إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

الـقــرار . . بين الإرادة الحرة والارتهان . . !!

محمد ح. الحاج

نسخة للطباعة 2009-08-21

إقرأ ايضاً


في القول المأثور : ويل لأمة تأكل مما لا تزرع ، وتلبس مما لا تصنع ، عبر كثيرة .

في لغة العصر السياسية نقول : أنه لا أمن غذائي ، ولا حرية اختيار ، وبالتالي تقييد مطلق لإرادة اتخاذ القرار من قبل أهل الحل والربط في كل شأن عام ، وبالتالي ارتهان مطلق لإرادات خارجية متعددة بتعدد الارتباط والاتكال على مصدر العيش ، فهل يعتاش السياسيون في بلداننا على خيرات الغير ويأكلون مما تقدمه لهم مطابخ السياسة الخارجية على تعدد ألوانها وأشكالها واتجاهاتها .؟.

تشكيل الحكومة اللبنانية على قاعدة – حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية – لا يبدو أنه يأخذ بالاعتبار المصالح الوطنية اللبنانية ، وربما يأتي ذلك في آخر الاعتبارات ، فبعض الساسة في لبنان لم يزرعوا في أرضهم نبتاً يأكلون من جنيه ، بل اتكلوا على انتاج الغير ، وإذا كانت عمليات الارتهان متعددة فالحقيقة أن المآل الأخير هو نفسه صاحب القرار ، وإذا كانت أمريكا تجود من مطبخها بفتات الدولار الأخضر شارية القرار والضمائر ، لتحقيق مصالحها ، وهي أبعد ما تكون عن مصالح الشعب الأمريكي ، فإنما تفعل ذلك لوجه المصالح الصهيونية وعلى المكشوف ، ونرى أن البعض الذي يرتبط بولاء من نوع ما مع أوروبا بمسمياتها ، فتارة يأكل من ناتج الفرنك الفرنسي ، أو المارك الألماني ، أو الجنيه الإسترليني ، فقد توحد هؤلاء بتوحد المصالح الأوروبية لتصبح عملتهم اليورو هي القاسم المشترك ، لكن حتى هذا اليورو على اختلاف كمياته وأعداده لا يصرف إلا بعد تمحيص وتدقيق وصدور الأمر من الباب العالي في واشنطون – الأحرى من نيويورك مركز الثقل الصهيوني ، بل مركز قيادة العمليات العالمية ، والمؤكد أن دولاً عربية عديدة ، دون أن نسميها لا تستطيع تحويل أي نوع من العملة لعملائها في أية دولة عربية إلا بعد أخذ الإذن بذلك ، وأية دولة منها أعجز من أن تقوم بتحويل عشرة آلاف دولار دون أن تمر عملية التحويل بمركز المعلومات في البنك المركزي الأمريكي ، والخزانة الأمريكية وبالتالي تتم الموافقة أو وقف التحويل وبراهيني أكثر من أن تحصى .

عندما يدرك المحلل أبعاد العملية وأدوات التحكم بتشكيل أية حكومة في لبنان ، يعلم سر إصرار الرئيس المكلف على حيازة الأغلبية بالمطلق ، واستبعاد أصحاب القرار السيادي الوطني الحقيقيين ، ويدرك الجميع من يقف وراء العملية الحسابية التي لا يمكن أن تعطي لحكومة ستتشكل القدرة على اتخاذ قرارات تناقض مصالح أمريكا الصهيونية في المنطقة ، أو بمعنى آخر تعطيل قرارات تخدم هذه المصالح ، من هنا كان الإصرار على عدم منح المعارضة الثلث المعطل ، أما المواقف العربية ، مصرية كانت أو سعودية ، وهما الطرفان الأكثر فاعلية على ساحة لبنان ، فهي بالأصل ليست مصرية أو سعودية بالمعنى الحرفي الدقيق ، إنما هي وسيط لتحقيق مصالح الدولة الكبرى التي تتحكم بمفاتيح الخزائن ومزاريب الأخضر أو الأزرق ، المهم أن لا يكون على ساحة لبنان حكومة قادرة على اتخاذ قرار يصب في المصلحة الوطنية والسيادة الحقيقية ، إذ لا يقرأون السيادة إلا في استبعاد العلاقة الطبيعية مع الشام باعتبارها المجال الحيوي للبنانيين ولبنان كوطن ، وقد تكون السيادة برأي هؤلاء مع الوصاية الخارجية من أية جهة كانت .

التجاذبات السياسية في زمن سابق أفرزت كثيراً من حالات الاستعصاء على ساحة بيروت ، لكنها لم تبلغ درجة ما بلغته اليوم ، وهذا دليل على حدة الصراع ما بين إرادة وطنية ، وإرادة خارجية ، بل إرادات تتحكم بها مصالح أبعد ما تكون عن مصالح الشعب اللبناني في سيادته واستقلاله ، ويبقى السؤال : ما الذي أوصل سياسيو لبنان ، أو جلهم إلى حالة الارتهان الحاضرة ، وهل هذا الارتهان له ما يبرره .؟.

إن عمق الهوة الحالية ما بين المصالح الخارجية ، والمصالح الوطنية يدفع باتجاه مرحلة خطرة من الصراع لا يمكن معه استبعاد أي تطور بما في ذلك الحرب الداخلية ، أو حرب تشن من الخارج ، وهذا ما وعته القوى الوطنية اللبنانية وتأخذه بالحسبان ، وهي تحاول جاهدة أن لا يحصل متوسلة الحوار الوطني الداخلي حتى مع العملاء ، لدفع هذا الاحتمال جانباً أو تأجيله على أمل أن تتغير الظروف ، وإذ يقول البعض أن شيئاً من الآمال قد انتعشت بعد أحاديث الرئيس الأمريكي – أوباما – عن السلام وجنوح إدارته إلى ممارسة سياسة القوة الناعمة – الضغوط بكل أنواعها ، دون إسقاط تحقيق الأهداف من حساباتها ولكن على حساب الآخرين ، آمال ربما سقطت أو هي على وشك أن تسقط بعد أن تبين للعالم أن الحديث عن السلام في واد ، والسلام في واد آخر ، كما تبين أن هذه الإدارة لا تختلف عن إدارات سابقة إلا بنعومة الخطاب وتغير الأسلوب ، بمعنى آخر ، وضع العصا خلف الظهر والتلويح بالجزرة ، فهل يستمر هذا العرض طويلاً أم تعود العصا لتمارس دورها باليد الصهيونية أصالة ، أو بأيد أخرى وكالة .؟.

اللعبة الخارجية على ساحة الداخل اللبناني أدركها البعض ، القليل منهم استطاع أن يمسك بدفة سفينته مغيراً الاتجاه ليعود أدراجه مبتعداً عن ساحة العاصفة القادمة ، والبعض الآخر أصم أذنيه وأوغل مبحراً إلى المجهول .

قد لا نفرح كثيراً بظهور تشكيلة الحكومة العتيدة ، وندرك أنها ستكون ملغومة ، وأسمح لنفسي بنقل آراء البعض على الساحة الذين يقولون : سحقاً للدولار الذي فرض علينا رئيس وزراء لا زال يمارس السياسة بمنتهى الطفولة ، الأوصياء عليه أكثر من عدد أفراد عائلته ، وآخر ما يفكرون فيه هو مصلحة الشعب الذي يرأس وزارته ، هو مجرد واجهة يحاولون فرض مصالحهم عبرها ، ويتساءلون : هل لو كان الرئيس المكلف واحداً من مخضرمي السياسة اللبنانية ، المتحررين من غالبية الضغوط ، وغير الخاضعين للمزاجية ، هل كانت التشكيلة لتتأخر هكذا .؟. الجواب عند قادة لبنان .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026