إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

بين الانعطاف وإعادة التموضع ، مسافة لسان . . !

محمد ح. الحاج

نسخة للطباعة 2009-08-09

إقرأ ايضاً


في الاستقراء الهادئ للمتغيرات في السياسة العالمية والمحلية ، يستطيع السياسي ذو الخبرة أن يتخذ مواقف أقل ما يقال فيها أنها متأنية ومتزنة ، وعكس ذلك لا يكون فيها إلا منفعلاً تحسب عليه الكلمات والمواقف ، وتنقطع أمامه سبل الوصل والاتصال ، وإذا كان منطق السياسة والعلاقة السياسية محكوم بمصطلح أن لا عداء دائم ، ولا صداقة أو تحالف دائمين ، فإن المنطق السياسي أيضاً تحكمه اعتبارات أخرى أقلها الحفاظ على شعرة معاوية ، وقصتها معروفة .

السياسي الهادئ ، والقائد الوطني هو من يستطيع الموازنة بدقة بين مصالحه الآنية ، والمستقبلية بموازاة مصالح من يمثل ، شعبياً ووطنياً ، وهكذا لا ينقاد لانفعال ، أو يتخذ مواقف حادة تصل حدود التجريح الشخصي بالخصم السياسي ، وهو الأقدر على التفريق بين السياسة وبين الشخصانية تماماً كالتفريق بين العلاقة الفردية على قاعدة المصالح ، والعلاقة العقائدية وخاصة في مجال الدين والتدين واعتبارها حدود المحرمات ، لا عن طريق قاعدة فقهية ، وإنما عن طريق العرف الذي يحكمه المنطق العقلاني .

إلى أي الحدود تنطبق هذه التوصيفات والمقدمات على ساسة وقادة المنطقة العربية ، ولا أقول منطقة " الشرق الأوسط بالعرف الأمريكي والعالمي " .؟. وهل تخلف سلوك بعض القيادات على المستوى السياسي نابع من تربية يحكمها منطق متخلف لم تزل نرسخ فيه وتتوارثه ، بمقابل سلوك عقلاني قادر على التفريق بين طرفي المعادلة ، أي الشخصانية ، والعلاقة السياسية العامة ، وإذا قلنا ما لنا ولقادة الغرب ، أفلا نجد أننا نظلم أنفسنا حد الجلد لعدم قبول أخذ سلوك الآخر حتى ولو كان مثالاً للعقلانية والحضارة .

في تقييم موضوعي لسلوك قادة العالم نجد أن السمة الأساس التي تحكم سلوك هؤلاء هي المصالح الوطنية العليا لدولهم وشعوبهم ، وهذه الشعوب تملك الأدوات العقابية لأي سياسي يخرج على منطق المصالح العامة ، ولا ننكر التفات البعض إلى مصالحه الشخصية ولكن بدرجة ثانوية ، هذا الافتراق الحاد بين سلوك بعضنا وبين سلوك الآخر هو ما يمكن تسميته بالتخلف السياسي وعدم القدرة على مجاراة العصر ، من هنا نرى أن الحكم لا يجب أن يكون متساهلاً مع خطأ أي من الساسة أو القادة أو من يعتبرون أنفسهم زعامات محلية ، ومن هنا أيضاً يمكن أخذ مواقفهم بعين الاعتبار ووضعها تحت مجهر البحث والتحليل وتوصيفها على أنها مواقف سياسية أو مواقف شخصانية لا تمت إلى المصالح الوطنية والشعبية بصلة .

في حالتنا اللبنانية ، الكثير من الأمثلة ، وإذا كان البحث والتحليل بمجملها أمر فيه الكثير من الصعوبة ، لكن لا بد من تعليق على بعض منها كان فيها الكثير من الحدة والصبيانية ، والابتعاد عن منهج المصالح الوطنية ، وإذا كنت في مقالات سابقة قد عالجت مواقف بعض السياسيين اللبنانيين ومنهم على سبيل المثال السيد وليد جنبلاط ، وسمير جعجع ، وسعد الحريري ، فلأن هؤلاء ، وبعض آخرين تجاوزوا في مواقفهم معالجة المصالح الوطنية للبنان ككيان لا حياة له دون سوريا التي تشكل العمق الاستراتيجي له والمجال الحيوي لأبنائه وبشهادة هؤلاء ، وآخرها ما ورد على لسان وليد بك زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي ، الذي ابتعد كثيراً في قيادة حزبه عن مسماه وتوجهاته ، وحاول جر الطائفة أو بعضها إلى عداء لا يمت إلى المصالح الوطنية بصلة ، فهل كانت المواقف مدفوعة الثمن .؟. وهل يجوز اتخاذ مواقف بهذه الحدة مقابل أي ثمن يمكن أن يدفعه عدو أو حتى حليف ، ما أوصل هذه المواقف إلى حدود المغالاة وتجاوز الأدب في العلاقة السياسية وليست الأخوية فقط .

يقول السيد جنبلاط أنه اشتاق إلى الشام ، والشوق إليها ليس وقفاً عليه ، أو على قلة في طول العالم وعرضه ، كثيرون يشتاقون إلى الشام ، ولكن كثيرون أيضاً حتى من خارج العالم العربي لم يصفوا الشام وقياداتها بما وصفه ، ومع أن سعد كان الأقل فإنه لا عذر له لا هو ولا وليد بك الذي يصف أقواله بحق رأس القيادة في الشام بأنها كانت مؤلمة للشعب السوري ، وكأنه يعتبر نفسه من خارج هذا الشعب ، وإذا كان يعترف بضرورة إصلاح الوضع فإنه لا بد أن يتحمل المسئولية ويضع النقاط على الحروف بدءاً من الاعتراف بما ، ومن دفعه للتهجم على الشام وقيادتها بهذه السلاطة والعدائية المفرطة ، ومقابل أية وعود ، وبذلك يكون اعترافه هذا مبرراً لتخفيف الحكم عليه ضمن عائلته الأولى – الطائفة – ثم ضمن العائلة الأكبر – الكيان اللبناني – وصولاً إلى أبناء الأمة جميعاً في وطنه الأكبر ، ولا يمكن تجاوز أن القيادة في الشام كانت الأكثر حكمة والأكثر هدوءاً ، ابتعدت عن الرد والإثارة ، وهي كانت مطلوبة من قبل العدو وبإصرار شديد لتصوير أن الصراع بين أبناء الأمة وليس مع هذا العدو الخبيث ، وعليه تحركت جهات من أبناء الأمة الذين اعترف البيك بأن حديثه كان مؤلماً لهم فأقاموا عليه الدعاوى المدنية والتي لا بد أن يتقبل نتائج أحكامها من ثم يطلب الصفح والعفو ممن تهجم عليهم وهم أهل للصفح والعفو .

مصلحة لبنان ، ومصالح أبناء لبنان هي في الشام ، ومع الشام ، وسنة بعد سنة ، وعقداً بعد عقد يتأكد أبناء الأمة وأبناء عالمنا العربي أن مواقف الشام لم تأخذ بحسبانها أبعد من مصالح الأمة الحقيقية ، ولم تخطئ قيادتها في استشراف المستقبل أبداً وفي كل مرة يعترف الجميع أنها على صواب ، وتصفح الشام فما تعودت الحقد ، وهي تعمل على أساس توفير الحياة وضمانها لمن يعمل لموتها ، وهي العصية على الموت .

الوحيد الذي لا يمكن تحميله وزر مواقفه هو سمير جعجع الذي لم يخف تحالفه مع العدو ، إذا هو عدو على المكشوف ، تنكر لأمته ، وتنكر لمصالح وطنه الصغير ، ومن يتنكر على المكشوف يمكن إسقاطه من الحساب ، هو لن يشتاق إلى الشام ، والشام لن تستقبله بالمطلق ، وإلا فقد تخون الشام نفسها وتاريخها ومواقفها ، وحاشى لها أن تفعل .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026