مصالح اسرائيل في الولايات المتحدة ومكانتها والتعاطف معها في الوعي الامريكي العادي كلها مسائل آخذة في الازدحام على بلاطة صغيرة واحدة لا تتسع لها. عشت هنا خلال ثلاثة عقود مختلفة بدءا من السبعينيات، وليست هناك طريقة جميلة لقول ذلك: في صيف 2009 الامريكيون لا يروننا كأمر مزعج. في السبعينيات كنا مقاتلي الموساد والوحدات الخاصة نعامل كرجال جذابين يوفرون للامة الامريكية صورة عن جيمس بوند عنتيبيا. كان من الجميل ان تكون اسرائيليا في امريكا في هذه الفترة. كل ما فعلناه وصورتنا القوية بما في ذلك الانتقام لعملية ميونيخ وفر لنا مكانا في قلب الامة غير المستعدة للتنازل عن حقها في وضع بندقية ساعر في خزانة الملابس.
في الثمانينيات بدأت الزبدة بالذوبان. بين حرب لبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا وخمس سنوات من حكم اسحاق شامير وثمانية سنوات من حكم ريغن في الولايات المتحدة بما في ذلك فصل ايران غيت لم تسمح لنا بالوقوف في الطابور. في التسعينيات قتل اسحاق رابين حلم اليسار وعانقنا بيل كلينتون كأيتام الى ان جلب لنا نتنياهو الاول الغصن. سافرنا واثقين محبوبين في سيارات الليموزين الخاصة ببوش في سنوات الـ 2000 بينما كان الرئيس يتعاطف معنا بنوع من الحنان والعطف الديني.
كل هذا تغير دراماتيكيا مع انتخاب براك اوباما. بدلا من الاحتفاظ بالصمت المطلوب وعدم التدخل في سياسة الغير وضعنا مصيرنا مراهنين على سجلنا العسكري وراهنا على الخاسر جون ماكين لنستيقظ متعبين امام فجر جديد. الادارة الجديدة لم تنسى لنا ذلك. الجمهور الاسود الذي لم ننجح في اشراكه في فرحتنا لم ينسى لنا ذلك. وبالاساس رفضنا الادراك بانه منذ الايام التي قاتل فيها الرئيس هاري ترومان كنمر من اجلنا دخل عنصر المنفعة في معادلة الرؤية الامريكية لنا. صحفي "هآرتس" آلوف بن كتب في هذا الاسبوع في "نيويورك تايمز" بان على اوباما ان يتوجه للاسرائيليين مباشرة بنفس الانفتاح المتعاطف الذي توجه به للعرب في القاهرة. ولكن يبدو ان بن حتى لم يدرك تماما عقل هذه الادارة خصوصا عندما ينهض مقربو الرئيس من امثال ديفيد اكسلرود ورام عمانويل في الصباح ليسمعوا ان نتنياهو ينعتهم بأنهم "يهودا يكرهون انفسهم". وخصوصا عندما يكون جورج ميتشل المبعوث الابرز للشرق الاوسط من مواليد وسكان مدينة مين دولة المواطنين الاقوياء الذين يحبون اليهود الصغار جدا وابن ام من اصل لبناني.
صلة ميتشل اللبنانية وشعور هيلاري كلينتون السيء نتيجة لفشل زوجها في عقد تسوية بين باراك وعرفات وحقيقة ان اسرائيل تصر في كل مناسبة على ذكر اسم اوباما الاوسط (حسين)، تمخضت عن وضع جديد لا تنجح اسرائيل في فهمه تماما.
اسرائيل ما زالت حليفة تاريخية وديمقراطية وحيدة في الشرق الاوسط ولكن هذين الامرين يوشكان على التغير: التحالف التاريخي لم يعد كما كان. العراق سيصبح ديمقراطيا عندما ستغادره امريكا. اوباما يفضل مد يد جريئة للعدو على ان يربت على اكتاف الصديق. مظاهرة العشرين متدينا في هذا الاسبوع ضد زيارة المبعوثين الامريكيين لقيت تغطية في امريكا من النوع الذي لم تحصل عليه اسرائيل منذ زمن. لم تكن هناك اية صلة بين المتظاهرين القلائل الذين نادوا بالشعارات العادية وبين العناوين التي اعطيت لهذه المظاهرة الهامشية.
نحن الاسرائيليون الذين نعيش في امريكا لم نهاجر لان امريكا قد مثلت ملجأ لمخاوفنا. جئنا لان الشوارع مغطاة بالذهب ولان شرائح اللحم كبيرة ولذيذة. ورغم انني أحب اللامبالاة المحلية الحالية لمن نكون ومن نكون، الا ان الادعاء هو ان اللامبالاة هي ابنة عم السلبية واللاسامية. كان من اللطيف لو ان برنارد مايدوف كان غير يهودي بولندي، ولكن الوضع ليس كذلك. وكان من اللطيف لو ان الشريحة الاقتصادية – المصرفية لم تكن مشبعة باليهود حتى الثمالة ولكن الوضع ليس كذلك. الواقع الجديد فاجأ الجميع، وبعد نصف عام لم يقرر يهود امريكا بعد ان كان قد حكم عليها بأن تكافح من اجل ايجاد مكان لها على البلاطة الاخذة في الانكماش او الابتعاد عن اسرائيل لمسافة أمنية وادارة جدول اعمالها المرير في مواجهة نتنياهو كامريكيين اولا ويهودا ثانيا.
الجهل منفلت في الخلفية. في اواخر حزيران انطلقت رسالة من سكان فلوريدا التي تعتبر غرفة انتظار يهودي للعالم القادم لتوقيع الحاكم تشارلي كريست صاحب التطلعات الرئاسية وهو يشكر فيها جون اوبل لانه اعطاه هدية نسخة دي.في.دي من الفيلم اللاسامي سيء السمعة "اليهودي زيس". الرسالة اثنت على اهتمام اوبل واوضحت بان الحاكم سيسر ان تمكن من تقاسم هذا الفيلم الهام مع رعاياه. اوبل قال بانه فوجىء من رد كريست ان اخذنا بالحسبان حقيقة ان هنرخ هيملر قد اجبر جنود الـ اس- اس على مشاهدة الفيلم. الحاكم في المقابل قال بأنه فوجىء وان توقيعه قد طبع بآلة وليس بخط يده. اوبل هو مدير عام منظمة "النشاطية البيضاء" وهو على الاقل ليس متهما بالبراءة.
القبض على ابناء عائلة بويت في امريكا، خلية المخربين المسلحين بالذخيرة الحية حتى ظهرهم الذين تدربوا في افغانستان ودرسوا اهدافا في اسرائيل مخططين لعمليات في الخارج في اسرائيل ودول اخرى لا تستدعي اطلاق عواء الذئب المباشر "لاسامية". هذه العائلة ورفاقها في الفكر هي صورة عن الميلشيات المسلحة التي تنتظر الوقت الملائم على صورة اوكلاهوما سيتي مع ايديولوجيا القاعدة. هم خطيرون على المصلحة الامريكية مثل المصلحة الاسرائيلية. تحركات الـ أف.بي.أي الناجعة لم تمكن هؤلاء من تنفيذ مأربهم وحرمت العالم من مشاهدة ذلك على ارض الواقع.
وزير الدفاع روبرت غيتس والمبعوث جورج ميتشل اللذان زارا الشرق الاوسط في هذا الاسبوع عادا كئيبين اكثر مما كانا عند سفرهما. عشرات السنين منذ بداية العمل الاستيطاني في المناطق وهم يصطدمون بتكتيك ذهب وجاء وردود على طريقة نتنياهو تمثل التفويض الواسع الذي اعطي له، وان لم ينجحا في تحقيق حتى موافقة على ايقاف البناء واتساعه ناهيك عن الاستعداد في الدخول في مفاوضات حقيقية حول الانسحاب والاخلاء كجزء من اتفاق سلام شامل فان هذا الاحباط يتجسد لفظيا وهو ليس لطيفا بالنسبة لاسرائيل بالمرة. كما انه يظهر من خلال خطوات الالتفاف على جزيرة الرفض الاسرائيلية عبر الحج الى مصر وسوريا والعربية السعودية الى جانب صداقة جريئة مع الاردن ومهلة انذارية لايران.
غيتس وميتشل الدبلوماسيان اللطيفان لا ينجحان في الحفاظ على هدوئهما عندما يتحدثان عن نتنياهو واسرائيل. ادعاء الوف بن الذي لقي هنا صدى ملموسا بان على اوباما التوجه الى اسرائيل مباشرة هو طلب تجميل بالاساس.
من يتابع الاصرار والتدخل الشخصي والالقاء بكامل الوزن في كل المسائل التي تقلقنا مثل الازمة الاقتصادية والتأمين الصحي يفترض به ان يدرك بان اوباما يحاول ادارة امريكا باصرار وبالسرعة المطلوبة في ظل ركام الدمار الذي تركه له سلفه. هو سيبرر قانون التأمين الصحي الخاص به. "نيوزويك" صرحت في هذا الاسبوع بان الازمة الاقتصادية قد مرت. سونيا سوتوميور القاضية التي اختارها لمحكمة العدل العليا قد اجتازت بنجاح عملية التصويت الاولى. وعندما اخطأ اوباما في الخلل الغبي بين البروفيسور الاسود والشرطي الابيض في كيمبرج دعا الاثنين الى شرب كأس بارد في البيت الابيض. هذا رئيس تحاول حركة كاملة من المشهرين خائبي الامال البرهنة على انه ليس امريكيا بالمرة، اي انه لا يستحق ان يكون رئيسا. شهادة ولادته من هاواي لم تقنع اولئك الهامسين بعد.
في ظل هذا الوضع التهديد الذي تطلقه اسرائيل في انها ستعالج الذرة الايرانية بنفسها وموقفها المعادي والمتذمر من اوباما، تهدد بتغيير الموقف الامريكي من اسرائيل وللمرة الاولى منذ ايام جيرالد فورد بالاتجاه السلبي طبعا. ليس نفيا تمثيليا لمصالحة العرب وانما تحويل اسرائيل ككيان شرق اوسطي مساو للاخرين ، وهو انقلاب ايديولوجي لم تستعد اسرائيل له. ازمة الثقة هذه تجبر يهود الولايات المتحدة على تدارس المكان الذي يقفون به وللمرة الاولى منذ سنوات طويلة. المال لا يتدفق كما كان ذات مرة واليهود ملزمون بتوخي الحذر في التفافهم الكامل هذا. عندما يطلقون على الرئيس بأنه حسين كنوع من الاهانة المغرضة سيبدأ هذا الرئيس بالشعور والتفكير بانه حسين.
الوضع يستوجب ابتداع مصطلح جديد. شيئا يربط اللاسامية ومناهضة اسرائيل. كل ذلك من قبل ان تتفرغ امريكا للتعمق في المسألة. قدر كبير من الامر يعتمد على خطوة الانسحاب من العراق وتحركات اوباما الهجومية الاولى في افغانستان حيث يحظى بنقاط في سجله على الشجاعة والاصرار ولكن النتيجة لم تثبت بعد. في الوقت الحالي ازيلت خيمة يهود امريكا الصيفية. رول روزنباوم من اهم الصحفيين في امريكا ومؤلف كتاب "هتلر – رحلة الى جذور الشرق"، النموذجي توجه برسالة مفتوحة لجون ستيوارت ودعاه للعودة الى اسمه الاصلي ليفوفيتش. روزنباوم يتساءل ان لم يكن هذا بالوقت الملائم لكف ستيورات عن الاختباء في هذه الايام الساخنة وان يشرك القراء بيهوديته الكاملة. المسائل هامة وحساسة من ان تخبىء من وراء اسماء مستعارة، كتب روزنباوم ومن الاجدر بك ان تخرج من الخزانة.
اسرائيل لم تقف هكذا ضعيفة في مواجهة رئيس حازم ومصمم على تغيير العالم الى هذا الحد. لهذا السبب هو جاهز للتصادم وجه لوجه مع مجلس الكونغرس والشيوخ. الامر الذي لا يقل اهمية، تطهير الاجواء من غش وخداع بوش – تشيني والطريقة التي ادارا فيها ظهرهما للدستور والقانون. بوش يفضل ملء فيه ماء وتأليف كتاب حول انجازاته في مزرعته في تكساس. تشيني اختار لعب دور الرياح المستطيرة للحزب الجمهوري المحطم والحفاظ على كوابيسه. هذه الحكاية لن تنتهي من دون تحقيق خاص يصل الى عمق الامور.
في ظل هذا الوضع وليس من اليوم اسرائيل امر مزعج ومثقل. هي لم تفهم بعد عقل الرئيس ولم تتعرض بعد لكل حزمه وعزمه. امريكا رغما عن انفها تخطط لتبديد كراهية المسلمين لها من خلال مفاوضات مباشرة بين متساوين. ثمن هذه المفاوضات ستدفعه اسرائيل من خلال تسويات اقليمية مؤلمة. ان لم يكن بالخير فبالشر. في الوقت الحالي هي تطرح قضية اللاسامية للنقاش وتزج بها لطاولة البحث، بعد ان بدا انها خرجت في اجازة قصيرة. الان ها هي اللاسامية تعود وهذه مسألة لن يغفرها يهود امريكا لنتنياهو. اليهود سيختارون الوطن ان ارغموا على الاختيار بين الوطن وبين البيت الوطني.
|