إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

تفسير ما فوق المألوف . . !

محمد ح. الحاج

نسخة للطباعة 2009-07-18

إقرأ ايضاً


الوقوف عند الحدث أمر طبيعي ، يعالج المحلل الموقف المألوف كردة فعل على نتيجة غير متوقعة ، مفبركة ، أو غير منطقية بعد سيل التحليلات والاستطلاعات . . الخ .

في الولايات المتحدة الأمريكية ، لم يكن أياً من المرشحين في العام 2004 ، بوش أو كيري ، ولا حتى في العام 2000 ، يمتلك حظوظاً أكثر من الآخر وبفارق كبير ، مع ذلك وبعد فوز بوش الابن بفارق أجزاء من عشرة من نسبة مئوية ، لم يخرج أنصار المرشح الخاسر إلى الشوارع غاضبين ، مطالبين ، رافضين النتيجة وأن مرشحهم هو الذي فاز ، مطلقين أحكاماً قاطعة دون عودة إلى المراجع المختصة والطرق القانونية للطعن ، مع ذلك سمحت لنفسي أن أتخيل حصول ذلك ، فرأيت أن جميع أجهزة الأمن ستتدخل وتمارس واجبها في عمليات التفريق وقمع التظاهرات إن خرج المتظاهرون على القانون فأحرقوا وخربوا كما في طهران ، الفارق الوحيد أن أحداً في العالم ما كان ليتحرك محرضاً أو مستنكراً ، أو داعماً لمرشح خاسر بفارق بضعة آلاف من الأصوات وليس بأكثر من عشرة ملايين كما في حال المرشح الخاسر في طهران مير حسين موسوي ، الفارق الآخر والأهم أن طهران مستهدفة بكل ما فيها وما تملك ، وأن واشنطون فوق الاستهداف بعيداً ولا في الخيال .

خروج المتظاهرين في طهران لأكثر من مرة ، وبعد مضي أسابيع عديدة ، وبعد التدقيق والمراجعة لنتائج الانتخابات ، وحتى لو وافق مجلس صيانة الدستور الإيراني على ضم أصوات الناخبين المعطاة للمرشحين الخاسرين إلى السيد الموسوي ، وفوقها ثلاثة ملايين لبقي أحمدي نجاد رابحاً بنسبة أكبر من نجاح رئيس أكبر دولة في العالم وبفارق كبير ، فلماذا تختلف الديمقراطية هنا ، عنها هناك .؟.

أن ينصاع 49.9 % من الأمريكيين لرأي 50.1 % غاية الديمقراطية ، إذ لا ينفع التحريض مع الأمريكي للخروج في تظاهرة من أجل خاسر ولو بفارق بسيط جداً ، اهتمام المواطن أبعد من ذلك بكثير ، أيضاً لم يتعود على قبول التحريض وخاصة من أطراف خارجية ، أذن هذا المواطن مغلقة لسبب بسيط إذ يعتبر أن كل من هو خارج أمريكا أدنى مرتبة وأقل شأناً من أن يسمح له بالتدخل في رؤية الأمريكي لما يختار من قيادات ولو جاءت في سياق نتائج مزورة ، يمارس دوره في العملية الانتخابية ، ويتقبل النتائج وحدها الشعوب المتخلفة ، التي لم تعرف الديمقراطية إلا في مراحل متأخرة ، ترفض الرضوخ إذا ما تلقت تحريضاً أو غرر بها ، تنطلق منقادة بعاطفة بعيدة عن العقلانية ، لتأتي نتائج ردة الفعل بفوضى تخرج عن المألوف في دول متقدمة لتفسح بدورها المجال لتدخل هذه الدول وإصدار بيانات الاستنكار والتعاطف الكاذب إمعاناً في التحريض وإشعال نار الحريق وليس إطفاؤها .

اعتاد المحللون( في كثير من دول العالم المتخلف ) على تحميل اليهود مسئولية ما يجري في طول العالم وعرضه ، وهذه حقيقة يسهل إثباتها ، وأقول ليس فقط اليهود ، بل هي الصهيونية العالمية التي ترى في زيادة حدة التوتر في كل أنحاء العالم ، وفي جهات محددة بالذات ، الغطاء الأكثر ملاءمة لستر ممارساتها في بعض أنحاء العالم وخاصة في فلسطين ، الصهيونية العالمية هي محرك البحث العامل دون هوادة على خلق عدو وهمي لأكبر دولة في العالم ، إذ أن التصدي لهذا العدو يوفر الكثير مما لا يمكن عده وإحصاؤه ، من تشغيل مصانع السلاح ، والاستيلاء على خامات العالم ، والحفاظ على تخلف الدول والكيانات المتصارعة ، وتمزيق شعوب العالم إلى طوائف وقبائل ومذاهب وعشائر ، ومع أن الكل يدرك هذه الأهداف فإن القلة من القادة والقادرين على الانتقال بالشعوب من حالة التخلف إلى حالة أفضل ،يقفون عاجزين ، إما أنهم لا يرغبون لأنهم جاؤوا عن طريق المنظمة إياها أو أحد فروعها ، أو لأنهم يقضون وقتهم في البحث عن سبل الاستمرار ودرء الأخطار عن مواقعهم أي أنهم في حالة دفاع عن النفس لا تتيح لهم الانتقال إلى الحالة المغايرة ، إيران تحاول الانتقال إلى حالة بين الدفاع وبين الهجوم ، وهذا مرفوض ، من هنا يمكن فهم هذا الهجوم الخارجي على نتائج الانتخابات الإيرانية ، ومحاولة قلب الحقائق التي هي أبعد ما تكون عن التشكيك بسبب الفارق الهائل ، وبما أن التعصب الأعمى البعيد عن المنطق وعن الديمقراطية الحقيقية هو الذي يقود سلوك المحتجين في طهران وغيرها ، فإنه لا يحتاج إلى تفسير بعد استقراء ما يصدر عن كل من لندن ، وباريس وواشنطون ، وجوقة التابعين ، وحدهم قادة الدول الشمولية يلتزمون الصمت لأنهم لا يجرؤون على فتح الباب أمام ممارسة ديمقراطية كما في طهران ، وقد يكونوا معذورين فالشعب لم يتعود الرضوخ لديمقراطية حقيقية ، وأن قائداً في عالمنا العربي لم يجرؤ على فعلها كما قال أمير قطر . . إنها جرأة نادرة يستحق عليها الثناء .

لماذا لم تفرض قيادة الثورة الإيرانية الرئيس [ تسمية ] بموجب ولاية الفقيه .؟. سؤال خطر لي وقد يكون ثمة رد على المتخوفين في بعض عالمنا من هذه الولاية ، أنا منهم ، وهذا ما لا أنكره ، الجواب ، ربما لأن فهم ولاية الفقيه في طهران ، هو غير فهمنا نحن لها ، قد تكون الولاية قاصرة على الشأن الديني ، وقد يرى الفقيه أن من باب الشورى ( وأمرهم شورى ) أن يعود إلى مشورة الشعب ويأخذ برأي الغالبية . . ! أوليس هذا ما حصل ، أم أن الديمقراطية التي مورست في الانتخابات اللبنانية والتي جاءت بعد مخاض عسير، وإنفاق ما يصل إلى حدود المليار دولار، هي أفضل حالاً مع ما شابها من ممارسة كل أشكال الضغوط المذهبية والطائفية والدينية ( تدخل المراجع الدينية وتسخيرها لخدمة جهات محددة ) والتدخلات الخارجية ، والإغراء المادي بكل ألوان البنكنوت ..!!

رئيس مصر الذي يحمل لواء محاربة طهران دينياً وسياسياً و ... نيابة عن كثيرين ، أولهم تل أبيب وآخرهم واشنطون ، لماذا لم يقبل ممارسة ديمقراطية أقل بقليل ، لم يقبل بترشح مجرد مواطن مغمور قد لا يحوز 10% من أصوات شعب مصر . . أهو الخوف من الفوضى ، أم من الديمقراطية ، أم لأنه ومجلس الثورة منذ قام لم يهدفوا إلى تربية الشعب على غير ديمقراطية تحرسها جيوش من القوى القادرة على حماية حفظ النظام وقمع الأصوات المطالبة بالحرية .!

بعد مقابلته مع جهة إعلامية صهيونية ، خيل لي أن همه الأول كان سلامة الجندي شاليط في حين أن الحكومة الصهيونية غير مهتمة ، بل هي جعلت من شاليط هذا قميص عثمان الذي يجب استثماره حتى آخر نقطة دم لفلسطيني ما زال يعيش على أرضه ويدافع عنها ، الملايين من الفلسطينيين ، بل وحتى من المصريين الذين بعضهم دفنتهم جنازير الدبابات الصهيونية تحت رمال سيناء ، أو بعض من تخفيهم لساعة حاجة ، هم أحق بكثير من الدفاع عن مجرد جندي صهيوني ما جاء إلا ليقتل ويغتصب .

الطائرات الأمريكية تقصف الآمنين من المدنيين في أفغانستان ، وأجزاء من باكستان فتحيل الأعراس ، بل وحتى الجنازات إلى مجازر دون خشية أو خجل ، لا من الأمم ، ولا من التاريخ ، لا بد من حقول للرمي وتدريب الطيارين ، وتجربة الإنتاج الجديد من الذخائر ، ورفع درجة حرارة الصيف هناك ، كما في اندونيسيا ، والعراق ، وكل ذلك للتغطية على ما يجري في فلسطين .

ببالغ السخرية ، نزف إلى عالمنا العربي أن أجود العروض الصادرة عن الرباعية الدولية ، وعن محفل شرم الشيخ ، وعن إدارة أوباما ، ومجموعة الثمانية ، وباقي الجوقة ، هو الطلب إلى حكومة الـ نتن ياهو تجميد عمليات الاستيطان . . !!! دون البحث في وقف هدم المنازل الفلسطينية ومصادرة الأراضي ، ودون النظر في قرارات الأمم المتحدة . . لا شيء أبداً ، وحده المطلب الأهم وبتأييد من قيادة الفلسطينيين ومن يدعم من قيادات الاعتلال العربي . .أوليس هو الكسب الكبير ، ثم يتحدثون عن مصالحة فلسطينية .!.

أنا وحدي أخطأت في عنونة المقال ، فكل ما يحصل هو فوق المألوف ، لكنه ما عاد بحاجة لتفسير ، سلوك الجوقة يتكفل بتفسير كل حدث ، ما علينا سوى الاستماع وليس القراءة ، نحن لا نحب القراءة .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026