على الصعيد الشعبي، فقد تجاوبت جماهير الأمة تجاوبا عاطفيا مع تناقل الإعلام خريطة غزة المرسومة وحدها دون بقية فلسطين، فأخذت القوى الشعبية في مختلف بقاع الإقليم العربي وبقية أنحاء العالم تتداول ملصقات ولافتات مرسوم عليها خريطة غزة رسما مستقلا منقطع الصلة بخريطة فلسطين. وعلى الرغم أن الأمر قد يبدو طبيعيا، يمكن رصد أخطار وآثار وخيمة على الوعي السياسي لشعوب الأمة في شيوع خريطة غزة مبتورة عن خريطة فلسطين. أولا: يؤدي تداول خريطة غزة بعد بترها عن خريطة فلسطين إلى تثبيت انفصال غزة عن فلسطين في وعي الجيل الجديد من أبناء شعب فلسطين والأمة وفي وعي شعوب العالم. فالحاصل أن رسومات الخرائط ترسل رسالة صامتة للناظر في تلك الخريطة، تختزل معاني كثيرة عن مضمون الخريطة. ومن أبرز وظائف خريطة بلد ما من البلدان، أنها تحدد تصور الناظر عن هذا البلد وتصوره عن تخومه وحرمه. ومن أبرز وظائف خريطة ما أنها تستدعي ولاء المواطنين للبلد الذي تعبر عنه الخريطة. ومن أبرز وظائف تداول الخرائط على المستوى الشعبي ـ في عصر الدولة القطرية ـ تذكير المواطنين بانتمائهم الى البلد الذي تعبر عنه الخريطة. ويذكر أهل الذكرى كيف أنه بعد العام 67 انتشرت على المستوى الشعبي مجسمات خريطة فلسطين كاملة، وكيف كان الجيل الذي حضر محنة الاستلاب حريصا على أن يضع هذه المجسمات لخريطة فلسطين بين يدي الجيل الجديد، حتى يظل متذكرا أهمية تحرير هذا البلد الذي تعبر عنه هذه الخريطة. ثانيا: يسهم تداول خريطة غزة بعد بترها عن خريطة فلسطين في تأسيس هوية غزاوية مستقلة عن الهوية الفلسطينية. وعلينا أن نتذكر هنا أن إحدى غايات مسار أوسلو كانت تقسيم فلسطين شعبا وأرضا تمهيدا لتكريس التجابه والاقتتال الفلسطيني، وتوطئة إلى تهجير شعب فلسطين. وعلينا أن نستحضر أن هناك خططا لدى القيادات الإسرائيلية الحالية لتحفيز نشوء هويتين مستقلتين ـ إحداهما في غزة والأخرى في الضفة. وعلينا أن نواجه الحقيقة التي مفادها أن دخول القوى الفلسطينية المختلفة في مسار أوسلو أسهم فعلا في البدء في تحقيق غاية تقسيم شعب فلسطين الى كيانين منفصلين. فقد ظهرت لأول مرة في تاريخ شعب فلسطين ظاهرة الاقتتال الداخلي التي اتخذت مدى لم يكن يتخيله أشد المتشائمين. كما ظهرت ظاهرة جديدة أسهمت في تقسيم الجسد الفلسطيني، هي ظاهرة التنابذ بالقول المؤسس على الانتماء الجغرافي. فبرزت عبارات غير مسؤولة لم يكن القاموس السياسي الفلسطيني يتخيل أن تبرز مثل ثنائية: «عصابة رام الله/ عصابة غزة» وثنائية «فريق غزة/فريق رام الله». وقد أدى كل أولئك فعلا إلى البدء في تشكيل هويتين منفصلتين بعضهما عن بعض. ثالثا: يعد تداول خريطة غزة بعد بترها عن خريطة فلسطين تطبيقا لتصور النخبة السياسية الإسرائيلية عن الحل الوحيد المؤقت المقبول لديها، والذي عبر عنه أرييل شارون وهو «غزة أولا وأخيرا» والذي يعد الحل المؤقت المقبول توطئة إلى الحل النهائي وهو تهجير شعب فلسطين من غزة. ومفاد هذا الحل أن النخبة السياسية الإسرائيلية ـ في محصلتها ـ غير مستعدة إلا لحل واحد هو تأسيس كيان ذاتي بغزة، إذ انها لا تقبل «حل الدولتين» ولا تقبل «حل الدولة الواحدة» ولا تقبل «حل غزة أريحا أولا». رابعا: يؤدي تداول خريطة غزة بعد بترها عن خريطة فلسطين الى تهيئة الإقليم العربي والعالم الى تحقيق الحل الإسرائيلي المؤقت بشأن غزة. فعندما تريد قوى الاستلاب أن تهيئ شعوب إقليم معين لعملية بتر جغرافي جديدة، أو إلى رسم حدود جديدة، تروّج خريطة تعبر عن الواقع الجديد قبل أن تبدأ قوى الاستلاب في أخذ الخطوات الجدية تجاه إنفاذ عملية البتر أو رسم الحدود الجديدة. خامسا: يؤدي تداول خريطة غزة بعد بترها عن خريطة فلسطين إلى تسهيل التهام الضفة وتهويد القدس. أن الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي كثف عدوانه على غزة واستغل اهتمام العالم بغزة في تسريع خطوات الاستيطان وتهويد القدس ومحاصرة المسجد الأقصى. ونظرا لانشغال بعض قوى المقاومة بالصراع حول غزة والاقتتال، تسنى لسلطات الاحتلال أن تخطو خطوات واسعة باتجاه تهويد القدس وتفريغ أحياء كاملة بها. وقد أراد الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي أن يوظف تعاظم أهمية غزة بالنسبة للفلسطينيين والأمة بحسبانها رمز المقاومة في الإسراع في التهام القدس التي نسيها البعض، وتناساها البعض الآخر، وتضاءلت أهميتها عند البعض الثالث. وان المدقق في استراتيجية القرار الإسرائيلي التوسعي يلحظ أن هناك نمطا كان حاضرا خلال العقد الماضي مفاده محاولة إبعاد أنظار الفلسطينيين والعالم عن القدس والضفة الغربية، من خلال رفع درجة المواجهة في غزة، ليظهر الأمر وكأن الصراع قاصر على غزة، وذلك ليتسنى للقرار الإسرائيلي تغيير الحقائق على الأرض في القدس دون أن يتعرض لمناوأة حقيقية في ذلك. وقد تزامن ذلك كله مع انخفاض معدل حضور القدس والضفة في خطاب قوى المقاومة، فما عادت القدس تحظى بالأهمية التي تليق بها لسبب غير مفهوم. بالإضافة إلى ذلك، من المهم أن نلاحظ انه على الرغم من تعرض مدن عربية كثيرة إلى عدوان نوعي، فلم يقم عرف سياسي إعلامي في مختلف بلدان الأمة ان يتم تداول خريطة المدينة بعد بترها عن البلد الذي تنتمي اليه للتعبير عن التمسك بتلك المدينة. فقد تعرضت القدس للاحتلال، لكن لم يتم تداول خريطة القدس بعد بترها من خريطة فلسطين لا شعبيا ولا رسميا. وعندما تعرضت سيناء للاحتلال بعد حرب 67، لم يتم تداول خريطتها بعد بترها من خريطة مصر. وعندما تعرض الجنوب اللبناني للاحتلال زهاء عقدين، لم يتم تداول خريطته بعد بترها من خريطة لبنان. وعندما تعرضت بغداد للاحتلال، لم يتم تداول خريطتها بعد بترها من خريطة العراق. نعم أنشد المنشدون أغاني لكل هذه المدن ولبيروت ولدمشق تعبيرا عن الاعتزاز بها. لكن خرائط تلك المدن لم تبتر من خرائط البلدان التي تعد جزءا لا يتجزأ منها. لماذا؟ لأن ثمة عرفا مستقرا مفاده أن خريطة كل بلد هي كل متكامل ووحدة لا تتجزأ، وأن من أشد الأمور التي تهدد وحدة التراب الوطني هي الاعتياد على تداول خرائط لبعض المدن بعد بترها عن خريطة الوطن الأم. ما يهمنا قوله أخيرا أن غزة جزء عزيز من أرض فلسطين تماما كما هي حال رام الله. وان المرجو أن تكون التهديدات الإسرائيلية للقدس التي تزداد يوما بعد يوم فرصة لإفاقة كبرى ينتج منها تجاوز حالة الانقسام الراهنة. وبالمناسبة، فمن الأدوار الرمزية لكل «عاصمة» في كل كيان سياسي ربط البقاع الجغرافية الأخرى الموجودة في ذلك الكيان السياسي بعضها ببعض ربطا رمزيا ووجدانيا ومعنويا. من ثم فإن مما سيرأب الصدع الذي حصل بين ما سمي بـ«فريق غزة» وما سمي بـ«فريق رام الله» عودة كل من «الفريقين» إلى الاهتمام بمسألة القدس، ومستقبلها والمخاطر الداهمة التي تتهددها.
|
||
| شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه |