إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

حزب الله واسرائيل يتبادلان الحرب الكلامية لانهما ليسا معنيان للحرب الحقيقية وويلاتها الا ان هذه الحرب قادمة لا محالة

يديعوت

نسخة للطباعة 2009-08-14

إقرأ ايضاً


لبنان اواسط آب هو جنة عدن للمصابين بعقدة الشك. ان تقف على الحدود محدقا في المشهد الطبيعي والاشجار المنتشرة والحقول والمزارعين الذين يفلحون ارضهم ببطء في هذا القيظ الشديد ولكنك تعرف ان كل هذا زائف وعبارة عن زركشة خارجية. انت تعرف ان تحت هذا الستار القروي شبه النائم تحت شمس الظهيرة، كل شيء معد للجولة القادمة. فوق التلة المطلة على الجليل تربض قرية مارون الراس. ومن ورائها منطقة بيت ياهون. الاسماء ما زالت معروفة تذكر بصورة طبيعية على الشفاه. منذ مدة غير بعيدة كنا هناك ويبدو ان لا مفر من ان نعود الى هناك. نحن نعرف ذلك وهم يعرفونه.

الفجوة بين ما تراه الاعين المنتصبة عند الحدود وبين ما يحدث فعلا تحت سطح الارض هائلة. الفجوة بين التصريحات السياسية من جانبي الحدود في الاسابيع الاخيرة وبين النوايا الحقيقية لا تقل عن ذلك تباينا. الجميع يركزون على الدعاية والجميع خائفون ويعملون على التأثير على الرأي العام. وسائل الاعلام هي السلاح المركزي في حرب الكلمات هذه. السياسيون من الجانبين يعزفون هذه الكلمات وعناوين الصحف تأتي متلائمة. في أحد الايام يهددون ويسخنون وفي اليوم التالي يهدأون الخواطر. الجانبان ينبحان على بعضهما البعض قائلين: احذر فسأعضك. ولكن الحقيقة هي ان احدا منهما لا يرغب بهذه المجابهة الان.

من المحظور ان نقع في الخطأ: التهديد من جنوب لبنان بالنسبة لاسرائيل حقيقي وهو آخذ في التزايد يوما بعد يوم. رغم ذلك ليست في اسرائيل اية نية لتحقيق الواقع القائم. هذا لا يمنع السياسيين عندنا من اطلاق تصريحات معاكسة تماما. هذه التصريحات الحماسية ولتكونوا واثقين من ذلك محفوظة في الجوارير عميقا استعدادا للجنة التحقيق القادمة. وهكذا في كل اثنين وخميس يحذر رئيس الوزارء عندنا وكبار الوزراء او صغارهم من ان اسرائيل تعتبر حكومة لبنان مسؤولة واننا لن نصمت ولن نضبط النفس. هم لن يرتكبوا خطأ حكومة اولمرت في 2006 وستسجلهم كتب التاريخ كمن حذروا وتوقعوا المولود قبل ميلاده.

كما ان هذه التصريحات تتمخض في الواقع عن استراتيجية اسرائيلية جديدة في مواجهة لبنان: ليس هناك المزيد من الفصل بين حكومة بيروت وحزب الله. كل حادثة مع حزب الله في اسرائيل او في الخارج هي تحت مسؤولية لبنان كدولة. ولان حزب الله هو جزء من حكومة لبنان فكل حرب ضد حزب الله تعني الحرب مع دولة لبنان. ليس هناك شك ان سخونة تموز حزيران قد دفعتنا الى الصعود فوق شجرة عالية.

كما أن حزب الله ايضا كما تقول كل الاطراف عندنا لا يمتلك مصلحة في اشعال النار داخل اسرائيل الان. حزب الله كما يدعي الخبراء مشغول الان في الساحة الداخلية اللبنانية وبناء مكانته السياسية بعد فشله النسبي في الانتخابات وفي تشكيل الائتلاف في حكومة الحريري. من المفترض ان يكون لدى حزب الله وشركائه في القائمة الشيعية عشر حقائب اي ثلث الحكومة اللبنانية. هذا الاتفاق يؤمن لحزب الله الحفاظ على مكانته المستقلة من الناحية العسكرية ومن الناحية التنظيمية. نصرالله حصل على وعد من الحريري بعدم تعرض احد لسلاح المقاومة في لبنان.

اذا فلماذا ينبح حزب الله رغم ذلك؟ لانه خائف. نصرالله واثق من ان اسرائيل ستهاجمه في كل لحظة. من المعتقد ان قيادة حزب الله تحلل كل ما تنشره وسائل الاعلام الاسرائيلية حول احتمالية الهجوم على ايران بكل جدية. بالنسبة لهم تهديد طهران يشملهم ايضا، فلاسرائيل حساب مفتوح مع حزب الله. العبرة السياسية الواسعة التي استخلصتها قيادة الحزب من حرب لبنان الثانية وعملية "الرصاص المصهور" في غزة هي ان اسرائيل كائن غير متوقع.

نصرالله وشركاؤه لا يدعون انهم يفهمون النفسية الاسرائيلية. منذ القصف الغامض للمنشأة النووية في سوريا (وفقا للمصادر الاجنبية) كل زحزحة غير عادية للقوات الاسرائيلية سواء في التدريب او المناورات تدفعهم الى القفز من اماكنهم. الاستخبارات السورية الايرانية تتابع ما يحدث داخل اسرائيل وتضيف الزيت على النار.

نصرالله ضبط متلبسا

قبل شهر انفجر مخزن سلاح لحزب الله في ضاحية قرية خربة سليم. هذا الحدث كشف حقيقة وجود كميات كبيرة من السلاح والسيارات المخصصة لتحميله في المكان. المخزن الميداني في خربة سليم هو واحد فقط من مئات المخازن المشابهة المنتشرة على طول جنوب لبنان وعرضه. اسرائيل انقضت على هذه الحكاية كغنيمة كبيرة. طوال ثلاث سنوات منذ انتهاء الحرب واسرائيل تحاول اقناع قوات الطوارىء الدولية بان حزب الله منتشر في جنوب لبنان ميدانيا الا انها لا تنجح في ذلك. في كل التقارير التي ارسلتها قوات الطوارىء الى مركز الامم المتحدة خلال السنوات الثلاث الاخيرة ادعي ان ما تقوله اسرائيل غير صحيح وان ادعاءها بان القرار 1701 غير منفذ في جنوب لبنان، غير صحيح. بالنسبة لقوات الطوارىء حزب الله لا يمتلك قوة مسلحة في جنوب لبنان وها هو هذا التنظيم الشيعي يضبط متلبسا. اسرائيل ابتهجت فرحا فحزب الله تلقى تنديدا لخرقه قرار مجلس الامن للمرة الاولى. المخزن الذي انفجر والتنديد من الامم المتحدة هو نتيجة لمؤامرة دولية حسب اعتقاد حزب الله. ردا على ذلك ارسل حزب الله مجموعة مدنيين من قرية شوبا لتنفيذ مظاهرة عند الحدود الزرقاء. وقادة أمل التنظيم الشيعي المنافس لحزب الله هم الذين قادوا تلك المظاهرة.

عقدة الشك التي يعاني منها حزب الله توقد ايضا حكاية شبكات التجسس التي كشفت في لبنان. الكمية الكبيرة من الجواسيس الذين ضبطوا تزيد عند التنظيم الشعور بأنه قابل للنفاذ وشفاف وتزيد من الخوف من جود جواسيس اخرين. وعندما تتضرر الثقة الذاتية – يزداد الصوت ارتفاعا. وهكذا صعد حزب الله على شجرة عالية في حرب الكلمات. هو ايضا التزم باستراتيجية جديدة يعني تنفيذها تدميرا تاما لدولة لبنان. حزب الله سمع بعد الحرب قائد المنطقة الوسطى وهو يتحدث عن "نظرية الضاحية" التي تحذر من أن كل مكان تطلق منه النار على اسرائيل سيدمر بما في ذلك التجمعات المدنية. وهم شاهدوا اسرائيل وهي تنفذ جزءا من هذه النظرية في قطاع غزة. وهكذا ها هم يصرحون الان ما ارتفاع درجة حرارة آب: كل تعرض لحي الضاحية في بيروت سيعرض تل ابيب للهجمات. تل ابيب احتلت مكان حيفا التي كانت هدفا في السابق. خاتمة هذه المعركة الكلامية: نحن سندمر لبنان وهم سيدمروا تل ابيب.

هناك بؤرتي احتكاك دائمتين قد تؤديان الى احداث عنيفة على الحدود الشمالية. اسرائيل اوضحت للسوريين من خلال الامريكيين ان كل محاولة لاعطاء السلاح لحزب الله تعتبر اجتيازا للخط الاحمر وخرقا للتوازنات. وفقا لتقارير نشرت في "التايمز" البريطانية حزب الله يحصل على بطارية صواريخ متنقلة واتباعه يتدربون في سوريا على استخدام صواريخ اس اي 8. في اسرائيل يوضحون ان ادخال الصواريخ المضادة للطائرات والدبابات واجهزة الرادار الى لبنان سيكون في الواقع تغييرا جوهريا في الوضع ضد مصلحة اسرائيل. حزب الله المخالف الدائم للقرار 1701 قلق ايضا من الرد الاسرائيلي اثر ادخال منظومات سلاح اخرى يمكنها ان تعتبرها خرقا لتوازن القائم. مثلا الصواريخ الايرانية التي اجتازت عملية تطوير سورية وتعتبر اكثر دقة وفتكا. الامر الذي يقلق اسرائيل بصورة خاصة هو حقيقة انها موجودة بيد حزب الله منذ زمن. في حزب الله يخشون من ان اسرائيل قد تقرر من طرف واحد في اي وقت من الاوقات ان هذه الصواريخ او تلك هي غطاء أحمر بالنسبة لها.

نقطة الاحتكاك الثانية التي تحولت الى مسألة مركزية في الجدال الداخلي التنظيمي في حزب الله هي قضية الانتقام لموت عماد مغنية. عامان ونصف مرا منذ الاغتيال والتنظيم لم ينجح بعد في تنفيذ انتقامه الصاخب الذي يعيد له شيئا من قوته الردعية. هكذا ووفقا للتقارير الاجنبية ضبط عملاء حزب الله في أذربيجان وهم يحاولون تفجير سفارة اسرائيل. عملاء اخرون ضبطوا في القاهرة وفي عدة اماكن اخرى. ساحة جنوب امريكا تعتبر اشكالية بصورة خاصة والجهات الاستخبارية تتابع خلايا حزب الله في فنزويلا ودول اخرى باهتمام كبير. صحيح ان حزب الله يحاول الا ان العمليات احبطت من قبل هجمات مشتركة من الجهات الاستخبارية في الغرب. حتى الايرانيون في حالة ارباك فهم مشاركون في جزء من هذه الاخفاقات.

ولكن حزب الله يواصل التخطيط للعملية الانتقامية رغم عدم علمه كيف سترد اسرائيل. اليوم اثر الحرب الصيفية السيكولوجية تخشى قيادة حزب الله من ان اسرائيل ستدخل حكومة لبنان وكل مواطني الدولة في دائرة ردها. وهذا حساب من نوع آخر.

عهد البراءة

العجائب هي ميزة من ميزات الحدود اللبنانية. رغم النباح الصيفي المتبادل الا ان حركات غير عادية من الجانبين لم تحصل حتى الان باستثناء تقارير اعلامية من بيروت حول طلعتين لسلاح الجو فوق الاجواء اللبنانية. خلال المباحثات التي اجراها ميتشل هنا مؤخرا لم تطرح قضايا التوتر على الحدود اللبنانية ولكن الهدوء الخارجي كما قلنا هو واقع مضلل.

قوات الطوارىء الدولية التي تتجول في المنطقة ترى الفلاحين وهم يفلحون اراضيهم ويزرعون اعناب النبيذ. الصور الجوية في جنوب لبنان تظهر مكعبات من الحقول الزراعية والاحراش الطبيعية والقرى فوق قمم الجبال والطرق الضيقة التي تحفر التلال الصخرية. ولكن عند وضع مجهر فوق هذه الصور الجوية والنظر اليها في صورة العدو يصبح المشهد الطبيعي مختلفا تماما. فجأة يتبين ان القرية ليست مجرد قرية وانما قيادة قطاعية لحزب الله مع عدة عشرات من المقاتلين من سكان المكان. وفي المكان تتحرك وحدة من مقاتلي سلاح المشاة والهندسة والصواريخ والعبوات الناسفة والراجمات والقناصين. من المعتقد ايضا انه وفقا لخيرة ما انتجه الفن المعماري في حزب الله فتحت احد المنازل في القرية يوجد نفق يوصل الى محمية طبيعية.

المقاتلون الموجودون في القرية يتبوأون دورا هاما في التصدي للقوات الاسرائيلية الراجلة التي ستدخل لبنان في حالة نشوب الحرب. في جنوب لبنان 150 قرية كهذه – مواقع عسكرية باحجام مختلفة. المواقع المتقدمة منها ستزعج سكان الشمال اما الاكثر عمقا فستتصدى للقوات المنقضة وتطلق الصواريخ بعيدة المدى. كل موقع كهذا يتمتع باستقلال ذاتي ويدافع عن المواقع المحيطة به. كل مجموعة مواقع قروية كهذه تشكل قطاعا. وكل منطقة قطاعية تشكل قوة توازي اللواء وهذه اسماء تعرفنا عليها من الحرب الاخيرة: لواء بدر الذي يفعل الصواريخ طويلة المدى ولواء ناصر وعزيز. وبالمناسبة لا يدور الحديث هنا عن القرى الشيعية فقط. هناك مواقع كهذه ايضا في قرى اخرى وبجوار القرى الدرزية. على رأس هذه القوات قادة للقطاعات والمواقع وقادة الوية وحتى غرفة عمليات قيادية لجنوب لبنان. هم يتدربون على القتال ضد اسرائيل والمعيقات التي ستوضع امام تقدم المدرعات الاسرائيلية. صواريخهم تغطي كل مساحة اسرائيل حتى ديمونا ومع ذلك لا ترى قوات الطوارىء شيئا. والاصح انها لا ترغب في رؤيته.

في القرى الوادعة كما يبدو للوهلة الاولى في جنوب لبنان وفي مخازن على غرار ذاك الذي انفجر في شهر تموز الاخير توجد صواريخ تغطي منطقة غوش دان كلها: صواريخ فجر 3 وفجر 5 التي يصل مداها من 70 الى 150 كيلومترا وصواريخ 302 مليمتر لمدى 220 كيلومترا والاف الصواريخ قصيرة المدى حتى 40 كيلومترا. وشمالي الليطاني توجد صواريخ من طراز الزلزال الذي يفترض بها ان تشغل اسرائيل على المدى بين تل ابيب وديمونا. وبين المواقع تنتشر مناطق مفتوحة سيتوجب على قوات الجيش الاسرائيلي ان تجتازها. وهناك سيصطدمون بمحميات طبيعية من نوع اخر يقيم فيها مئات كثيرون من اعضاء قوات حزب الله الخاصة المزودين بالصواريخ المضادة للدبابات طويلة المدى مثل الكورنيت والعبوات الناسفة والافخاخ.

ليس غريبا ان احدا لا يسارع لا عندنا ولا عندهم لبدء الحكاية من جديد. وهكذا في الوقت الحالي يقومون بنفخ العضلات. عندما تطلق الالسنة كلماتها تصمت المدافع. ولكن للتصعيد الكلامي ديناميكيته الخاصة. طالما لم تكن هناك احتمالية حقيقية للتوصل الى تسوية اقليمية مع السوريين واللبنانيين ليست هناك اي محاولة لتجسيد التفوق الاستراتيجي الاسرائيلي والقدرة الردعية التي اكتسبتها – فان هذا الفراغ الذي يمتلىء بالكلمات، سيمتلىء في اخر المطاف بالدبابات والصواريخ. وفي مرحلة ما سينفجر هذا التصعيد المضبوط.




 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026